يتناول هذا المقال فيلم “ضعي روحك على كفك وامشي”/ Put Your Soul on Your Hand and Walk، وهو عمل وثائقي للمخرجة الإيرانية-الفرنسية سبيده فارسي، ويتمحور حول المصوّرة الفلسطينية الشابة فاطم حسونة. اختير الفيلم للمشاركة في قسم ACID ضمن مهرجان كان السينمائي الدولي لعام 2025، حيث عُرض للمرة الأولى في أيار/ مايو. وقد منحني مهرجان الفيلم العربي ALFILM، في دورته السابعة عشرة في برلين، فرصة مشاهدة هذا الفيلم والتمعّن في وجه فاطم والإنصات طويلًا إلى صوتها. ذلك الصوت الذي استطاع أن يخترق روحي ويهزّها، رغم كل طبقات التبلّد والخدر التي راكمها ربما الاعتياد الطويل على مشاهدة الموت والخراب من بعيد.
الفيلم عبارة عن سلسلة من المحادثات الافتراضية التي تبدو، رغم المسافات والشاشات، حميمةً بين سبيده فارسي وفاطم حسونة. محادثات يتخللها تدفق الأخبار العاجلة عما يحصل في غزة، وصور فاطم التي توثق من خلالها حياتها وما تعايش في غزة وسط القصف والركام والانتظار والخوف. تصبح شاشات الهاتف والحاسوب في الفيلم أكثر من مجرد وسائط تواصل، فتتحول إلى نوافذ هشّة على حياة مهددة بالانقطاع في كل لحظة، تمامًا كما يصبح انقطاع الإنترنت المتكرر جزءًا من إيقاع التجربة نفسها، التي يكافح فيها حتى الصوت والصورة من أجل البقاء.
في “ضعي روحك على كفك وامشي” لا نُقاد كمشاهدات ومشاهدين برفقٍ إلى الحكاية، بل نُدفع إليها دفعًا، فنجد أننا نقف فجأة داخل حياة تُسجَّل وتُمحى في الآن ذاته. هنا، التصوير ليس مجرد توثيق، بل فعل نجاة. والكاميرا ليست عينًا محايدة، بل قلبًا يرتجف ونظرةً تصاب هي نفسها بالصدمة مما تراه. تقول فاطم: “أنا أصدم أيضًا من الصور التي ألتقطها”، كما لو أن العلاقة بين المصوّرة والصورة قد انقلبت، فلم تعد هي من يلتقط الواقع، لكن هو الذي يقتحمها ويعيد تشكيلها.
ما يتشكّل هنا يتجاوز حدود التوثيق بمعناه التقليدي، إنه شهادة بصرية تطالب بشرعيتها الخاصة، لا بوصفها مكمّلًا للغة أو الذاكرة، إنما لكونها شكلًا آخر للحقيقة نفسها. فلا تُستخدم الصورة هنا لتسجيل التاريخ، إنما لانتشاله من خطر المحو. تاريخ يُكتب بالوجوه المرتجفة، بالأصوات المتقطعة، وبالأجساد التي تحاول أن تترك أثرًا قبل اختفائها.
في أحد منشوراتها على إنستغرام، كتبت فاطم: “ربما ستعيش صوري أطول مني”. جملة ليست تأملًا شاعريًا بقدر ما تبدو وعيًا مبكرًا ومؤلمًا بعلاقة الإنسان بأثره. فالجسد يمكن أن يُقصف، أن يُمحى، أن يختفي بالكامل، لكن شيئًا منه قد يبقى معلّقًا في العالم: صورة، صوت، نظرة، أو شهادة على أنه كان هنا يومًا. فيتحول التوثيق من مجرد حفظٍ للحظة إلى محاولة أخيرة لمقاومة الاختفاء، إلى ما يشبه وصية يتركها الإنسان خلفه كي لا يُبتلع موته بالصمت والنسيان.
