“من يملك وطنين يكتب برأس منشطر إلى نصفين”، بين هذا الاتساع في الانتماء والانشطار الداخلي يشتغل عبد الهادي سعدون في مجمل تجربته الواسعة، فهو لا يقف بين عالمين، بل يقف في كليهما في آن واحد. وعلى الرغم من أنه يكتب في إحدى حكايات مجموعته القصصية الأخيرة “بلد متنقل وقصص أخرى” (2026): “جئت إلى هنا بلا هناك، تركتها خلفي، كلها”، فإنه لم يُنزل بلده العراق عن كتفيه خلال ثلاثين عامًا أمضاها في إسبانيا باحثًا في الأدب ومدرّسًا أكاديميًا للغة العربية وآدابها، بعد نيله الدكتوراه من كلية الآداب والفلسفة في جامعة مدريد المستقلة، ومترجمًا لعشرات الكتب بين اللغتين. والترجمة، بالنسبة إلى سعدون، ليست نقلًا حرفيًا أو فعلًا مهنيًا فحسب، بل هي مشروع للتقارب الثقافي يحاول فيه أن يمنح اللغتين العربية والإسبانية صوتًا واحدًا من دون أن يلغي اختلافهما. كما ألّف سعدون، خلال مسيرته الأدبية الواسعة، عشرات الكتب في الرواية والقصة القصيرة والشعر، باللغتين الإسبانية والعربية.
ولعبد الهادي سعدون مسيرة غنية لا يمكن اختصارها في مقدمة قصيرة؛ فهو فنان تشكيلي أيضًا، أقام عددًا من المعارض الفنية في إسبانيا. كما كتب فيلم “مقبرة” وأخرجه في مدريد عام 2006، وأشرف على العديد من منشورات دور النشر في العراق وإسبانيا، وهو أيضًا مستشار لعدد من المهرجانات الأدبية. وحاز سعدون جوائز عديدة، منها “جائزة ماتشادو للإبداع الأدبي” و”جائزة مدينة سلمنكا”، وآخرها جائزة “مارثيلو ريّس للترجمة”، التي نالها هذا العام عن الأنطولوجيا الشعرية “نبض الحرب الموحش” (El latir desolador de la Guerra) (2026)، وترجم فيها قصائد لـ35 شاعرة عربية.
هنا حوار معه:
(*) في مجموعتك القصصية الأخيرة “بلد متنقل”، تستهل المجموعة بإهداء “… وكأني هنا قد قلت كل شيء”، كأنه أول اعتراف ستلحقه اعترافات أخرى على شكل قصص. إلى أي مدى تتسرّب سيرة الكاتب، بوعي منه أو من دونه، إلى أعماله حتى وإن لم تُصنّف ضمن أدب السيرة الذاتية؟ وكيف تعيد المخيلة تشكيل التجربة الشخصية لتصبح حكاية تتجاوز صاحبها؟
أعتقد، وأنتِ أول العارفين، أن الكاتب لا يستطيع أن يكتب خارج حياته تمامًا، حتى حين يعتقد أنه يفعل ذلك. فالتجربة الشخصية ليست بالضرورة مجموعة أحداث نستعيدها كما وقعت، وإنما هي أيضًا ما تتركه تلك الأحداث فينا من خوف ورغبة وندم وأسئلة، وما يتراكم في الذاكرة من صور وأصوات وتفاصيل قد تبدو هامشية، لكنها تظل تعمل في الداخل لسنوات طويلة. الإهداء: “وكأني هنا قد قلت كل شيء” ربما كان طفرة مني إذ لخصت بهذه القصص وقائع منفاي. كما يمكن قراءته باعتباره اعترافًا، لكنه اعتراف لا ينهي الكلام بقدر ما يفتحه. فالكتابة، في تصوّري، لا تقول كل شيء بالفعل؛ إنها تكشف شيئًا وتخفي أشياء أخرى، وربما لا نكتشف ما أردنا قوله إلا بعد أن ننتهي من الكتابة. أحيانًا نكتب الحكاية لأننا لا نستطيع قولها مباشرة، وأحيانًا نكتبها لأننا لم نعد نعرف إن كانت قد وقعت بهذه الصورة فعلًا أم أن الذاكرة أعادت اختراعها.
حين تدخل التجربة الشخصية إلى القصة، فإنها لا تبقى على حالها. تتدخل المخيلة في ترتيبها، وتحذف منها، وتضيف إليها، وتمنح شخصياتها أقوالًا وأفعالًا ربما لم تحدث في الواقع. وقد تصبح الشخصية مزيجًا من أكثر من شخص، أو تتحول حادثة صغيرة إلى حكاية تحمل معنى أكبر من الحادثة نفسها. هنا تبدأ القصة في الاستقلال عن صاحبها، فلا يعود السؤال الأهم هو: هل حدث هذا فعلًا؟ بل: ماذا تكشف هذه الحكاية عن الإنسان والعالم الذي يعيش فيه؟ لهذا لا أتعامل مع الكتابة بوصفها تسجيلًا للسيرة، وإنما بوصفها إعادة اكتشاف لها. فالكاتب قد يظن أنه يكتب عن ماضيه، بينما يكون في الحقيقة يكتب عن الحاضر، أو عن شيء لم يفهمه في الماضي إلا بعد مرور الزمن.
