يتحرّك مفهوم الثقافة على محور بين طرحين. في جهة أولى، الثقافة بوصفها مُجمل معايير وأحكام وأنساق وفرضيّات جماعة ما في كلّ حقول حياتها وتصوّرها لذاتها وللعالم. وفي الجهة الثانية، طرح يقول بأن الثقافة هي تلك الأنشطة الجميلة والفنّيّة التي تأتي بها جماعة ما. وأظنّني أعتمد المفهوم الأوسع القائل بأن ثقافة جماعة هي هويّتها. والهويّة هنا أيضًا مفهوم واسع يتعدّى السياسة. بل أرى الثقافة مؤسّسة على جملة “ثقافات” فرعيّة مثل “الثقافة السياسيّة” و”ثقافة العطاء” و”ثقافة الموت” و”ثقافة المائدة” و”الثقافة التنظيميّة” وما إلى ذلك من “ثقافات” فرعيّة تؤلّف الثقافة العليا أو الكليّة للجماعة. فالثقافة لا تعني مجموع الفنون والأدب في مجتمع ما فحسب بل تعني، أيضًا، طريقتنا في تنظيم فعل العطاء وأسلوبنا في التعاطي مع الموت ومراسيمه، وهكذا حتى آخر “الثقافات” الفرعيّة. يُعزّز انتصاري لهذا المفهوم مصطلح “المثقّف”، فهو يعكس المفهوم الأوسع للثقافة، علمًا بوجود جهد لتضييق دلالاته ووظائفه. ومن هنا كانت الحاجة إلى جعل اللفظة مقرونة دائمًا بإضافة مثل “المثقّف العضويّ” و”المثقّف الملتزم” و”المثقّف المُشتبك” و”المثقّف الجذريّ”. وهي ظاهرة لغويّة حصلت في مساحة اللغات والثقافات الأخرى وليس في مساحة اللغة العربيّة فحسب.
ترتبط الثقافة والمثقّف، كما رأينا من التراكيب اللغوية آنفة الذكر، بمنظومة قيم أو أفعال ووظائف مُشتقّة من السياق العام لوجود الجماعة وأدائها. ومن هنا هذا الرأسمال الرمزي والمعنويّ الأخلاقي في اللفظتيْن: “الثقافة” و”المثقّف”. فهما متّصلتان بـ”روح الجماعة” ومعناها ووظيفة الثقافة وأكثر المثقّف الذي عليه في كلّ ثقافة مهمّة النقد والتفكيك والبناء من جديد بروح قيَم المدينة الفاضلة والمُثل المرتجاة في تحديد العلاقات والاجتماع والأفعال لدى الأفراد والجماعة على السواء. يُمكننا أن نعتبر الثقافات بوصفها جماعات وتصوّرات للعالم متساوية في قيمتها الجوهريّة (Cultural Relativism) كما أراد فرانز بواز (Franz Boas) وتلامذته. إلّا أن هذا الطرح ينبغي ألّا يُحرّر “المثقّفين” في كلّ ثقافة من واجبهم السعي إلى الارتقاء بثقافة جماعة انتمائهم، فالتساوي بين الثقافات في قيمتها الجوهريّة (نظريّة مضادة ونافية لنظريّات تقول بهرميّة قيميّة بين الثقافات) لا يعني انعدام الحاجة إلى تطويرها وإعادة بنائها كلّ مرّة من جديد أكثر رقيًّا ومعنى.
أقول هذا في “زمن سائل” بلغة زيغمونت باومان و”أزمنة متصدّعة” بلغة هوبسباوم شهدت غياب الكثير من المفردات عن خطاب علوم الاجتماع والسياسة التي دخلت بغير إرادتها ثقب العولمة ولمّا تخرج. فالعولمة ليست أنها خلطت الأوراق و”المواد” بعضها ببعض فحسب، بل قصدت وتقصد أن تفعل ما استطاعت لأن هذا الخلط هو بيئتها المُستحبّة وهذه السيولة غايتها المأمولة. فمُحدثوها يُريدون الاجتماع البشريّ أكثر غرائزيّة كي يستهلك ويميل كلّما مال الهوى، ويقبل ويتفاعل وينفعل ويُطيع ويسير معصوب العينيْن وراء “الترندات”. تمامًا، كما أرادت ذلك وسائل الإعلام الجماهيريّ عشيّة نشوء الفاشيات وأنظمة الحكم المستبدّة في النصف الأول من القرن الفائت. في حينه، كما الآن، يُراد للناس أن تنصاع وتُطيع وتمتثل. في حينه أمام سلطة الدولة “مالكة الحقيقة والقوّة”، والآن كي تستهلك وتنضوي في خدمة مُحدثي العولمة. يُناقش باومان وهوبسباوم وآلان دونو، صاحب كتاب “نظام التفاهة”، في الجزء الأخير من كتابه، مستقبل الثقافة ووظائف المثقّف في ضوء الانزياح الذي حصل فيها لجهة التحوّل إلى “سلعة” لتحقيق الربح أو الرواج أو كليهما أو النجوميّة. صحيح أن بعض الدول لا تزال تدعم النشاط الثقافيّ، إلّا أنها أكثر وضوحًا، كما يقول باومان وهوبسباوم ودونو، في طلب المقابل وهو الولاء للمؤسّسة وعدم الخروج عن نصّها وخطابها، وإلّا فقدت الثقافة ونشطاؤها التمويل والدعم من الميزانيّة العامة. فهي مكرّسة ـ وفق هذه الرؤيا ـ لصناعة الإنسان السهل الليّن القابل للتصميم وفق أهواء صانعي القرار.