في شمال غزة، في حيّ التفاح، كانت فاطم تعيش بين الأشياء وهي تتلاشى. تتمسّك بدقّة التفاصيل في عالم تعمل الحرب فيه على محو الملامح والفروق والذاكرة نفسها. تقول: “لم يُدمَّر بيتنا بالكامل، بل تقريبًا”، إذ لا يكتفي الخراب بالإزالة الكاملة، بل يترك أثرًا متعمّدًا، خيطًا لما فُقد يُبقي الألم حيًّا. تشير إلى أكوام الركام: “هذا حيي، انظري انظري إلى الدمار”. ومع ذلك تصرّ: “لم ولن نعتاد على الموت والدمار… لأننا اعتدنا على مواصلة الحياة”. أهو تناقض لغوي، أم حقيقة وجودية موجعة بأن الإنسان لا يعتاد الموت مهما تكرّر وغزر، إنما يتعلّم، على نحو عبثي ومؤلم، كيف يصنع داخله حيّزًا هشًّا للحياة رغم كل شيء؟
في الوقت نفسه لا ينفصل هذا الإصرار على الحياة عن حقيقة أكثر قسوة، وهي أن فاطم لم تغادر غزة طوال سنوات عمرها الخمس والعشرين. لم تعرف العالم إلا عبر الصور والأحلام والشاشات. لم تكن غزة بالنسبة إليها مكانًا فقط، بل شكلًا مغلقًا من الوجود، سجنًا يأسر حتى خيال الإنسان عن نفسه. تقول بيقين يختلط فيه التعب بالرغبة: “أريد أن أغادر، أن أستطيع المغادرة كإنسانة عادية… أنا لستها بعد، لافتقادي كل مقومات أن تكون عاديًا”. ثم تضيف: “أنا متأكدة أنني سأعود”. رحيل لا يتناقض بالنسبة لها مع فكرة الانتماء، إنما يكون جوهريًا امتدادًا وتدعيمًا له. كانت تريد أن ترى العالم لا لكي تهرب من غزة، بل لكي تعود إليها بعينين أقل حرمانًا، وبحياة تستحق أن تُعاش. وتعرف فاطم أيضًا أن هذا السجن لم يبدأ في لحظة واحدة، ولا يمكن اختزاله بتاريخ محدد. فالحصار والتضييق والإغلاق ليست أحداثًا طارئة، إنها طبقات متراكمة من الانغلاق. إذ لا يُقاس الزمن في غزة بالأيام، إنما بدرجات الاختناق التي تتراكم فوق الروح عامًا بعد عام.
حين يصبح القنّاص جزءًا من الحياة اليومية، وحين تصبح النظرة من النافذة خطرًا على الحياة، تتحول الحياة إلى ما يشبه بث مباشر للموت. صوت مروحية الأباتشي لا ينفك يقطع كل حديث. يخنق حتى أنفاس الجمل قبل اكتمالها. تسأل المخرجة: “لماذا يستخدمونها؟” فتجيب فاطم ببساطة تعرّي البديهي داخل واقع عبثي: “لكي يقتلونا”.
| المخرجة الإيرانية-الفرنسية سبيده فارسي (Getty) |
الأمل ليس مجرد نقيض لليأس، بل رفيقه الثقيل. تحلم فاطم بأن تدرس خارج غزة، أن تصوّر، أن تزور روما، ثم أن تعود إلى غزة. تحلم بالدجاج والشوكولاته بعد أكثر من تسعة أشهر بلا طعام كافٍ. تقول: “أكبر أحلامي أن آكل دجاجًا وشوكولاته”. ما قد يبدو عاديًا في سياق آخر، يتحول هنا إلى مطالبة جذرية بأدنى حق في الحياة. “ماما، ماذا سنأكل؟” ــ “لا شيء، لأنه لا يوجد شيء”. فالجوع ليس ألمًا جسديًا فحسب، إنه ـ كما تصفه فاطم ـ أقسى أشكال الموت.
