ملخص
سبب ارتفاع الطلب على توربينات الغاز لا يقتصر على زيادة الاستهلاك وميزات الغاز المعروفة، بل يعود أيضاً لأسباب تقنية، فالطلب في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يشهد تقلبات حادة وسريعة قد ترتفع فجأة بنسبة 50 في المئة فوق الطاقة التصميمية، وهو ما يعادل استهلاك مدن أو مصانع بأكملها خلال ثوان.
أوضحتُ في مقالات سابقة أن المستقبل للغاز الطبيعي، وأنه تحول إلى سلعة عالمية مثل النفط، بفضل تحويله إلى غاز مسال يمكن نقله إلى أي مكان في العالم، وبيّنت أن حروب الغاز والغاز المسال أصبحت واقعاً ملموساً، وأن الغاز المسال صار جزءاً لا يتجزأ من السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
وفي مقالة اليوم سأركز على بعض الأخبار الجديدة التي تعزز دور الغاز في مزيج الطاقة العالمي، وتوضح بصورة أكبر أن الولايات المتحدة تحاول إدارة العالم من خلال إدارة موارد الطاقة، حتى لو تطلب ذلك السيطرة على الممرات المائية المختلفة.
الطلب المتزايد من مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي
يتمثل الخبر الأول في أن مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي تحتاج إلى محطات كهرباء تعمل بالغاز، لأنها قابلة للتحكم والتأقلم السريع مع متطلبات هذه المراكز، والمشكلة ليست في زيادة الطلب على الطاقة وحسب، بل في التقلبات الحادة والسريعة في استهلاك الكهرباء مما يؤدي إلى تآكل المعدات وتهديد استقرار الشبكة الكهربائية، وهذه التقلبات ترهق البطاريات والمولدات وأنظمة التبريد، فتسبب أعطالاً مفاجئة وترتفع الكُلف، ومن المعروف أن مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي ترفع الطلب على الكهرباء، لكن السؤال الجوهري هو كيف سيجري توليد هذه الكهرباء؟
يظن بعضهم أن بناء مزيد من مزارع الطاقة الشمسية والرياح يحل المشكلة، لكن ثبت أن هذا الافتراض غير صحيح، وجرى التركيز على المفاعلات النووية لأنها توفر أمن الإمدادات لكنها تواجه صعوبات في إدارة الشبكة ليبقى الغاز والفحم، وبما أن الفحم ملوث بيئياً فإن الغاز هو الخيار الباقي، وتشير البيانات إلى أن الطلب المتزايد على الكهرباء من مراكز البيانات، بخاصة تلك المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يدفع طلبات توربينات الغاز نحو أعلى مستوياتها منذ عام 2000، فيما تشهد السوق طفرة كبيرة في الحاجة إلى طاقة موثوقة ومستمرة على مدار الساعة، لتلبية نمو الحوسبة السحابية والتطبيقات الذكية، وهو ما أدى إلى نفاد الطاقة الإنتاجية لدى الشركات المصنعة الرئيسة مثل “جنرال إلكتريك فيرنوفا” و”سيمنس” و”ميتسوبيشي”، ونظراً إلى عدم قدرة المصانع على تصنيع التوربينات بسرعة، فقد امتدت قوائم الانتظار حتى عام 2031، وبعبارة أخرى فإن من يطلب توربين غاز اليوم فلن يتسلّمه قبل ذلك التاريخ، وقد نتج من ذلك ارتفاع كبير في الأسعار، بلغ أضعاف ما كانت عليه سابقاً.
هذه التطورات تعيد تشكيل سوق الطاقة العالمية، إذ يتسابق المطورون والمرافق لتأمين القدرات اللازمة، وسط تحديات في سلاسل التوريد والتوسع في الإنتاج، ولا يقتصر سبب ارتفاع الطلب على توربينات الغاز على زيادة الاستهلاك وميزات الغاز المعروفة، بل يعود أيضاً لأسباب تقنية، فالطلب في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يشهد تقلبات حادة وسريعة، قد ترتفع فجأة بنسبة 50 في المئة فوق الطاقة التصميمية، أي ما يعادل استهلاك مدن أو مصانع بأكملها خلال ثوان، وهذه التذبذبات ترهق المعدات وتسبب أعطالاً مثل تشققات توربينات الغاز، أو كسر أجزاء في محركات الاحتراق، كما رُصد في منشأة “إكس أيه آي” مع تسارع طفرة الذكاء الاصطناعي، وهو ما تترتب عليه كُلف إضافية وأخطار على الموثوقية، إذ تؤثر دقائق قليلة من التوقف على الإيرادات، في وقت يقلق المستثمرون من إنفاق مئات المليارات، واحتمال انخفاض قيمة هذه المراكز أسرع مما كان مقدراً، مع آثار سلبية محتملة على شبكات الكهرباء.
