ملخص
يشهد سوق العمل في بريطانيا اتساع ظاهرة “الوظائف الموقتة” على حساب الاستقرار المهني، ما يفاقم هشاشة أوضاع جيل الشباب. وبين تباطؤ التوظيف وتزايد الحذر لدى الشركات، يجد “الجيل زد” نفسه عالقاً في وظائف متقطعة، وسط تحذيرات من أزمة هيكلية تهدد مستقبل سوق العمل والنمو الاقتصادي.
ماذا تفعل عندما تحتاج إلى موظفين لإكمال مشروع، أو أداء مهمة في العمل أو مجرد ضمان استمرار سير الأمور في ظل قرار المدير المالي بتجميد التوظيف إلى أجل غير مسمى؟ تستعين بموظف موقت. ثم عندما تنتهي مدة عقده؟ تعين موظفاً آخر.
أما أسباب هذا الوضع المقلق فمعروفة جيداً: إذ تضافرت الحرب في الشرق الأوسط مع الاضطرابات السياسية الداخلية في المملكة المتحدة لتقوض الثقة. إنه مزيج سام في وقت زادت الحكومة الضرائب على الوظائف، ورفعت الحد الأدنى للأجور مما يرفع تكلفة التوظيف، وسنت تشريعات لحماية العمال من يومهم الأول في مكان العمل، مما يجعل التوظيف أكثر خطورة.
وليست المشكلة في نقص عدد الباحثين عن العمل، أياً كان نوعه. حتى لو كان العمل لمدة ستة أشهر؟ بالتأكيد. على الأقل سأتمكن من دخول سوق العمل والحصول على دخل. ثلاثة أشهر؟ سأقبل بذلك. هذا أفضل من البقاء تحت ضغط مكاتب التوظيف.
يحذر التقرير من حالات “الاستغناء عن العمال وانخفاض الطلب عليهم”، الأمر الذي أدى حتماً إلى “زيادة سريعة أخرى في حجم القوى العاملة المتاحة”. أصبح لرب العمل الآن اليد العليا ويمكنه فرض شروطه بشكل متزايد. وتزداد هذه الشروط قسوةً.
وتفسر كل هذه العوامل سبب وصول عدد الشباب غير الملتحقين بالتعليم أو العمل أو التدريب (اختصاراً “نيتس” NEETs) إلى المليون، فيما يُتوقع أن يستمر هذا العدد في الارتفاع.
لقد باتوا فجأة على رأس الأولويات السياسية. ويعلق الكثير من الناس، من سياسيين سابقين وأكاديميين وثرثارين من مختلف المشارب، على وضعهم من دون أن يكونوا قد واجهوا أبداً صعوبات حقيقية أو عانوا من إخفاقات الدولة المؤسفة. لكن عائلتي عانت من هذه الصعوبات، ومن هنا يأتي تشككي إزاء أطروحات أمثال آلان ميلبورن أو بات ماكفادين أو الرئيس السابق لشركة “ماركس أند سبنسر”، مارك بولاند.
ويُحسب للرئيس الحالي لشركة “ماركس أند سبنسر” ستيوارت ماشين أنه قام خلال عطلة نهاية الأسبوع بخطوة أفضل من كل المقترحات التي طرحوها. فقد أعلنت الشركة عن مخططات لإنشاء برنامج تدريبي جديد يستهدف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 سنة. وسيوفر البرنامج ألف فرصة تدريب في المملكة المتحدة وإيرلندا خلال الثمانية عشر شهراً المقبلة. وسيحصل المتدربون على أجر أيضاً (وهو الأمر البديهي).
لكن ألف فرصة تبقى قطرة في بحر مقارنة بالعدد الهائل من الشباب غير العاملين وغير الملتحقين بالتعليم أو التدريب. ولن يحدث أثر ملموس ما لم تحذُ شركات أخرى حذو “ماركس أند سبنسر”. إذ إن عدداً كبيراً من أصحاب العمل ما زال يفضل التزام الحذر.
يسود الاعتقاد بأن توظيف هؤلاء الشباب خطوة لا تخلو من المخاطرة والآن بعد أن أصبح بإمكان أرباب العمل أن يختاروا توظيف من يشاؤون، فإنهم يستبعدونهم تماماً، ما لم يحالف أحدهم الحظ ويتمكن من الحصول على فرصة في برنامج مثل مبادرة “ماركس أند سبنسر”. أو ربما يجدون وظيفة موقتة. وللأسف، ينطبق الأمر نفسه على الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين أعلنت الحكومة أيضاً أنها تريد “مساعدتهم” في العثور على عمل. لكن الاعتقاد بأنهم يمثلون مخاطرة هو اعتقاد خاطئ، لأنك إن كنت مصاباً بإعاقة، فثق بي عندما أقول لك بأنك سوف تجتهد في العمل لتبرير اختيار رب العمل لك عندما تجد وظيفة، هذا إن وجدتها.
هل يكمن مستقبل أبناء “الجيل زد” إذاً في التنقل من وظيفة موقتة إلى أخرى؟ إن مسار الأمور واضح، ومن الصعب جداً تصور تحسن الوضع على المدى القصير إلى المتوسط. وفي الوقت الذي تجري فيه كل هذه التطورات، يدمر الذكاء الاصطناعي فرص العمل للمبتدئين، مما يجعل الوضع السيئ أسوأ بكثير.
من المفترض أن يكون المسار المهني سلماً يتسلقه الناس نحو الاحترافية والاعتداد بالنفس والاستقرار. إذا أبقيتهم حبيسي وظائف “موقتة إلى الأبد”، فأنت تثقل كاهل جيل يواجه بالفعل عواصف قاسية بسبب عدم قدرته على تحمل تكاليف الإسكان وغلاء المعيشة.
تبدو هذه الأوضاع وكأنها كارثة متكاملة. فكيف يمكن إصلاحها، أو على الأقل توفير ملاذ آمن منها؟ إن الإجابة القاسية تكمن في جعل توظيف الشباب أرخص وأسهل. أي خفض الحد الأدنى للأجور، مع السماح لأصحاب العمل بالتخلص ممن لا يرقون إلى مستوى الأداء المطلوب من دون خوف من المثول أمام المحاكم.
هذا ليس وضعاً ساراً. إنه ليس وضعاً أجده مقبولاً على الإطلاق، بعد أن دافعتُ لفترة طويلة عن زيادة الأجور وتحسين حقوق العمال. وغني عن القول، إن هذا الرأي يتعارض بشكل مباشر مع سياسة الحكومة الحالية. فهي تتبنى وجهة نظر مشابهة لتلك التي كنت أؤيدها سابقاً.
ولكن هذه هي الحقيقة المرة: أحياناً عندما يصاب الجسد بالمرض، عليك أن تتناول دواءً مريراً يؤذي جسدك لعلاج مشكلتك. والمرض الاقتصادي لا يختلف عن ذلك. والسؤال المطروح هو: هل حزب العمال مستعد لمواجهة ذلك؟ لست متأكداً من ذلك.
ولذلك قلت في البداية: مرحباً بكم في بريطانيا، دولة الوظائف الموقتة.