ومع ذلك، هناك تلك الابتسامة، مرابطةً سخيّةً على وجه فاطم الذي يملأ الشاشة وقلبي في آنٍ معًا. تضحك فاطم بعد وقوع انفجار. تصف ضوء “الساعة الذهبية” وكم هو خلاب لالتقاط الصور. ضوءٌ يستقر على وجهها مثل لوحة حيّة، بينما تحوم طائرات F-16 فوقها. لم أشهده تناقضًا جماليًا، إنما محاولة أخيرة للقبض على الجمال وسط انهيار كامل.
في لحظة أخرى، تغني بصوت خافت أغنيةً، ذكرت لاحقًا أنها من كتابتها “يا نسيم يا عليل… أنا والله قلبي عليل… لو باقي بيوت بالقلب لو باقي بيوت”. يحمل صوتها خفةً وسكينة لا تشبه الواقع الذي تعيش فيه. وكأن الغناء محاولة لترميم شيء داخلي لا تصل إليه اللغة العادية. استراق نفسٍ ولو لوهلة خاطفة وسط كل هذا الاختناق.
تبلغ مفارقة الأمل ذروتها حين تستدعي فاطم ــ مستلهمة من فيلم “الخلاص من شاوشانك”/ The Shawshank Redemption ــ فكرة أن “الأمل شيء خطير جدًا”. في سياقها، لا تبدو هذه المقولة كحكمة سينمائية عابرة، بل كتشخيص دقيق لحالتها. فالأمل هنا مخاطرة أكثر من أن يكون عزاءً. إذ إنه يفتح فضاء الخيال على وجود آخر، حياة غير متاحة في اللحظة الراهنة. يجعلك ترى اتساع العالم بينما أنت محاصر داخل “صندوق”، كما تصفه هي. قد يكون الأمل قاسيًا لأنه يذكّرك بما ينقصك، بما سُلب منك، بما تستحقه ولا تملكه. ومع ذلك فهو الشيء الوحيد الذي يفصلك عن الانهيار الكامل ويبقيك على قيد الحياة. وهنا يلامس ذلك قولها أيضًا: “نحن أقوياء وشجعان”. لم أشعر أن قولها لهذه الجملة كان تفاؤلًا ادعائيًا، بقدر ما كان في الحقيقة فعل تثبيت للذات، تعريف جديد للنفس في مواجهة الاختفاء، كإصرار على أن القوة لا تكمن في مجرد النجاة، إنما في مواصلة السير رغم معرفة احتمال المحو والهلاك.
لكن السؤال الذي فرض نفسه عليّ كان: هل يمكن إعادة غرس فكرة أو روح أو نفس أو كلمة؟ في عالم لا يستطيع فيه المرء حتى أن يدفن موتاه أو يودّعهم؛ عالم تقول فاطم فيه: “ستّي ماتت ولم أستطع أن أراها أو أدفنها… تخيّلي أننا وجدنا رأس زوجة عمي في شارع آخر”، هو عالم تصبح الذاكرة فيه القبر العزاء الوحيد. ترديد وتكرار أسمائهم ــ “جدتي، أعمامي، أحبتي” ــ لم يكن حزنًا فقط، إذ كان محاولة لإبقائهم أحياء في اللغة. فتتحول اللغة نفسها وممارستها رغم عبثها إلى شكل من أشكال المقاومة في مواجهة الفقد والنسيان.
تحلم فاطم بجدّيها وهما يمسكان يدها ويمضيان معها. أهذا الحلم هروب، أم شكل من أشكال اللقاء في وجه المستحيل؟ يخلق الانقطاع في طقوس الموت جرحًا آخر يزيد من ألم الفاجعة، لفقدان القدرة على الوداع والحداد.