(*) يكتب ناشر “بلد متنقل” عن هذا الكتاب: “إنه وطن محمول يحمله البطل في داخله أينما كان”. هل هو شعور اللاانتماء في عالم فوضوي عبثي ومضطرب لا يسمح لنا بالانتماء إليه؟ كيف يتجلى هذا المعنى في قصص المجموعة؟
الوطن المحمول صورة تختصر جانبًا أساسيًا من تجربة المنفى، لكنها لا تعني أن الإنسان يحمل وطنًا مكتملًا وثابتًا في داخله. ما يحمله هو شظايا: لغة، ووجوه، وأماكن، وأصوات، وذكريات قد تكون جميلة أو مؤلمة، وربما تفاصيل يومية لا ينتبه إلى قيمتها إلا بعد أن يفقدها. المنفى لا يجعل الإنسان غريبًا عن المكان الذي غادره فقط، بل قد يجعله غريبًا أيضًا عن المكان الذي وصل إليه. ومع مرور الوقت، تتغير علاقته بالمكانين؛ فالبلد الأول لا يبقى كما تركه، والبلد الثاني لا يتحول بالضرورة إلى وطن بديل. وبينهما تتكون مساحة معلقة يعيش فيها الإنسان ذاكرته وحاضره معًا.
لكنني لا أرى هذا الشعور مجرد أزمة فردية أو نتيجة مباشرة للانتقال من بلد إلى آخر. ثمة عالم مضطرب يجعل الاستقرار نفسه أمرًا هشًا، ويضع الإنسان أمام أسئلة الانتماء والهوية والذاكرة. في مثل هذا العالم، يصبح الوطن أقل ارتباطًا بالحدود الجغرافية وأكثر اتصالًا بما نستطيع الاحتفاظ به من ذواتنا، وبما نفقده في الطريق. في “بلد متنقل” تتصل هذه الأسئلة بالشخصيات وبمصائرها وبالطريقة التي تنظر بها إلى العالم. فالتنقل ليس انتقالًا بين الأمكنة فحسب؛ إنه أيضًا انتقال بين الأزمنة والذكريات والصور المختلفة للذات. وقد يكون الوطن الذي نحمله معنا عزاءً، لكنه قد يكون عبئًا أيضًا، لأن الذاكرة لا تمنحنا دائمًا الطمأنينة؛ إنها تعيد إلينا ما نريد استعادته وما نحاول نسيانه في الوقت نفسه. ومع ذلك، لا أعتقد أن الحل هو التخلي عن الانتماء أو استبدال انتماء بآخر. ربما ينبغي أن نتعلم كيف نعيش تعدد انتماءاتنا، من دون أن نحول أيًا منها إلى سجن جديد.
(*) ثمة تماهٍ بين شخوص القصص وبين عالمك الحقيقي: منعم فرات، محسن الرملي، وعلي بدر الذي تقول عنه في القصة “كأننا ولدنا في بيت واحد” وإذ يتذكر صديقًا شابًا يسأله عن فوكو تحت القصف: “تصوروا هذا البطران منشغل بفوكو بينما كنا نأكل الخراء في عز القصف والموت المجاني”؛ هل هي لعبة سردية يمتحن بها الحدّ الفاصل بين الذاكرة والتخييل؟ وأين تبدأ المخيّلة في إعادة تشكيل الحكاية؟ وهل تكتب عنهم بوصفهم شهودًا على ما عشته بحيث تتحول المجموعة إلى شهادة جيل بأكمله، وسخرية ذاتية يحاكم بها جيل من الكتّاب نفسه وقد نجا بالكتابة والمنفى بينما بقي الآخرون في الجحيم؟
حين أكتب عن أصدقاء عرفْتهم، فإنني لا أتعامل معهم باعتبارهم شخصيات جاهزة للنقل من الحياة إلى الكتاب. الحياة تمنحني المادة الأولى، لكن القصة تحتاج إلى بناء سردي، وإلى مسافة تسمح للشخصيات بأن تتحرك داخل النص وفق منطقه الخاص. إن الإشارة إلى علي بدر ومحسن الرملي، وحتمًا أسماء أخرى كثيرة تزخر بها نصوصي، أو استعادة حوار جرى في زمن الحرب، تضع الذاكرة أمام امتحان مزدوج: ماذا نتذكر، وكيف نتذكره؟ فالذاكرة ليست أرشيفًا محايدًا، وإنما هي عملية مستمرة من الاختيار وإعادة الترتيب والتأويل. وقد نحتفظ بجملة قيلت في لحظة معينة، لا لأنها الأهم في ذاتها، بل لأنها أصبحت مع الزمن تلخص مرحلة كاملة من حياتنا.
