حكم الأسد استمر أكثر من 24 سنة، بينما لم تكمل السلطة الانتقالية الحالية حتى عامين من عهدها الانتقالي. في أول عامين من حكم الهارب، استعر الحراك السياسي في المجتمع المدني السوري، لكنه تخامد سريعًا، وعدنا إلى السيرة الأولى لدولة القمع، خاصة بعد تورط سلطة دمشق وحلفائها في لبنان باغتيال الحريري في شباط/ فبراير من عام 2005، وإغلاق المجال السياسي العربي والإقليمي والدولي أمام دمشق، ولذلك انكفأ المجتمع المدني السوري على نفسه وهو لا يزال يحبو.
في عام 2011 فاجأ السوريون أنفسهم، بعدما فاجأ التونسيون والمصريون والليبيون أنفسهم أيضًا، كلٌّ بطريقته، بالانتفاض على أنفسهم قبل الانتفاض على السلطات الحاكمة. الانتفاضات سرعان ما تحولت إلى ثورات، ولا تزال مستمرة، على الأقل لأن العهود السابقة لم تعد إلى الحكم بكامل هيئاتها، وفي ذلك تفاصيل لا تهمنا هنا.
لم يناقش المنتدى شيئًا مما حملته سنوات الثورة الممتدة من 2011 حتى 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وإنما آثارها التي ستبقى ربما إلى الأبد، من موت وتهجير ونزوح ولجوء وفقر، كونه أشبعها دراسات ومتابعات في المنتديات الخمس السابقة، في عهد مركز حرمون (الذي عقد أربعة منتديات في تركيا)، وفي المنتدى الذي عقده المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة في عام 2025.
في هذا المنتدى، ناقشت البحوث والمحاضرات الرئيسية قضايا بناء الدولة والسيادة، والحوكمة والدستور والعدالة الانتقالية، والعودة والتهجير، والذاكرة والهوية، والثقة العامة والمجال السياسي، والاقتصاد السياسي، وإعادة الإعمار، من خلال 31 بحثًا ومحاضرة قدمها فريق المركز والباحثون الضيوف على مدى ثلاثة أيام كاملة، مكثفة، وبحضور لافت، وتنظيم أكثر من جيد.
التنظيم
إذا استثنينا بعض التأخير في انطلاق جلسات المنتدى، والانزياح في بعضها، بالتأخير والتقديم، فإن متن الجلسات اتسم بمرونة عالية، وبسقف حرية مفتوح، لكنه لم يتجاوز حدود اللباقة في توصيف عهد السلطة الانتقالية، بل وحتى العهد الهارب. وهذا مما يحسب لمنظمي المنتدى، الذين لم يضطروا إلى حجب صوت أحد من المداخلين الذين حولوا بعض المؤتمرات السابقة إلى سوق عكاظ، شتمًا لسلطة الأسد الهارب، أو تقريعًا لسلطات المعارضة.
في ما يتعلق بطريقة إدارة الجلسات، فإنها اتسمت بالتقليدية، كما يليق بمنتدى جاد ورصين. هذه الرصانة لم يتوجها معظم المحاضرين بحسن استغلال الوقت الممنوح لهم (15 دقيقة)، فإذا كانت هذه الدقائق المحدودة لم تقدم مكثفًا للأفكار والمقترحات، فإننا في شك من التكثيف الذي سنقرأه في البحوث حين تنشر على الموقع الرسمي للمركز.
معارضون مدمنون… وموالون
المقصود بالمعارضين والموالين هنا المتداخلون بعد عرض الباحثين لأوراق عملهم، فقد أعطى المنظمون للمداخلات وقتًا أطول حتى من مجموع ما أخذه المشاركون في كل جلسة، وهذا مما يحسب للمنظمين، كونه يتيح للمحاضرين اصطياد أفكار جديدة لتصحيح ما قالوه، أو تطوير أفكارهم التي عملوا عليها مسبقًا.
بعض المتداخلين، وهم متكررون غالبًا، جاؤوا ليقولوا ما يريدون بغض النظر عما سيقوله الباحث، أو الباحثون، وإن كان في النظام، بمعنى أنهم لم يقولوا شيئًا خارج موضوع البحث. والمتداخلون المعارضون كانوا أكبر عددًا من الموالين (المكوعين أو المطبلين حسب الاصطلاح الدارج في مواقع التواصل الاجتماعي)، وكان سقف حريتهم مفتوحًا، ولم يتدخل ميسرو الجلسات إلا لضبط الوقت، وإعطاء الفرصة لأكبر عدد ممكن من المداخلات والأسئلة.