في موضع آخر، تتحدث فاطم عن غرفتها، وعن المفتاح الذي ما تزال تحتفظ به رغم أن الغرفة نفسها لم تعد موجودة. تستحضر هنا فرجينيا وولف وفكرة “غرفة تخص المرء وحده”، لكن ماذا تعني فكرة الغرفة أصلًا في عالم تُمحى فيه البيوت والغرف قبل أن تتحول إلى ذكريات؟ تصبح الغرفة أثرًا داخليًا أكثر من كونها مكانًا، ويغدو المفتاح شاهدًا صغيرًا على ما لم يعد له باب. فلم يُسلب الإنسان بيته وأمانه ومكانه فقط، إذ انتزع منه أيضًا ذلك الحيّز الخفي الذي تسكن فيه نفسه.
تصف فاطم نفسها قائلة: “أنا فارغة. أنا فوضوية. أنا متعبة”. تتحدث عن رأسٍ مشوش، وعن عجزٍ عن التركيز، وعن شعورٍ متكرر بأنها ليست موجودة بالكامل. لكنها تدرك في الوقت نفسه أن ما تعيشه ليس أزمة فردية، بل أثرٌ مباشر لحالة طوارئ جماعية ودائمة. كل خطوة في الشارع تعني، حرفيًا، “أن تحمل روحك على يدك” وهو ذاته العنوان الذي يحمله الفيلم، كتوصيفٍ دقيقٍ ليوميات تُعاش على حافة الموت.
والأسئلة لا تتوقف: هل سينتهي كل هذا يومًا؟ تنهار الهدنة، وفي الخامسة صباحًا يمحو انفجارٌ عائلةً كاملة عند الجيران. يسأل الأب: “متى تنتهي هذه الحرب؟” ولا يأتي جواب. تروي فاطم عن أطفال سألتهم في الشارع عن أحلامهم، فأجابوا بأنهم يحلمون بالموت. لكن كيف يمكن لطفل أن يشتهي الموت قبل أن يعرف الحياة أصلًا؟ أي عالم هذا الذي يجعل النهاية تبدو أكثر رحمة من الاستمرار؟
تتحدث عن الفوسفور الذي اختبرته مرارًا، وعن قصف جباليا، وعن المياه الملوثة. وعن صديقتها الموهوبة محاسن، التي قُتلت في تل الزعتر، وكانت تتمنى فقط أن يعرف العالم موهبتها واسمها. في غزة لا يُقتل الإنسان وحده، إنما يُقتل معه احتماله ـ مستقبله، وصوته، والحياة التي لم تُمنح له فرصة أن تكتمل. ومع ذلك، يبقى خيط رفيع من الإصرار. تقول وهي تشرب القهوة: “نشرب القهوة ونتخيل أن الحياة لا تزال ذات معنى. ليس لأننا نؤمن بذلك تمامًا، بل لأن علينا أن نؤمن به كي نستمر”. ثم تضيف: “لست حزينة، لكنني محاطة بكل ما يجعلك حزينًا ومريضًا: الركام، والانتظار، والموت”. وكأنه توقف الحزن عن أن يكون شعورًا عابرًا، وبات مناخًا كاملًا يُعاش داخله.