السخرية، في مثل هذه الحالات، لا تنفصل عن الحزن. حين نتذكر شابًا منشغلًا بفوكو بينما القصف يحيط به، فإن المفارقة لا تكمن في أن الفلسفة أمر تافه أمام الموت، بل في التناقض المأساوي بين حاجة الإنسان إلى التفكير وحاجته الآنية إلى النجاة. وقد يكون التمسك بالقراءة في لحظة كهذه محاولة للاحتفاظ بجزء من الحياة الطبيعية، أو إصرارًا على ألا تختزل الحرب الإنسان في غريزة البقاء وحدها. أما الأصدقاء الذين يدخلون الكتابة، فلا أريد أن أجعلهم مجرد شهود يؤكدون صحة روايتي عن الماضي. إنهم يحملون تجاربهم الخاصة، ويمثلون طرقًا مختلفة في مواجهة الزمن نفسه. ومن خلالهم يمكن الاقتراب من تجربة جيل عاش الحرب والانهيار والتشتت، لكنني لا أستطيع الادعاء بأن قصصي تمثل ذلك الجيل كله؛ إنها شهادة جزئية، تنطلق من تجربة فردية وتطمح إلى ملامسة تجربة أوسع. وثمة، بالتأكيد، قدر من المحاكمة الذاتية في هذه الكتابة. فالنجاة لا تمنحنا براءة تلقائية، والمنفى لا يجعلنا أفضل من الذين بقوا. الكتابة قد تكون وسيلة لفهم ما حدث، لكنها قد تتحول أيضًا إلى وسيلة لتبرير الذات. لذلك أحاول أن أترك في الحكاية مساحة للسؤال، وأن أسمح للسخرية بأن تتجه نحونا نحن أيضًا، لا إلى العالم الذي ننتقده فحسب.
| نال عبد الهادي سعدون جائزة “مارثيلو ريّس للترجمة” هذا العام عن الأنطولوجيا الشعرية “نبض الحرب الموحش” وترجم فيها قصائد لـ35 شاعرة عربية |
(*) أعمال عديدة كُتبت على لسان حيوانات وتحمل نقدًا اجتماعيًا وسياسيًا بنيويًا بحسّ ساخر. إذا قارنّا الكلب في روايتك “مذكرات كلب عراقي” بالكلب حنفوش في رواية حميد الحريزي “مذكرات كلب”، وبالكلب إتنا في رواية بول يون “إتنا”، كيف تتحول السخرية عند الراوي الكلب من أداة لكشف عيوب المجتمع إلى لغة للنجاة من هول الحرب والمنفى، وهل تظل السخرية ممكنة حين يصبح الراوي نفسه جزءًا من الضحايا؟
اختيار الحيوان راويًا ليس جديدًا في الأدب العربي ولا العالمي، وهنا استخدمته لأنه يتيح للكاتب أن ينظر إلى الإنسان من زاوية مختلفة، وأن يضع سلوكه أمام مرآة لا تخضع بالضرورة لمعاييره وتبريراته. فالكلب يستطيع أن يرى تناقضات البشر من دون أن يكون ملزمًا بتلك اللغة التي يستخدمونها لتجميل أفعالهم أو تبريرها. في “مذكرات كلب عراقي”، لا أريد أن يكون الكلب مجرد حيلة طريفة أو وسيلة لإطلاق النكات السياسية والاجتماعية. إنه كائن يعيش داخل عالم صنعه الإنسان، لكنه لا يملك السيطرة على الحروب والصراعات التي تهدد حياته. ومن هذه المفارقة تنشأ مساحة السخرية، لكنها مساحة مؤلمة؛ لأن الحيوان الذي يراقب البشر يجد نفسه ضحية لقرارات لا يفهمها ولا يستطيع منعها.
إذا وضعنا الرواية إلى جانب أعمال أخرى تتخذ الكلب راويًا، فإن المقارنة تفتح بابًا مهمًا للتفكير في إمكانات هذا المنظور السردي. لكن الحيوان لا يحمل الدلالة نفسها في كل عمل؛ فذلك يتوقف على طبيعة العالم الذي يعيش فيه، وعلى علاقة الكاتب بالسلطة والمجتمع والحرب والذاكرة. في تجربتي، لا تنفصل السخرية عن المأساة. قد نضحك من موقف عبثي، ثم نكتشف أن الضحك نفسه يخفي عجزًا عن مواجهة ما يحدث. وقد تكون السخرية وسيلة للنجاة النفسية، لكنها لا تنقذ أصحابها بالضرورة من الواقع. وعندما يصبح الراوي نفسه ضحية، تتغير وظيفة السخرية: لا تعود مجرد أداة لفضح الآخرين، بل تصبح طريقة للاحتفاظ بمسافة من عالم يريد ابتلاع الجميع. لعل أكثر ما يثير القلق في هذا النوع من الكتابة هو أن الحيوان قد يبدو أحيانًا أكثر إنسانية من الإنسان، لا لأنه يمتلك فضائل خارقة، بل لأن البشر يتخلون، في لحظات معينة، عن أبسط الشروط التي تجعل العيش المشترك ممكنًا.
