أ ف بعنصر من البيشمركة من “الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني” يشارك في تدريبات عسكرية روتينية في بلدة كويا (كويه)، على بُعد 100 كيلومتر شرق أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2017في الوقت الذي تدعم فيه طهران وتساهم في إنشاء تنظيمات مسلحة عراقية مستقلة عن الدولة المركزية في العراق، تقصف الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة، وتطلب من بغداد تسليم عناصرها أو حظر نشاطها. فهل تقبل إيران بمقايضة تقوم على منع الجماعات المسلحة بشكل عام، أم إنها تريد فقط حماية ميليشياتها العراقية وتحييد خصومها المسلحين على الأراضي العراقية؟
تتابع “المجلة” هذا الموضوع المهم في إطار المخاطر التي تهدد سلامة العراق ووحدته.
تعود القضية الكردية الإيرانية إلى صدارة التوترات بين طهران وبغداد، بعد إعلان إيراني أحادي الجانب عن اتفاق يقضي بإخراج عناصر الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة المتمركزة في إقليم كردستان العراق أو تسليمهم. يأتي هذا التطور في ظل استمرار وجود هذه الجماعات المسلحة على الأراضي العراقية منذ عقود، ومطالب إيرانية متكررة بتحييدها أو إنهاء وجودها.
وجود المعارضة الكردية الإيرانية على الأراضي العراقية
تستضيف مناطق في إقليم كردستان العراق، منذ الثمانينات، قواعد ومعسكرات لعدة جماعات كردية إيرانية معارضة، أبرزها “الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني” (حدكا/PDKI)، و”حزب كوملة”، و”حزب الحياة الحرة لكردستان” (بيجاك/PJAK)، و”حزب حرية كردستان” (PAK)، و”منظمة خبات”. فرّ معظم عناصر هذه الجماعات إلى العراق بعد الثورة الإيرانية عام 1979 وأثناء الحرب العراقية-الإيرانية، وتتخذ هذه الجماعات من المناطق الجبلية القريبة من الحدود مع إيران قواعد لنشاطها.
تصنّف طهران هذه الجماعات على أنها “إرهابية انفصالية”، وتتّهمها بالضلوع في هجمات داخل الأراضي الإيرانية، خصوصاً في المناطق الكردية شمال غربي إيران، وبالارتباط بمصالح أميركية أو إسرائيلية. في المقابل، تنفي هذه الجماعات الاتهامات، وتؤكد أنها تسعى إلى الدفاع عن حقوق الأكراد الإيرانيين، الذين يشكلون نحو 10 في المئة من سكان إيران، ويواجهون قيوداً ثقافية وسياسية.
الاتفاقات السابقة: منطقة الـ40 كيلومتراً
في مارس/آذار 2023، وقّعت بغداد وطهران اتفاقاً أمنياً لتعزيز أمن الحدود المشتركة. وبموجب هذا الاتفاق، التزم العراق بمنع استخدام أراضيه لشن هجمات على إيران، ونزع سلاح الجماعات الكردية الإيرانية، وإغلاق معسكراتها القريبة من الحدود، ونقلها إلى عمق إقليم كردستان. وتشير المصادر الكردية والعراقية إلى أن الاتفاق نصّ على إبعاد عناصر هذه الجماعات لمسافة تزيد على 40 كيلومتراً عن الحدود الإيرانية، مع تعهدها بعدم القيام بأي نشاط معادٍ لطهران انطلاقاً من الأراضي العراقية.
وفي أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2023، أعلنت السلطات العراقية بدء تنفيذ الاتفاق، من خلال نقل المقار، ونزع الأسلحة الثقيلة، ونقل المجموعات إلى مناطق أبعد، مثل كويسنجق ورانية، مع بناء مخيمات لإيوائها. وتراجع القصف الإيراني عبر الحدود نسبياً بعد ذلك، لكن التنفيذ ظل جزئياً، واستمرت الجماعات في الوجود، وإن بعيداً عن الشريط الحدودي المباشر.
تواصل طهران المطالبة بتحييد هذه الجماعات بشكل كامل، سواء بإبعادها عن الأراضي العراقية أو بتسليم عناصرها. وفي 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عقدت اللجنة الأمنية المشتركة اجتماعاً في بغداد برئاسة مستشار الأمن القومي العراقي قاسم العبودي، بحضور وفد إيراني ووفد من إقليم كردستان. وأعلن السفير الإيراني محمد كاظم آل صادق، في اليوم التالي، أن الجانبين اتفقا على “إخراج عناصر الجماعات الانفصالية الإرهابية الإيرانية من إقليم كردستان أو تسليمهم لإيران”.
ولم يتضمن البيان العراقي تأكيداً صريحاً لهذا البند، واكتفى بالإشارة إلى بحث الملفات العالقة وتعزيز التنسيق. وأكد مسؤولون كرديون، من بينهم مستشار إعلامي لمسعود بارزاني، أن طلب التسليم لم يُطرح في الاجتماع، وأن الإطار الساري لا يزال اتفاق 2023، الذي ينص على الإبعاد لمسافة تتجاوز 40 كيلومتراً ومنع النشاط المعادي. كما أشارت مصادر عراقية، في وقت سابق، إلى رفض بغداد التسليم خوفاً على حياة المعارضين.
يأتي التصعيد في ظل توترات إقليمية أوسع، إذ كثفت إيران ضرباتها على مواقع هذه الجماعات في العراق خلال فترات سابقة، خصوصاً بعد احتجاجات عام 2022. في المقابل، يحاول إقليم كردستان الموازنة بين علاقاته مع طهران والضغوط الدولية، بينما تبقى الجماعات الكردية الإيرانية مصدر قلق أمني مستمر.
ويظل الملف مفتوحاً، مع تضارب الروايات بين الإعلان الإيراني والموقف الرسمي العراقي والكردي، في وقت تسعى فيه بغداد إلى الحفاظ على سيادتها وتجنب تحويل أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.