الافتتاح
استشهد الدكتور إبراهيم دراجي، في كلمة افتتاح المنتدى، بما قاله الأمير فيصل في عهد أول دولة سورية بعد الاستقلال عن الدولة العثمانية من ضرورة العلم في بناء الدولة والسياسة، فبناء الدولة لا يؤجل العلم، بل تحتاج الدولة إلى العلم كي تبنى بشكل أكثر رسوخًا. واستعرض دراجي المراحل التي مرّ بها المركز من حرمون إلى المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، موجهًا الشكر إلى الدكتور عزمي بشارة، المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، المركز الأم لكل من حرمون والمركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، الذي آمن بأهمية عمل مركز حرمون في مرحلة الثورة، وضرورة المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة في المرحلة الانتقالية وما بعدها.
إضاءات لا بد منها
تميز عدد من أوراق العمل بكونه كان أكثر قربًا من الواقع السوري، باعتماده الرقم الإحصائي المتاح، وليس التنظير للمستقبل، أو عرض نظريات، ومنها بحث الدكتور سمير العبد الله بعنوان “سياسة تصفير المشاكل والاستقرار الخارجي: إعادة توجيه السياسة الخارجية السورية بعد 2024”. ورصدت الدراسة أن 61 في المائة من الدبلوماسيين المعينين في السفارات هم من العهد السابق، وأن السفارة السورية في طهران لا تزال تعمل بكامل طاقمها المعين من العهد السابق.
كما تميزت محاضرة الباحثة ويندي بيرلمان بعنوان “الدروس المستفادة من التجارب المقارنة في سياقات ما بعد الصراع وإمكانات توظيفها في مسار الانتقال السياسي في سورية”، لتقول إن أصحاب السلطة لا يختارون التحول الديمقراطي بإرادتهم، وسورية ليست خارج مجرى التاريخ. وناقشت بيرلمان أربعة مسارات لتحديد طبيعة الحالة السورية والحالات الأنسب لمقارنتها: الانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية، ومن النزاع إلى السلام، ومن النزاع إلى الديمقراطية، ومن المقاومة المدنية الواسعة إلى نظام سياسي جديد.
في ورقة ليون غولدسميث المقدمة بعنوان “من الاستبداد إلى التحرر: قراءة في الحالة السورية من منظور عبد الرحمن الكواكبي” رأى الباحث راهنية في الفكر السياسي لعبد الرحمن الكواكبي لفهم الانتقال السوري ما بعد الأسد، انطلاقًا من تشخيصه الاستبداد بوصفه مرضًا بنيويًا يصيب المجال السياسي.
يوسف العظمة… والجولان
ختام المنتدى كان بإشهار كتابين هامين صدرا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات هما: “يوسف العظمة في زمانيه العثماني والعربي” و”الجولان: دراسة في الجغرافيا الإقليمية”. الأول بإشراف وتحرير وتقديم عزيز العظمة، بمشاركة عشرة باحثين؛ والثاني للكاتب السوري أديب سليمان باغ. وكتاب سليمان باغ في طبعته الثانية هذه هو رسالة دكتوراه أعدها الباحث في فرنسا في عام 1958، ومن هنا تأتي أهميته، كون الدراسة تتحدث عن الجولان قبل سقوطه تحت الاحتلال بعد 1967. وصدرت طبعته الأولى عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق عام 1983، بترجمة كل من يوسف خوري، وعبد الرحمن حميدة، ومحمد حرب فرزات، ومحمود رمزي.
قدم للكتاب الأول محمد جمال باروت، وللثاني سمير العبد الله. وكان من المقرر أن يستغرق ذلك مع النقاش نصف ساعة، لكن النقاشات وحضور موظفين من وزارة الخارجية السورية استمرت أكثر من ساعة. الموظفان أرسلا قصاصة لميسر الجلسة عمر الشيخ إبراهيم أن قرار تغيير اسم مدرسة يوسف العظمة في حماة إلى مدرسة نور الدين الزنكي هو اجتهاد من الإدارة المحلية هناك، في وعد غير صريح بإبطال هذا القرار. علق باروت على ذلك حتى قبل حضور الموظفين بأن الزنكي من الشخصيات البارزة في التاريخ السوري، وأنه يستحق أن تحمل مدرسة أخرى اسمه، من دون تغيير اسم مدرسة يوسف العظمة الحالية، فالعظمة أحد الأسماء القليلة في سورية التي لا يختلف عليها السوريون.