(*) في “مذكرات كلب عراقي” ثمة يأس وجودي في عبارتك “الغضب والكره هما المحركان الوحيدان للعالم الذي نعيش… وأي عالم هو هذا… إنه الجحيم بعينه، لا أثر لرحمة ولا مكان للمحبة… الجحيم الذي نعيشه هو نحن أنفسنا… نحن الصنعة ونحن الجلادون ونحن الضحايا كذلك”؛ كيف تتجاوز الرواية الصرخة بوجه الحرب إلى السؤال عن مسؤولية الإنسان عن خراب نفسه؟
الحرب ليست مجرد قوة خارجية تهبط على الإنسان وتدمر حياته؛ إنها تكشف أيضًا ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه وبالآخرين حين تتحول القوة إلى قيمة، وحين يصبح العنف وسيلة مقبولة لحل الخلافات. هذا لا يعني مساواة الضحية بالجلاد، ولا إعفاء المسؤولين عن الحروب من مسؤوليتهم، وإنما يعني أن السؤال عن خراب العالم لا يكتمل إذا اكتفينا بوصف الخراب. العبارة التي تشيرين إليها إلى أننا الصنعة والجلادون والضحايا معًا، تنطوي على مفارقة قاسية. فنحن نعيش داخل أنظمة وأفكار وصراعات لم يصنعها فرد واحد، لكننا قد نشارك، بدرجات مختلفة، في إعادة إنتاجها، بالصمت أو بالتبرير أو بالتكيف معها. وفي المقابل، قد نجد أنفسنا ضحايا لها من دون أن نكون قد اخترناها. ما يعنيني في “مذكرات كلب عراقي” ليس إصدار حكم أخلاقي نهائي على الإنسان، وإنما وضعه أمام تناقضاته. كيف يستطيع الإنسان أن ينتج المعرفة والفن والحب، ثم يشارك في صناعة عالم تحكمه الكراهية؟ وكيف يتحول العنف، بعد تكراره، إلى شيء عادي، كأنه جزء طبيعي من الحياة؟
الكلب هنا يمنحني مسافة سردية أستطيع من خلالها النظر إلى هذه الأسئلة من دون الوقوع في خطاب مباشر. فالحيوان لا يحتاج إلى تنظير طويل كي يكشف عبثية عالم يرفع شعارات كبرى بينما يهدر الحياة اليومية. ومن خلال نظرته، تصبح الحرب أكثر من حدث تاريخي؛ تصبح اختبارًا لما بقي من إنسانيتنا. لا أعتقد أن الرواية تستطيع أن تقدم خلاصًا جاهزًا، لكنها تستطيع أن تمنعنا من التعايش الكامل مع العبث، وأن تعيد طرح السؤال الذي نحاول غالبًا تجنبه: ما مسؤوليتنا عما أصبح عليه العالم، وما الذي يمكننا فعله حتى لا نواصل صناعة الجحيم نفسه؟
(*) في عملك “انتحالات عائلة” تقول: “يضيفون أنك لست بمغترب، ولا هارب، ولا حادّ الأسنان… ولا منفيّ، فلا أنت أبيض ولا أنت أسود، فمن تكون بعد أكثر من باب وأكثر من بحر؟”، وتقول “من يملك وطنين يكتب برأس منشطر إلى نصفين”، هل يصوغ هذا النفي المتتابع هنا أزمة هوية؟
الهوية ليست بطاقة تعريف ثابتة، ولا مجموعة صفات يمكن جمعها في صيغة نهائية. إنها علاقة متغيرة بين ما نراه في أنفسنا وما يراه الآخرون فينا، بين اللغة والمكان والذاكرة، وبين التجربة التي عشناها والصورة التي نحاول بناءها عن ذواتنا. في المنفى، تزداد هذه العلاقة تعقيدًا. فقد تكون عراقيًا في ذاكرتك وتاريخك، وإسبانيًا في حياتك اليومية ولغتك وعلاقاتك، لكن أيًا من هذين الوصفين لا يستطيع وحده أن يحيط بك. وقد يصر الآخرون على تصنيفك، فيما تشعر بأنك لا تنتمي تمامًا إلى أي من التصنيفات التي يقدمونها. عبارة “من يملك وطنين يكتب برأس منشطر إلى نصفين” تلتقط جانبًا من هذا التوتر. فالانتماء المتعدد ليس امتيازًا خالصًا؛ إنه يتيح إمكانات جديدة للرؤية والتفكير، لكنه يفرض أيضًا تفاوضًا دائمًا بين الذاكرة والحاضر. أحيانًا ترى المكان الذي تعيش فيه بعين القادم من الخارج، وترى المكان الذي غادرته بعين شخص لم يعد يعيش فيه. لكنني لا أرى الهوية المنقسمة بالضرورة هوية ناقصة. ربما تكون الهوية المتعددة فرصة لرؤية ما لا يستطيع المرء رؤيته حين يبقى داخل حدود تجربة واحدة. المشكلة تبدأ عندما يُطلب من الإنسان أن يختار جانبًا واحدًا، وأن يتخلى عن بقية جوانبه كي يصبح مفهومًا للآخرين. إن “انتحالات عائلة” تتيح التفكير في هذه الأسئلة من خلال التبدل والتحول وتعدد الصور. فالإنسان لا يبقى الشخص نفسه على امتداد حياته، كما أن العائلة واللغة والوطن لا تحتفظ بمعنى واحد إلى الأبد. وما نبحث عنه ليس هوية مغلقة تحمينا من التناقض، وإنما طريقة للعيش مع تناقضاتنا من دون أن نفقد قدرتنا على فهم أنفسنا والآخرين.