لا مرئيّة المرئيّ
“الصورة تقول أكثر من ألف كلمة”، يقول كورت توخولسكي. لكن هل هذا صحيح حقًا؟ هنا يظهر سؤال آخر، أشد إيلامًا: ما جدوى كل هذا التوثيق؟ ماذا يعني أن نصوّر القتل لحظةً بلحظة، أن نحفظه بالصوت والصورة، في عالم تغيب فيه المحاسبة؟ هل تصبح الكاميرا، رغم نيتها المقاومة، جزءًا من اقتصاد الموت المستهلَك؟ نرى، نرى مرة أخرى، نرتعب، ثم نعتاد. يصبح الدمار مألوفًا، وتتكرر الصدمة حتى البلادة. الخطر لا يكمن في العنف وحده، بل في الاعتياد عليه. في أن تتحوّل العجزية إلى طبيعة، والهزيمة إلى شعور داخلي مستقر. ويبقى في الأمر ما يربك: كم مرة تُستهلك مثل هذه الصور في عصرنا الرقمي، تُشاهَد، تُمرَّر، تُعاد مشاركتها من دون أن نقرأها حقًا، ومن دون أن تجبرنا على طرح أسئلة جديدة؟
ومع ذلك وبالمقابل: ماذا لو لم يكن هناك توثيق؟ ماذا لو اختفى كل شيء بلا أثر؟ التوثيق، في أقصى تناقضاته، هو مقاومة وعجز في آن واحد. إنه صرخة: “نحن هنا” ـ حتى إن لم يجب أحد. ربما لا تكمن قيمته في تغيير الواقع فورًا، بل في حماية الحقيقة من الإنكار، ومنح الضحايا أسماءً وأصواتًا ووجوهًا. كم من مرة قرأنا عن ناجين وناجيات من حروب وفظائع لا تُتخيل، تمنّوا لو أنهم امتلكوا كاميرا، كي يجعلوا ما حدث لهم مرئيًا للعالم.
إذًا فالسؤال ليس: هل التوثيق مجدٍ أم لا؟ بل: كيف نبقى أوفياء لما وُثّق؟ كيف نمنع تحوله إلى مادة استهلاك عابرة؟ كيف نمنع أنفسنا من الاعتياد؟
ألا تجعلنا الشهادة البصرية شهودًا أيضًا؟ وهنا بالذات تكمن قوتها ربما. إذ إنها تمنحنا شعورًا بأننا هناك، بأننا نصير شهودًا، وتجبرنا في الوقت نفسه على أن نسأل أنفسنا ماذا يعني أن تكون شاهدًا حين لا تستطيع تغيير شيء؟
أن نكون أوفياء لفاطم لا يعني أن نشاهد قصتها فقط، بل أن نصغي إليها حقًا، أن نبقي أسماءها وأحلامها حيّة، أن نرفض اختزالها إلى “صورة من الحرب”. يعني أن نعيد الإنسانية إلى المركز، وأن نرى في رغبتها البسيطة ـ قطعة دجاج، غرفة، مدينة ملاهٍ ـ تعريفًا كاملًا للكرامة. وربما يعني أيضًا أن نحتمل ثقل ذلك الأمل الذي وصفته بأنه خطير، بدلًا من الهروب منه.
في تلك العتمة، لم يكن وجه فاطم على الشاشة مجرد صورة. كان قريبًا بصورة مربكة، أكبر من الحياة، ومكشوفًا حتى الهشاشة. ملامحها لا تهدأ: بين ابتسامة خفيفة لا تكتمل أبدًا، وعينين تحملان تعبًا أعمق مما تستطيع الكلمات حمله أو قوله. يسقط الضوء على وجهها بشكل غير متساوٍ، كأن نصفه في الحياة ونصفه الآخر في ظل لا نراه. تعكس نظاراتها ومضات الشاشة، فتبدو عيناها أحيانًا غائبتين، وأحيانًا حاضرتين بقوة موجعة، كأنها تنظر إليك مباشرة، لا إلى الكاميرا.
الوجه كصرح للتاريخ، والصورة كلقاء معه
ربما لا يمكن النظر إلى وجه فاطم فقط، بل قراءته أيضًا، كأنه يحمل في أدق ارتعاشاته وملامحه تاريخ زمنٍ كامل. أمام وجهها على الشاشة لا تنشأ مسافة حقيقية، فتجدك تقف قبالته كما لو أنك تقف قبالة التاريخ نفسه: حاضرًا، مكشوفًا، ولا مفرّ منه.
