ملخص
الرسالة الكويتية – الخليجية واضحة، لن نخضع للابتزاز مهما أطلقتم من صواريخ العدوان ومسيّراته، أما الرسالة الأميركية فهي أن الخضوع للقرصنة الإيرانية بالهيمنة على مضيق هرمز والتحكم بالملاحة فيه، يعتبر استسلاماً أميركياً وانتصاراً إيرانياً باهراً، فالمضيق قبل الحرب كان مساراً حراً للملاحة البحرية والتجارة العالمية، ولو سلّمت أميركا لإيران التحكم بالخليج، لأن التحكم في المضيق يعني التحكم والهيمنة على الخليج العربي برمته، فكأنما أعلنت استسلامها وأعطت إيران مكانة وقوة دولية، لم تكن تحلم بها قبل مارس (آذار) الماضي.
لليلتين متتاليتين، شنّت القوات الأميركية هجمات على قواعد عسكرية وأهداف حربية عدة داخل إيران، تركز معظمها حول مضيق هرمز، والضربات غير مسبوقة باتساعها ودمارها، فقد استهدفت 80 هدفاً ليلة ما قبل البارحة، وزادت ليلة البارحة، فجر الخميس، لتطاول 90 هدفاً.
الرسالة من الضربات الأميركية واضحة: إن أغلقت إيران مضيق هرمز أو تعرضت للملاحة فيه، فستهاجمها القوات الأميركية بقوة أشد من المرات السابقة، وهو ما صرح به الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقد جاءت الهجمات الأميركية المركزة بعدما أعلن ترمب من أنقرة، خلال انعقاد قمة الـ “ناتو”، أن مذكرة التفاهم مع إيران قد انتهت، متهماً قادتها بالكذب والغش، وأنه لا طائل من المفاوضات معهم.
وكانت إيران هاجمت بمقذوفات بحرية سفينة غاز قطرية وأخرى نفطية سعودية، قبل يوم من الهجمات، وهو ما يعد خرقاً فاضحاً لمذكرة التفاهم التي رعتها باكستان، والتي شكك في إمكان تنفيذها ونجاحها كثير من المراقبين، وبينهم كاتب هذه السطور، فالاعتداء الإيراني على الملاحة في هرمز خرق للنقطة الأولى والثانية من المذكرة، بوقف الهجمات بين الطرفين، وضمان حرية الملاحة داخل مضيق هرمز، لكن إيران لم تلتزم بذلك بعد قصفها الناقلات التي عبرت المضيق من جانب المياه الإقليمية العُمانية، وهو ما يعني أن إيران أكثر من طرف، وأكثر من متخذ قرار، أو أن متخذي القرار هناك ظنوا بأن الرئيس ترمب لن يقوم بأي عمل ضد عرقلة إيران للمضيق، لأنه في حاجة إلى التهدئة استعداداً للانتخابات الفصلية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وخوفاً من ارتفاع أسعار النفط، وبالتالي ارتفاع أسعار الوقود في أميركا، أو هكذا ظنوا، فإن ظنهم خاب حين اندلعت عليهم أبواب الجحيم من البوارج والسفن الحربية الأميركية الـ 19 المحيطة بإيران في خليج عُمان وبحر العرب، والسؤال لماذا استهدفت إيران الكويت والبحرين تحديداً بعدوان متكرر؟
بالطبع، لم تعد ذريعة القواعد الأميركية في هاتين الدولتين قابلة للتسويق، فلم تنطلق منهما الهجمات ضد إيران، ناهيك عن أن إيران بقصفها المتكرر لهذه القواعد يفترض أنها قد سحقتها ومحقتها، وقتلت الجنود الأميركيين الأشباح فيها، لكن ذلك لم يحصل، وقد جادلت مصادر داخل إيران بأن قصف دول الخليج الست في الوقت نفسه خطأ إستراتيجي يوحد هذه الدول، ويعزز المشاعر الوحدوية بين شعوبها، ولذلك فالمطلوب التركيز على بعض، وعدم التركيز على بعض آخر، كمحاولة لخلق شرخ في العلاقات بين دول الخليج.
في إيران أصوات أقرب ما تكون إلى الهلوسة السياسية التي ترى أن البحرين محافظة إيرانية، وهذه الطنطنة بدأت تظهر للعلن حتى في وسائل الإعلام وعلى ألسنة السياسيين والإعلاميين والمحليين الإيرانيين، وما أشبه الليلة بالبارحة، فحين غزا صدام حسين الكويت عام 1990 ضمها وأعلنها المحافظة الـ 19 الملحقة بالعراق، وكلنا يعرف مصير ذلك العدوان، وكيف انتهى بالهزيمة والعار.
ترفض دول الخليج أي انتهاك لسيادتها من إيران أو ولائييها من ميليشيات “الحشد الشعبي” في العراق، وقد حاولت انتهاك السيادة الكويتية في الأول من مايو (أيار) الماضي بإرسال ستة ضباط من “الحرس الثوري” برتب عالية، عبر التسلل داخل مياهها الإقليمية، فألقت القبض على أربعة منهم وقدمتهم للمحاكمة بتهم أمن دولة ومحاولة الإضرار بالبلاد، رافضة طلب إيران المتكرر بالإفراج عنهم، بحجة أنهم تاهوا في البحر، ومن هنا أخذ الضغط الإيراني أشكالاً من الهجمات الصاروخية والمسيّرات التي تطلقها كلما تعرضت لهجمات أميركية.
الرسالة الكويتية – الخليجية واضحة: لن نخضع للابتزاز مهما أطلقتم من صواريخ العدوان ومسيّراته، أما الرسالة الأميركية فهي أن الخضوع للقرصنة الإيرانية عبر الهيمنة على مضيق هرمز والتحكم بالملاحة فيه، يعتبر استسلاماً أميركياً وانتصاراً إيرانياً باهراً، فالمضيق قبل الحرب كان مساراً حراً للملاحة البحرية والتجارة العالمية، ولو سلّمت أميركا لإيران التحكم بالخليج، لأن التحكم بالمضيق يعني التحكم والهيمنة على الخليج العربي برمته، فكأنما أعلنت استسلامها وأعطت إيران مكانة وقوة دولية، لم تكن تحلم بها قبل مارس (آذار) الماضي.
الأوروبيون، وعلى رأسهم بريطانيا وفرنسا، أعلنوا أنهم مستعدون للمشاركة بقوة دولية لتأمين حرية الملاحة في الخليج العربي، والضربات الأميركية على إيران بعد قرصنتها البحرية ضد السفن أوضح رسالة بأن التحكم في المضيق خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وإذا استمرت إيران في تجاوزه فهذا يعني استمرار الضربات التي سيتسع نطاقها، وربما يتسع عدد المشاركين فيها، فهل تكرر إيران قرصنتها ومن ثم تتعرض لهجمات أميركية مدمرة؟ أم أنها سترعوي وتحسب حسابات البيدر والبندر وتقارن بينهما؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام المقبلة.