(*) يقول طالب الرفاعي عن أعمالك إنها تشير صراحة إلى عشقك لعالم بورخيس، مضيفًا أنك “طالب نجيب لمعلم عظيم”. هذا الأثر البورخيسي هل هو في تقنيات السرد، أم قرابة في النظر إلى متاهات بورخيس ومراياه ومكتباته؟ وإلى أي مدى يتحول هذا التأثر إلى حوار يخصك أنت أمام تجربة الحروب في العراق والمنافي؟
يصعب عليّ أن أنكر أثر بورخيس في تكويني القرائي والأدبي. هناك كتّاب لا نقرأهم مرة واحدة ثم نغادرهم؛ إنهم يغيرون الطريقة التي ننظر بها إلى الأدب وإلى إمكانات الحكاية، بل وإلى الحياة نفسها. بورخيس من هؤلاء، وكذلك الجاحظ وثربانتس وأسماء أخرى مهمة، لأنهم يجعلوننا نشك في الحدود التي اعتدنا اعتبارها ثابتة بين الواقع والمتخيل، وبين الحقيقة والاحتمال، بين المسؤولية والمتعة. يمكن أن يظهر هذا الأثر في تقنيات السرد، وفي التعامل مع المراجع والكتب والمتاهات والمرايا، وفي فكرة أن الحكاية قد تفتح على حكايات أخرى، وأن النص يستطيع أن يجعل القارئ يشك في موقعه من العالم الذي يقرأه. لكن التأثر الحقيقي لا يعني تكرار الأدوات ذاتها، بل اكتشاف ما يمكن فعله بها انطلاقًا من تجربة مختلفة. فعالمي ليس عالمًا بورخيسيًا بالضرورة، وتجربتي التاريخية والإنسانية مختلفة عن تجربته. لقد عشت في سياق عراقي حملته الحروب والعنف والتحولات السياسية، ثم عشت تجربة المنفى والانتقال بين اللغات والثقافات. وهذه الخبرة تفرض أسئلتها الخاصة على الأدوات التي أستعيرها من الأدب الذي أحب. لا أريد أن أستخدم المتاهة لمجرد بناء لعبة ذهنية، بل يمكن أن تصبح المتاهة صورة للإنسان الذي يحاول العثور على طريقه داخل تاريخ مضطرب. وقد تصبح المرآة وسيلة لمساءلة الهوية، أو يتحول الكتاب إلى فضاء تتقاطع فيه الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الثقافية. لذلك أرى العلاقة مع بورخيس بوصفها حوارًا أكثر منها تبعية. إنه يفتح أمامي أبوابًا تخييلية، لكن ما أكتبه بعدها يتشكل وفق أسئلتي وتجربتي ولغتي. وربما يكون أفضل وفاء لكاتب كبير هو أن نقرأه بجدية، ثم نذهب إلى كتابة ما لا يستطيع هو كتابته نيابة عنا.
(*) إنتاجك الأدبي بالإسبانية مقارب لما كتبته بالعربية من حيث الكم. هل ترى أن الكتابة بلغة ما تقتضي أن نبلغ حالة الانتماء إليها، أم يمكن أن تكون اللغة خيارًا جماليًا خالصًا؟ وكيف أثّرت تجارب العراق المريرة في علاقتك بالعربية، بوصفها لغة المكان والذاكرة؟ هل أبعدتك عنها، أم جعلتها حاضرة في كتابتك بالإسبانية؟
لا أعتقد أن الكتابة بلغة ما تتطلب دائمًا انتماءً كاملًا إليها، إذا كان المقصود بالانتماء أن يصبح الكاتب ابنًا لتاريخها وثقافتها بالمعنى نفسه الذي يكونه المتحدث الذي نشأ فيها. فاللغة يمكن أن تكون بيتًا، لكنها قد تكون أيضًا طريقًا، أو مساحة اكتشاف، أو وسيلة لإعادة النظر في اللغة الأولى. الكتابة بالإسبانية تتيح لي الدخول في علاقة مختلفة مع العالم، ومع تقاليد أدبية وثقافية أخرى. وهي ليست مجرد نقل لما أعرفه بالعربية إلى لغة ثانية، لأن كل لغة تفرض إيقاعها وإمكاناتها وطرائقها في التعبير. حين أكتب بالإسبانية، لا أغير الكلمات وحدها؛ إنني أتعامل مع فضاء لغوي له ذاكرته وحساسياته وتوقعاته الخاصة. لكن العربية لا تختفي من هذه التجربة. إنها حاضرة في تكويني وفي ذاكرة الأمكنة والأصوات وفي التجربة التي أحملها معي. وقد تكون حاضرة حتى حين لا تظهر مفرداتها في النص الإسباني؛ فهي جزء من الطريقة التي أرى بها العالم، ومن الأسئلة التي أطرحها على اللغة التي أكتب بها. أما التجربة العراقية، بما فيها من حروب وانكسارات، فقد جعلت علاقتي باللغة أكثر تعقيدًا، لكنها لم تجعل العربية مجرد لغة للماضي أو الألم. إنها لغة الأدب والذاكرة والاحتمالات أيضًا، ولا يمكن اختزالها في التجارب السياسية والتاريخية التي عاشها أبناؤها. لا أرى الأمر اختيارًا بين العربية والإسبانية، ولا أعتقد أن على إحداهما أن تلغي الأخرى كي تمنح الكاتب شرعية الانتماء. الأهم هو أن أكون قادرًا على الكتابة في كل لغة بجدية، وأن أقبل أن لكل منهما ما تمنحني إياه وما تطلبه مني. قد تكون بالنسبة لي الكتابة بلغة أخرى شكلًا من أشكال توسيع الذات، لا التخلي عن الذات الأولى. فاللغة الجديدة لا تمحو الذاكرة بالضرورة، بل قد تمنحها فرصة لتُرى من زاوية لم تكن متاحة من قبل.