مشاريع “سبيس إكس” و”شينير”
بسبب هذين العاملين، إضافة إلى وفرة الغاز الرخيص في تكساس، تخطط شركة “سبيس إكس” لبناء محطات توليد كهرباء تعمل بالغاز الطبيعي مع بطاريات تخزين كبيرة، لدعم مصنع أشباه الموصلات الضخم “تيرا فاب” الذي تطوره بالشراكة مع “تيسلا” في الولاية، وقال المسؤول عن تطوير الطاقة في “سبيس إكس”، رايلي تريتيل، إن الشركة ستوفر طاقتها الخاصة ولن تعتمد على شبكة الولاية، وتبلغ كلفة المرحلة الأولى 16.8 مليار دولار، ويتوقع أن تخلق 3 آلاف وظيفة، مع منحة حكومية بقيمة 30 مليون دولار، ويمتد المصنع على مساحة 100 مليون قدم مربعة، وسيصنع رقائق لروبوتات “أوبتيموس” ومركبات “تيسلا” وتطبيقات الفضاء بمشاركة “إنتل”.
وهذا الطلب الإضافي الكبير من “سبيس إكس” قد يتحول إلى مشكلة إذا حدث تنافس على الغاز بين شركات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي من جهة، وشركات تصدير الغاز المسال من جهة أخرى، وقد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغاز داخل الولايات المتحدة، ويغير اقتصادات هذه الصناعات بصورة كبيرة، ففي وقت تتحدث “سبيس إكس” عن مشروعها، أعلنت شركة “شينير” للطاقة قرب انتهاء بناء خط الإنتاج الثالث في محطة “كوربوس كريستي” للغاز الطبيعي المسال في تكساس وبدء الإنتاج، وتكمن أهمية الخبر في الطاقة الإنتاجية الهائلة للمرحلة الثالثة التي تبلغ 14 مليون طن سنوياً، إذ يُتوقع وصول أول شحنة من التوسعة الجديدة قريباً مع دخوله الخدمة التجارية هذا الخريف، ومن النادر أن تنتهي محطة غاز مسال قبل الموعد المحدد، ولذلك فهو خبر إيجابي في ظل غياب جزء كبير من الغاز القطري، لكنه يثير تساؤلات حول المستفيد من إغلاق مضيق هرمز وضرب محطة الغاز المسال القطرية، وبعد ذلك ستقوم الشركة بتوسعة محطة “سابين باس” مطلع عام 2027، فهل تستطيع شركات النفط والغاز تلبية الطلب من دون رفع أسعار الغاز؟
قرار تكساس يعكس المخاوف
أوقف حاكم تكساس غريغ أبوت الموافقات على مراكز البيانات الجديدة التي تسعى إلى الاتصال بشبكة الكهرباء في الولاية، حتى يكمل المنظّمون مراجعة أوسع لطلبها على الكهرباء واستخدامها للمياه وملكيتها، والحوافز المقدمة لها وتأثيراتها في المجتمعات المحلية، لتعكس هذه الخطوة المخاوف المتزايدة من أن موجة مقترحات مراكز البيانات تهدد موثوقية الشبكة، وكذلك فإن بعض الطلبات المقدمة قد تكون مجرد مقترحات لا تتحقق أبداً، فالدراسة المتأنية تضمن استثماراً مجدياً، مع تجنب التوسع غير الضروري في الشبكة.
تمحورت سياسات حكومة تكساس حول جذب الشركات، ونجحت في استقطاب كبرى الشركات ودفع نمو سكاني كبير وتوسيع المدن، ومع ذلك بقيت شبكة الكهرباء على حافة الخطر، ويبدو أن هذه المبادرات افتقرت إلى رؤية شاملة طويلة الأجل، ليوازي هذا الوضع ما حدث في الصين خلال تسعينيات القرن الماضي، حين سعت بقوة إلى استقطاب الشركات الغربية بدعم سياسات العولمة، لكنها كانت تعاني نقص الكهرباء، وللوفاء بوعودها للشركات الغربية، اضطرت إلى قطع الكهرباء عن الشركات المحلية، فحدثت انقطاعات واسعة وانخفاض في الجهد، وارتفع الطلب على النفط بسبب اللجوء إلى مولدات الديزل، ولذلك دفعت بكين ثمناً باهظاً بين عامي 2004 و2008، وقد كررت تكساس الأخطاء نفسها وهي تواجه عواقب مماثلة، لكن ما نراه الآن هو محاولة لمنع تفاقم المشكلات، وكما أوضحنا سابقاً فإن إحدى الحلول هي ربط الموافقات على مراكز البيانات بمحطات توليد كهرباء جديدة مرتبطة بها، وهو ما تقوم به “سبيس إكس” حالياً.
وخلاصة القول إن سياسة الولايات المتحدة حالياً مبنية على الهيمنة العالمية من خلال الذكاء الاصطناعي والطاقة، وقد أصبح الغاز ضرورياً للذكاء الاصطناعي وجزءاً أساساً من السياسة الخارجية الأميركية، وهو ما يفسر اهتمامها الكبير به، مثلما يفسر عرقلة المشاريع في روسيا وقطر، ومحاولة الصين وقف واردات الغاز الأميركي المسال، والاعتماد على التدفقات الروسية عبر الممر القطبي الشمالي والأنابيب، وكذلك يفسر رغبة سيطرة الولايات المتحدة على المضائق المائية، وسبب مرور النفط الروسي عبر البحر الأحمر إلى آسيا، حيث يمر الغاز الروسي إلى آسيا حول أفريقيا، عدا الفترة الصيفية القصيرة التي يذوب فيها جليد الممر الشمالي.