هنا بالتحديد ـ مع تجيير الثقافة وتسليعها وإدراجها ضمن الأهداف و/أو الأدوات ـ تتحوّل وظائف المثقّف من السير معها إلى نقدها أو إلى تفكيك سطوتها. صحيح أن هذا المطلب ليس جديدًا، فالماركسية على مذاهبها رأت أن تطالب المثقّف بمواجهة سلطان الرأسمال من خلال الانحياز للطبقة العاملة أو الفئات المُستضعفة في الدولة والمجتمع، كما طالبت أدبيات ما بعد الاستعمار المثقّفين بالانخراط في مقاومة المستعمِرين و”ثقافتهم”، لكننا كنّا نتحدث عن مجتمعات بعينها وعن ثقافة في دولة محدّدة، فيما نحن نتحدّث الآن عن اجتماع العولمة وثقافتها. وهو ما يجعلنا نوسّع وظيفة المثقّف وندعوه إلى الانخراط في فعل مقاومة أوسع بكثير على مدار الاجتماع عمومًا. لا حماية لنفسه أو جماعته فقط، بل حماية الاجتماع البشريّ من الضمور والجفاف بعد إخضاع كل شيء فيه لمعايير النجاعة والربح كأنّه شركة يُديرها أصحاب عمل متجهّمي الوجوه على الطريقة التي أدار فيها أصحاب المزارع مهاجع العبيد في زمن الرقّ.
كنتُ ولا أزال أفترض أن أهمّ وأخطر وظيفة للمثقّف هي تفكيك مبنى القوّة في كلّ سياق مُعطى. بمعنى أنه القوّة الأخلاقيّة والمعنويّة والرمزيّة في وجه السلطة السياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة في مستوى الجماعة ومستوى العالم. من هنا اهتمامي بمغادرة مربّعات المثقّف التقليدية مثل مربّع “الالتزام” و”الاشتباك”، والتحرّك على مربّعات أوسع هي الاستنارة التي أريد لها معنى يتجاوز الجماعة العينية ـ جماعة الانتماء والهويّة والدولة ـ إلى جماعة إنسانيّة كونيّة. شهدنا نموّ مثل هذا المفهوم عندما رأينا انهيار السرديّات الكُبرى وانسداد الأيديولوجيات النقديّة نفسها، وعلينا أن نساعده على مواصلة النموّ والتوسّع كي يصير المثقّف ذاك الذي يواجه بثقافته ومعارفه ورمزيّته قُبح العالم وشروره وتداعي الاجتماع وأنساقه في الدول وعلى مستوى العالم. وهي أنساق ـ الفكرة الديمقراطيّة والفكرة الليبرالية ودولة الرفاه مثلًا ـ “اشتغلت” على نحو ونهضت بالعالم والدول ردحًا غير قصير من الزمن إلى أن دكّتها سيرورات العولَمة وأفرغتها من مضامينها.
لقد خلص يورغن هبرماس في أواخر حياته إلى ضرورة الاعتراف بأفول الاجتماع التقليدي القائم على الفكرة الليبرالية والدولة القطريّة واستشراف صيغة أخرى له تجنّبنا الفظائع. ومن هنا استحضاره تجربة الاتحاد الأوروبي كمرحلة من الاجتماع الذي يستطيع مواجهة المرحلة ـ العولمة ـ بنجاح نحو اجتماع أكثر رأفة ومعقوليّة. لم تمرّ أطروحته بدون نقد وتفكيك، ومع هذا فقد كان جديرًا بالاهتمام كمدخل للاجتماع المعولم الأوسع الذي يبدو لي أنه استنفد مداه. من هنا التعويل على المثقّف أن يُشارك في بناء المرحلة القادمة من حياة البشر على أسس يوتوبيا جديدة سيظلّ فيها من رائحة “المدينة الفاضلة” ودولة الرفاه والقيم الإنسانيّة النبيلة، وعلى أساس معارف جديدة وعلم اجتماع جديد. هذا بالتحديد ما يجعلني أصرّ على أنّ دور المثقّف في الراهن هو الدفاع عن الفكرة المُشرقة والأفكار النبيلة ـ العدل مثلًا ـ أكثر بكثير من الدفاع عن انتماء هويّاتيّ محدود. إنه المثقّف الذي قرّر أن يصير مستنيرًا وفيلسوفًا إضافة إلى التزامه ـ وهذه المرّة بالقيَم السامية أكثر من التزامه بنظريّة حزب أو عقيدة. هذا المنعطف من تاريخ الاجتماع البشريّ ـ التهافت والانهيارات ـ يستدعي من المثقّف سعة رؤيا وإنتاج معارف جديدة في كلّ شيء ـ من البداية!