| من الأعمال التي ترجمها سعدون إلى الإسبانية |
(*) تفرغت للترجمة كمشروع يتجاوز النقل من لغة لأخرى، لتكون نوعًا من التقارب الثقافي، وتقليص المسافة بين “نحن” و”هم” كما يصف فريدريك بارث العلاقة بين الشعوب. إلى أي مدى تستطيع الترجمة أن تعبر هذه الحدود وتفتح مجالًا للتفاهم، من دون أن تمحو الاختلاف بين الثقافات؟
مقتنع اليوم أكثر من أي وقت آخر إن الترجمة ليست عملية تقنية تنقل الكلمات من لغة إلى أخرى، بل هي محاولة للدخول إلى عالم مختلف وفهم الطريقة التي يرى بها الآخر نفسه والعالم من حوله. فاللغة تحمل أكثر من معاني الكلمات؛ إنها تحمل تاريخًا من الاستعمالات والصور والإشارات والتجارب التي لا تنتقل كلها بسهولة إلى لغة أخرى. حين نترجم، نكتشف الاختلاف قبل أن نكتشف التشابه. وقد تكون هذه إحدى أهم فوائد الترجمة، لأنها تجعلنا ننتبه إلى أن ما نعدّه طبيعيًا أو بديهيًا في ثقافتنا ليس بالضرورة كذلك لدى الآخرين. من هنا يمكن أن تنشأ مساحة للتفاهم، لا تقوم على إنكار الاختلاف، بل على الاعتراف به. لكن الترجمة لا تستطيع وحدها أن تلغي الحدود السياسية أو الأحكام المسبقة أو اختلالات القوة بين الثقافات. فقد يُترجم أدب شعب ما من دون أن يحظى بالاهتمام نفسه الذي يحظى به أدب الشعوب الأكثر حضورًا في المؤسسات الثقافية والإعلامية. ولذلك فإن التقارب الثقافي يحتاج أيضًا إلى إرادة مؤسساتية، وإلى حركة متبادلة للكتب والأفكار، لا إلى اتجاه واحد يجعل ثقافة تتحدث دائمًا فيما تكتفي أخرى بالاستماع. ما يهمني هو أن تكون الترجمة حركة في الاتجاهين، وأن تتيح للأدب العربي أن يحضر في اللغة الإسبانية بوصفه أدبًا معاصرًا متنوعًا، لا مجرد شاهد على تاريخ بعيد أو ثقافة غريبة. وفي المقابل، تتيح الترجمة إلى العربية اكتشاف تجارب وأسئلة يمكن أن توسع أفق القراءة والكتابة لدينا. أما الحفاظ على الاختلاف، فهو شرط أساسي لنجاح هذه العملية. إذا جعلنا النص المترجم مطابقًا تمامًا لما نعرفه سلفًا، فإننا نفقد ما يمكن أن نتعلمه منه. الترجمة الجيدة لا تجعل الآخر نسخة منا، وإنما تقربه إلينا بما يكفي كي نصغي إليه، وتترك بيننا وبينه من المسافة ما يسمح لنا بفهم خصوصيته.
(*) في حوار لك مع جلال نعيم تقول: “ما أراه أن العملية النقدية بعيدة بأشواط كبيرة عن ثقل النص المعاصر”، حين تتحدث عن ثقل النص المعاصر، هل تقصد قوته الفنية، أم حمولته التاريخية والإنسانية؟ كيف تنظر إلى المشهد الأدبي العراقي بين اليوم والأمس؟
حين أتحدث عن المسافة بين النص المعاصر والعملية النقدية، فإنني أفكر في قدرة النقد على ملاحقة التحولات التي شهدها الأدب نفسه، لا في صعوبة النصوص وحدها. فالنص المعاصر قد يحمل تعقيدًا شكليًا، لكنه قد يحمل أيضًا طبقات من التجربة التاريخية والذاكرة والتحولات الاجتماعية، وكل ذلك يحتاج إلى قراءة تتجاوز الأحكام الجاهزة. الأدب العراقي، على وجه الخصوص، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن التاريخ الذي عاشه العراقيون. فقد تركت الحروب والاستبداد والمنفى والتغيرات الاجتماعية أثرها في موضوعات الكتابة وأشكالها، كما أثرت في علاقة الكاتب بالقارئ وبالمكان وباللغة. ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال الأدب العراقي في هذه التجارب وحدها؛ فهناك أيضًا التجريب الفني، والأسئلة الوجودية، والفكاهة، واللغة، والخيال، والبحث عن أشكال جديدة للحكاية.