في لحظة بدت عابرة، لكنها ظلت عالقة في الذاكرة، تسألها المخرجة ببساطة: “هل عيناك بنيتان؟” تنظر فاطم إلى الكاميرا، تقترب قليلًا، كأنها لا تريد فقط أن تجيب عن سؤال، بل أن تصحح شيئًا مختلًا في العالم. ثم تقول، بخفة مرحة وغنج وفرح يلمع رغم كل شيء: “لا… عيوني خضر”. لم تكن إجابتها مجرد تصحيح، كانت استعادة لذات كاملة وسط عالم يعمل باستمرار على محوها. ففي تلك اللحظة، كانت فاطم مجرد شابة تتمسك بتفاصيلها الصغيرة، وتصرّ على حقها في تعريف ذاتها بنفسها. شيء بالغ البساطة يتحوّل فجأة إلى مساحة نادرة من الحرية، إلى تشبث بالعادي والتفصيلي في قلب الطارئ واللامعقول.
وفي لحظة تبتسم، ابتسامة لا تشبه الفرح الخالص بقدر ما تشبه القدرة الغامضة على الاحتمال. ثم، في لحظة أخرى، يهبط وجهها قليلًا، كأن ثقل العالم يمر عبره من دون أن يترك لها فسحة كافية للمقاومة. هناك شيء في طريقة كلامها، وفي قرب الكاميرا منها، وفي ارتجاف الصورة، ما يجعل حضورها ناقصًا تقنيًا لكنه الكمال إنسانيًا. وكأن الخلل نفسه ـ التشويش، القرب المفرط، والزوايا غير المثالية ولا حتى المكتملة ـ هو نفسه ما يسمح للحقيقة بأن تظهر أخيرًا.
لم يكن هذا الوجه ثابتًا. كان يتغير مع كل جملة، مع كل انقطاع في الصوت، مع كل ارتجاج في الصورة. وجه يحمل في آن واحد طفولةً لم تكتمل ونضجًا فُرض عليه بالقوة. وجه لا يطلب التعاطف، لكنه يستدعيه من دون أن يقصد. وحين تقول للمخرجة، معلقةً على انقطاع الإنترنت، بنبرة شبه مازحة: “ستُعانين معي الآن”، لا يبدو الأمر تهديدًا، بقدر ما كان دعوة قاسية إلى المشاركة: ألّا تبقى خارج ما تعيشه، أن تدخل ولو لوهلة إلى عالم الثقل الذي تحمله وحدها.
| مشهد من الفيلم |
لم يكن هذا الوجه يُشاهَد فقط، كان يقاوم تحوّله إلى مجرد صورة. كان يرفض المسافة. يرفض الاستهلاك. يظل عالقًا في الذاكرة، لا كلقطة بصرية منفردة، بل كأثر حي، كحضور لا يغادر.
أما أنا فخرجتُ من الفيلم وأنا أرتجف. كنت أبكي، لكن رأسي كان مخدّرًا، وجسدي كالحجر. لم أفهم كيف يمكن للدموع أن تنزل بينما يبقى الجسد متيبسًا بهذا الشكل، كأنه فقد القدرة على الإحساس. كان هناك انفصال غريب بين ما أشعر به وما أستطيع فهمه. نظرت حولي وسمعت أحاديث المشاهدين والمشاهدات من حولي: انزعاجهم من المخرجة، نقدهم لقلة حساسيتها، لإظهارها قطتها وبيتها وسفراتها وطبيعية حياتها، ولأسئلتها التي بدت سطحية أو في غير محلها. شعرت بنفور عميق من تلك الأحاديث، إذ بدت بعيدة. بعيدة جدًا عن فاطم.
