في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) عام 2023، اتخذ الأمين العام الراحل لـ”حزب الله” حسن نصرالله قراراً بشن حرب على إسرائيل، لإسناد قطاع غزة. غاب نصرالله عن الشاشات، ثم أطل في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر)، لتبرير المواجهة المحدودة حينها، قائلاً إن “هذه معركة لا غبار عليها”. بعد ثلاث سنوات على تلك اللحظة، لا يحتاج عاقل كثيراً من الوقت ليعي حجم الكارثة التي مهّد لها هذا القرار، أكان لجهة عديد الضحايا والجرحى، أو لناحية الدمار والتهجير والاحتلال.
“حزب الله” أطلق نيرانه واتخذ قراراً بزج لبنان بهذه الحرب. لكن قرار فتح هذه الحرب أمر، ورسم حدودها أمر آخر. كان نصرالله يُريد مواجهة محدودة في شريط القرى الحدودية، واعتقد بأن بإمكانه رسم خطوط حمر بتحييد بقية الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية وبيروت. هذا الاعتقاد كان مبنياً على تقويم خاطئ لقدرة الحزب على ردع إسرائيل من خلال ترسانة الصواريخ التي يمتلكها، وهو ما بثته الماكينة الإعلامية للتنظيم على مدى سنوات، حتى بات قناعة متجذرة لدى قاعدته الشعبية. والواقع أن المسؤولين العسكريين الإسرائيليين كانوا يتحدثون منذ الشهور الأولى لإعلاميين وحلفاء غربيين بأن هزيمة “حزب الله” تحتاج لأسابيع فقط. وهذا ما حصل، وبشكل منتظم وبنتيجة تُحاكي هزيمة عام 1967 لناحية الاختراقات والهوة الشاسعة بين الخطاب المتعجرف للتنظيم من جهة، وأدائه على أرض المعركة، من جهة ثانية. نسج إعلام “حزب الله” وأبواقه أساطير زرعت في جمهوره ثقة عمياء بخياراته وقدرته على تحديد مسار المواجهة من دون التهور بحياة الناس.
إسرائيل، في المقابل، رسمت استراتيجية جديدة بعد عملية “طوفان الأقصى” لحدودها مع قطاع غزة وجنوب لبنان، على قاعدة أن المجتمعات بأسرها هي مصدر التهديد، ولذا، يجب إنشاء مناطق عازلة خالية من سكانها، أي تنفيذ عملية تطهير عرقي، وهي جريمة حرب. وهذا المسار كان واضحاً منذ بدايات الحرب، إذ كانت عمليات القصف ممنهجة وتستهدف المنازل والمنشآت المدنية وقتل أي علامة حياة في القرى الحدودية.
بعد اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني عام 2024، واصلت إسرائيل استهداف العائدين الى بلداتهم. كما بدأت تتسرب اقتراحات أميركية-إسرائيلية لاتفاق شامل فيه كلام واضح عن “منطقة اقتصادية” في جنوب لبنان، لا ترد فيها أي إشارة الى عودة السكان. وهذا مماثل لما تردد عن حلول الرئيس دونالد ترامب في قطاع غزة: استثمار عقاري لا مكان للغزاويين فيه. لم يمر وقت طويل على حروب إسرائيل وجولات المفاوضات، حتى تشكّل وعي واضح حيال الرؤية الأمنية الإسرائيلية: أي عملية تفاوضية يجب أن تقبل بمنطقة عازلة لا سُكان فيها. هذا يصح في لبنان وفي قطاع غزة، وإلى حد ما كذلك في سوريا.
أقطاب الحكومة الإسرائيلية ذهبوا أبعد من ذلك، إذ بدأت الإشارات تتوالى حول الاستيطان في قطاع غزة، في موازاة تحركات لمجموعات استيطانية. على الجبهة اللبنانية، حدث أمر مشابه.
تأسست حركة تُطالب بالاستيطان في جنوب لبنان تُدعى “عوري تسفون” (استيقظ يا شمال)، وفيها ناشطون لديهم ارتباطات بالحكومة. أول نشاط لهم في الجنوب كان نصب خيام في بلدة مارون الراس في كانون الأول (ديسمبر) عام 2024، تلته محاولات أخرى واجتماعات للترويج للفكرة. بعدها ببضعة شهور، دخلت مجموعة كبيرة من الإسرائيليين وبمؤازرة من الجيش منطقة تل العباد في بلدة حولا اللبنانية للصلاة في موقع قبر حاخام يهودي. تنظيم الزيارة ومحاولات الاختراق كانت إعلان نوايا.
لكن هذا لم يمنع قيادة “حزب الله”، وبإيعاز إيراني وبقدراته المحدودة عسكرياً، من زج لبنان مجدداً في الحرب، وإعطاء إسرائيل الذريعة المطلوبة لاحتلال عشرات القرى والبلدات، ومن ثم العمل على تدميرها بشكل ممنهج لمنع سكانها من الدخول. وهذا احتلال مختلف عمّا عهده الجنوب في ثمانينات القرن الماضي حين بقي جزء من السكان في بلداتهم، وسُمح لقسم آخر بالزيارة من خلال تصاريح أمنية.
إن كان “حزب الله” يُفاخر بإنجاز التحرير عام 2000، فإن خياراته في حربي عام 2023 و2026 أعادت الجنوب وسكانه لواقع أسوأ من ذلك الذي وُلد فيه مطلع الثمانيات.
هذا إرث الحزب وقادته وسلاحه.