عندما أقارن بين الأمس واليوم، لا أريد أن أقع في حنين سهل إلى الماضي أو في الاحتفاء التلقائي بكل جديد. لكل مرحلة شروطها وإمكاناتها، ولكل جيل نصوصه المهمة ونصوصه التي لا تصمد أمام الزمن. ما يهمني هو أن نقرأ الأعمال وفق قيمتها الفنية، وأن نضعها في سياقها التاريخي من دون أن نجعل السياق بديلًا من القراءة. أما ثقل النص المعاصر، فقد يكون ناتجًا من اجتماع التجربة الإنسانية القاسية مع البحث الجمالي. فالنص الذي يحاول العثور على شكل مناسب لتجربة متشظية لا يمكن دائمًا قراءته بالأدوات نفسها التي اعتدناها مع النصوص الأكثر استقرارًا في بنائها ورؤيتها. المطلوب من النقد ليس أن يوافق الكاتب أو أن يمدحه، وإنما أن يساعدنا على رؤية ما يفعله النص، وكيف يفعله، وما الذي يضيفه إلى الأدب. وحين ينجح النقد في ذلك، فإنه يصبح شريكًا في الحياة الثقافية، لا مجرد تعليق يأتي بعد اكتمال العمل.
| من أعمال عبد الهادي سعدون التشكيلية |
(*) هل ترى أن الأدوات النقدية تقليدية، وأن هناك فجوة بينها وبين مدى تقبّل الكاتب للنقد بحيث تحوّل النقد إلى مجرد مجاملات؟ ما الذي يخسره النص العربي حين لا يجد قارئًا نقديًا يوازي تجربته، وهل يستطيع الكاتب أن يكون ناقد نفسه حين يغيب هذا الوسيط؟
أفترض أن المشكلة ليست في الأدوات النقدية وحدها، بل في العلاقة التي تربط الكاتب بالناقد وبالمؤسسة الثقافية وبالجمهور. فالأدوات تحتاج إلى تجديد، لأن النصوص تتغير، لكن تجديد الأدوات لا يكفي إذا غابت الرغبة في القراءة الجادة أو إذا أصبحت الكتابة النقدية جزءًا من شبكة المجاملات والعلاقات الشخصية. لولا ملاحظات النقاد وقرائي المقربين الصريحة لكتابي الأول، لبقيت أجر عربتي في الميدان نفسه. المجاملة قد تمنح الكاتب شعورًا مؤقتًا بالرضا، لكنها لا تساعده على اكتشاف حدود تجربته. والنقد الذي يكتفي بتعداد المزايا أو إعادة تقديم موضوعات النص لا يحقق وظيفته كاملة؛ إذ ينبغي أن يدخل إلى بنية العمل، وأن يناقش لغته وخياراته الفنية وتناقضاته وإمكاناته التي نجح في تحقيقها أو أخفق فيها. حين لا يجد النص قارئًا نقديًا يوازي تجربته، فإنه يخسر فرصة الدخول في حوار أعمق مع القراء ومع الأدب الذي سبقه. وقد يخسر أيضًا إمكانية اكتشاف جوانب لم يكن الكاتب واعيًا بها أثناء الكتابة. فالنص لا ينتهي تمامًا عند نشره؛ إنه يبدأ حياة أخرى من خلال القراءات التي يتلقاها.
الكاتب بالتأكيد يستطيع أن يكون ناقد نفسه، بل ينبغي له أن يمتلك قدرًا من الشك في عمله، وأن يعود إليه بعين مختلفة بعد الانتهاء منه. لكن النقد الذاتي لا يعوض القراءة الخارجية، لأن الكاتب يعرف ما أراد قوله، بينما يستطيع القارئ أن يكشف ما قاله النص بالفعل، بما في ذلك ما لم يقصده صاحبه. لذلك أرى أن العلاقة الصحية بين الكتابة والنقد تقوم على الاستقلال والاختلاف. ليس على الناقد أن يجامل الكاتب، وليس على الكاتب أن يقبل كل حكم يصدر عنه، لكن كليهما يحتاج إلى الآخر ما دامت الغاية هي فهم الأدب وتوسيع إمكاناته. ثم إن النص الجيد لا يخشى النقد، والناقد الجاد لا يحتاج إلى خصومة مع الكاتب كي يثبت استقلاله. ما نحتاج إليه هو ثقافة تقبل النقاش الحقيقي، وتمنح العمل الأدبي حقه في أن يُقرأ بعناية، وأن يُمدح حين يستحق، وأن يُناقش بصرامة حين تستدعي الضرورة ذلك.
(*) بموازاة الكتابة الأدبية والترجمة، لديك أعمال فنية تشكيلية لافتة، متى بدأ الرسم يرافقك؟ هل تراه لغة موازية للكتابة؟ وهل اللوحة والنص يعودان إلى جرح واحد؟
الرسم تجربتي عند الرغبة في التعبير عن شيء لا أعرف دائمًا كيف أضعه في كلمات. لكنني لا أريد أن أعتبر اللوحة نسخة مرئية من النص، أو أن أتعامل مع الرسم باعتباره تابعًا للكتابة. لكل منهما منطقه وإمكاناته، ولكل منهما طريقته في بناء العلاقة بين ما نراه وما نشعر به. الكتابة تقوم على اللغة، وعلى الزمن الذي تحتاج إليه الكلمات كي تتراكم وتنتج المعنى. أما اللوحة فتستطيع أن تضع الألوان والخطوط والأشكال أمام العين دفعة واحدة، لكنها لا تقدم بالضرورة معنى مكتملًا أو مباشرًا. قد تمنحك اللوحة إحساسًا يصعب شرحه، وقد تقودك الكلمات إلى صورة لا تستطيع أن ترسمها بدقة. أعتقد أن الصلة بين الفنين تكمن في أنهما يمنحانني طريقتين مختلفتين لمواجهة التجربة نفسها. فما يشغلني في الكتابة، من ذاكرة وغياب وتبدل في الهوية، يمكن أن يجد في الرسم تعبيرًا آخر، لا يحتاج إلى حكاية واضحة أو تفسير نهائي.