قبل أن أهرب من الأحاديث حولي، سألت نفسي: لو كانت فاطم واقفةً أمامي الآن، ماذا كنت سأقول لها؟ كيف كنت سأرد على سردها ليومياتها؟ هل كنت سأملك شجاعة السؤال؟ أم أن كل سؤال سيكون صغيرًا جدًا، ساذجًا جدًا، غير جدير بثقل ما عاشته؟
ربما كان الشيء الوحيد الذي أستطيع تقديمه هو الصمت: صمت الإصغاء، لا صمت العجز. فكل صورة تلتقطها هي فعل حضور، لحظة من شهادة عيان تقاوم الاختفاء. ومع ذلك تبقى التجربة هشّة: فالصور لا تتكلم، بل تجبرنا على احتمال صمتها، وتفشل مرة بعد مرة في أن تُترجم كاملة إلى كلمات. قد لا يكون هذا الفيلم تقريرًا عن التاريخ ولا حتى شاهدًا عليه، لكنه ربما محاولة لكتابته في لحظة تشكّله، بالصور بدل الجمل.
في هذا السياق، أختار بوعي ويقين ألا أمنح نقد المخرجة مساحة تُذكر: لا أسئلتها عن حجاب فاطم، ولا سؤالها عن شخصيات سياسية مثل يحيى السنوار، ولا مقارناتها الساذجة لما تعيش غزة بسياقات تاريخية أخرى. فثقل التجربة التي تنقلها فاطم يتجاوز هذه الأسئلة بكثير. ولأن التركيز عليها، في لحظة كهذه، يبدو انحرافًا عن الجوهري. فاطم هي من يجب أن تُسمع، ومن يجب أن نتعلم منها، ومن يجب أن تُحفظ ذاكرتها، لا أن تُدفع إلى الهامش لصالح أسئلة تقع خارج الألم الذي تعيشه.
في إحدى لحظاتها البسيطة، كتبت فاطم: “إنه أول غروب منذ وقت طويل”. في طارئ مستمر صار فيه أبسط إيقاعات الحياة حدثًا استثنائيًا، شيئًا يُلاحَظ بعد أن كاد يُنسى. من بين أحلامها الصغيرة أيضًا كان أن تذهب بهذا الفيلم إلى العالم، إلى مهرجانات بعيدة، إلى أماكن مثل كان، كي يصل صوتها إلى هناك، لا بوصفها ضحية، بل كصانعة صورة، تمتلك روايتها.
في المحادثة الأخيرة تقول: “سنعيد بناء غزة. هنا أرضنا، ناسنا، وذكرياتنا. ليس لدينا مكان آخر أكثر أهمية أو أكثر معنى”. وتؤكد على ارتباط جذري بهذا المكان رغم فقدانه كل ما كان عليه ورغم كل ما حدث. تحلم بأن تلتقي المخرجة في مكان آخر، أو أن تقودها في شوارع غزة حين تزورها هناك. وتقول: “لدي حلم صغير بعد وهو أن يتّسع التاريخ لقصتي، أن يكون بمقدوري أن أخبر أطفالي بما عشته، كيف نجوت، وممّ نجوت”.
لكن هذا الحلم انقطع.
بعد المحادثة الأخيرة، قُتلت فاطم في 16 نيسان/ أبريل 2025 في هجوم إسرائيلي على شقتها. ماتت فاطم وهي نائمة، مع عائلتها.
فاطم لم تعد هنا، لكن صوتها لم يصمت. ليس فقط لأنها صوّرت، بل لأننا رأينا. ولأننا رأينا، صرنا مسؤولين: لا عن إنقاذ ما مضى، بل عن ألّا نسمح له بأن يتحول إلى حدث عابر.
فاطم لا تُبكى ولا تُرثى فقط، إنها تُستعاد كلما رفضنا الاعتياد، كلما تمسكنا باسم، بصورة، بحلم صغير.
فيا نسيم يا عليل… إن مررت يومًا من هناك، احمل عنا ما تبقى من صوتها، وقل إن قلبًا كان هنا. وأنّه، رغم كل شيء، لم يتوقف لحظة عن الحلم.
ربما كانت تعرف. حين قالت إن صورها ستعيش أطول منها، كانت تعرف أنها لم تكن تتنبأ بالمستقبل… بل كانت تكتب شكل بقائها.