أما سؤالكِ عن الجرح المشترك، فهو سؤال قريب من تجربتي، شرط ألا نفهم الجرح بوصفه ألمًا شخصيًا فقط. قد يكون الجرح هو شعور الإنسان بتصدّع العالم من حوله، أو عجزه عن الإمساك بما يتغير ويفلت من الذاكرة. وقد تكون الكتابة والرسم محاولتين لمنح هذا التصدّع شكلًا يمكن النظر إليه والتفكير فيه. لا أريد أن أفرض على اللوحة حكاية محددة، كما لا أريد أن أحصر النص في صورة واحدة. أترك لكل منهما مساحة من الغموض، لأن بعض التجارب لا تصبح أكثر صدقًا حين نفسرها بالكامل، وإنما حين نمنحها شكلًا يتيح لها أن تظل مفتوحة على قراءات متعددة.
(*) بوصفك عراقيًا إسبانيًا ومترجمًا، كيف ترى المسافة بين العربية والإسبانية في بلد يحمل إرثًا عربيًا أندلسيًا؟ كيف يستعاد هذا الإرث اليوم: بوصفه ذاكرة للتبادل الثقافي وجسرًا للتقارب، أم ضمن سرديات تختزل حضوره في الفتح والسيطرة؟ وما الذي تكشفه تجربتك عن صورة هذا الإرث في الخطاب الإسباني المعاصر؟
تمنح العلاقة بين العربية والإسبانية مجالًا واسعًا للتفكير في تاريخ الثقافات، وفي الطريقة التي تتشكل بها اللغات من خلال اللقاءات والصراعات والتبادل. فالحضور العربي في تاريخ إسبانيا ليس تفصيلًا هامشيًا، بل جزء من تاريخ طويل ترك آثاره في اللغة والعمارة والعلوم والفلسفة والأدب، وفي صور متبادلة عن الذات والآخر. إن استعادة هذا الإرث تتطلب الحذر من اختزاله في سردية واحدة. فإذا قرأناه بوصفه تاريخًا للفتح والسيطرة فقط، فإننا نفقد جانبًا مهمًا من التفاعل الحضاري الذي استمر عبر قرون. وإذا قدمناه باعتباره زمنًا مثاليًا من الانسجام الكامل، فإننا نتجاهل الصراعات والتفاوتات والتحولات التي عرفها التاريخ أيضًا. ما يهمني هنا هو أن ننظر إلى الأندلس بوصفها تجربة تاريخية معقدة، تتيح لنا فهم كيف تتجاور الثقافات وتؤثر إحداها في الأخرى، وكيف يمكن للمعرفة أن تنتقل بين اللغات حتى حين تفصل بينها الحدود السياسية والدينية. فالتاريخ ليس مجرد ذاكرة نحتفل بها، بل مادة تساعدنا على فهم الحاضر ومساءلة تصوراتنا عن الهوية والانتماء.
من موقعي بين العربية والإسبانية، تبدو الترجمة إحدى الوسائل التي يمكن أن تعيد تنشيط هذا الحوار. إنها تسمح للأدب العربي المعاصر بأن يدخل المجال الثقافي الإسباني من دون أن يُختزل في صورته التاريخية، وتتيح للقارئ الإسباني أن يلتقي بأصوات عربية تتحدث عن العالم الراهن، عن الحرب والمنفى والحب والمدينة والحرية، وعن أسئلة إنسانية لا تنتمي إلى ثقافة واحدة. لكن لا ينبغي أن نتوقع من الإرث الأندلسي أن يحل وحده مشكلات الحاضر. فالتاريخ المشترك لا يمنع سوء الفهم تلقائيًا، كما أن التشابه اللغوي أو الثقافي لا يضمن التفاهم. نحن بحاجة إلى قراءة نقدية للتاريخ، وإلى ترجمة متبادلة، وإلى مؤسسات ثقافية تتيح اللقاء الحقيقي بين الكتّاب والقراء. أما صورة هذا الإرث في الخطاب الإسباني المعاصر، فلا أعتقد أنه يمكن اختزالها في موقف واحد؛ فهي تتباين بحسب السياقات الثقافية والسياسية والتعليمية، وبحسب الطريقة التي يُقدَّم بها التاريخ في كل منها. لذلك أفضل أن أتعامل معها بوصفها موضوعًا يحتاج إلى فحص أمثلة وخطابات محددة، لا إلى تعميم حكم على المجتمع الإسباني كله. بالنسبة لي، ليست المسألة استعادة ماضٍ مضى، بل استخدام المعرفة بذلك الماضي لفتح إمكانات جديدة للحوار. فالثقافة لا تصبح جسرًا لمجرد أننا نصفها بذلك، وإنما حين نسمح للآخر بأن يتكلم بلغته وتجربته، ونكون مستعدين للإصغاء إليه من دون أن نطالبه بأن يشبهنا.