تخطي إلى المحتوى
موقع السفينة

موقع السفينة

السفينة

cropped-header-08.png
القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • عن الحبّ بمعناه الإنسانيّ: ليس كلّ ما يضيء نارًا
  • أدب وفن

عن الحبّ بمعناه الإنسانيّ: ليس كلّ ما يضيء نارًا

المحرر Editor 17 أغسطس، 2026

عن الحبّ بمعناه الإنسانيّ: ليس كلّ ما يضيء نارًا

عن الحبّ بمعناه الإنسانيّ: ليس كلّ ما يضيء نارًا
رنا الرفاعي كاتبة اردنية… ضفة ثالثة

يكفي أحيانًا أن يمرّ شخص ما في حياتنا بطريقة مختلفة؛ صوتٌ يعلق في الذاكرة، ابتسامة تستوقف النظر، حضورٌ يربك شيئًا في داخلنا، فنشعر أنّ شيئًا قد حدث. ولأنّنا نحتاج دائمًا إلى اسم لما يحدث في أعماقنا، نسارع إلى القول بأنّه الحبّ. وكثيرًا ما يحدث أن نكتشف أنّه لم يكن حبًّا. ربّما كان علينا أن نميّز بين ما يحدث لنا وما يحدث بيننا، فالإعجاب والانجذاب والافتتان ظواهر داخلية قد تنشأ في لحظة، وقد تمتدّ سنوات. أمّا الحبّ، في معناه الإنساني الكامل، فلا يقيم في ذات واحدة؛ إنّه يتشكّل في المسافة بين ذاتين حين تتحوّل العاطفة إلى علاقة. وهنا يبدأ الالتباس!
لقد أدرك ابن حزم الأندلسيّ هذا التعقيد عندما كتب “طوق الحمامة”، فرأى للحبّ بدايات متعدّدة: نظرة، أو طول ملازمة، أو وصفًا يسبق اللقاء. ورصد علاماته في إدمان النظر، وكثرة الذكر، والاضطراب، والسهر، والنحول. لكنّه، على الرغم من حديثه عن اتّصال الأرواح، لم يترك الحبّ حبيس التجربة الداخليّة؛ إذ سرعان ما انتقل به إلى ما يفعله الإنسان بعد أن يقع: رسائل، وأسرار، ووصال، وهجر، ووفاء، وغدر، وعفاف. كأنّ الشعور لا يثبت وجوده إلّا حين يخرج من صاحبه. فقد تتّصل الأرواح، لكنّ الإنسان هو الذي يفي، وقد يشتعل القلب، لكنّ الإنسان هو الذي يصون، وقد تبدأ شرارة في الداخل، لكنّها لا تصبح حبًّا قبل أن تجد في الخارج ما يقابلها لتصبح علاقة.
تبدو الشرارة الأولى، في نظري، أقرب إلى غيمة تظهر فجأة في الأفق. إنّها تحمل احتمال المطر، لكنّها لا تكونه بعد. وما يتراكم فيها بعد ذلك هو ما نضعه نحن: صدقًا أو كذبًا، وفاءً أو خذلانًا، صبرًا أو ضجرًا. ثمّ تأتي لحظة الهطول، فنعرف عندها ما الذي صنعته الأيام بذلك الانجذاب: حبًّا يحيا، أو علاقة مثقلة بما يكفي ليتحوّل المطر نفسه إلى طين. لهذا لا تُعرف البداية بما تعد به، ولكن بما تصير إليه.
لعلّ هذا ما يجعل لحظة اللقاء عند أوكتافيو باث في “اللهب المزدوج” لحظة كاشفة، وليس رحلة مكتملة. إذ يلتفت إلى الطريقة التي يخرج بها الآخر من عموميّة البشريّ إلى فرادته؛ يصبح شخص واحد، من بين الملايين، قادرًا على أن يعيد ترتيب العالم في داخلنا. إنّها لحظة انكشاف، وربّما لحظة خروج من الوحدة، ولقاء بين حرّيّتين. لكنّ انكشاف الآخر ليس هو العيش معه، واكتشاف إمكانيّة الحبّ ليس تحقّقه. قد نرى في شخص ما احتمالًا هائلًا، ثمّ لا تنشأ بيننا علاقة. وقد تظلّ الشرارة مضيئة في الذاكرة، من دون أن تتحوّل إلى حياة مشتركة. ومن هنا يصعب القول بوجود حبّ من طرف واحد. ليس لأنّ الشعور الفرديّ غير ممكن، بل لأنّه ممكن إلى حدّ الألم. قد يقضي إنسان عمره أسير صورة شخص لا يبادله الشعور، وقد يظلّ وفيًّا لاسم لم يصبح يومًا جزءًا من حياته. لكنّ ما يوجد هنا، مهما بلغ عمقه، يظلّ تعلّقًا، أو افتتانًا، أو شوقًا، أو ولعًا؛ أي تجربة داخليّة تخصّ فردًا واحدًا. والحبّ، بهذا المعنى، لا يُقاس بشدّة الشعور، ولا بطول بقائه، ليس كلّ ما يؤلم حبًّا، وليس كلّ ما يستمرّ حبًّا. سرّ الحبّ أنّه يحتاج شيئًا لا يستطيع الفرد وحده أن يصنعه: العلاقة.

رأى إريك فروم هذا الامتداد الطبيعيّ في كتابه “فنّ الحبّ”، فالحبّ عنده ليس حالة يقع فيها الإنسان، بل قدرة ينبغي أن يتعلّمها. وهو ليس مجرّد العثور على الشخص المناسب، بل امتلاك القدرة على الرعاية والمسؤوليّة والاحترام. وأنا هنا لا أتعارض مع القول إنّ الحبّ يبدأ بانفعال، لكنّي أضع الانفعال في مكانه الصحيح، فكما أنّ الحجارة ليست هي البيت، والألوان ليست هي اللوحة، والكلمات ليست هي القصيدة، فإنّ الشعور كذلك ليس هو الحبّ، هو فقط مادّته الأولى. الحبّ هو ما نفعله بما نشعر به. ولهذا يصبح الوفاء، الذي جعله ابن حزم من أسمى صفات المحبّين، أكثر من فضيلة أخلاقيّة؛ يصبح امتحانًا للحبّ. فالمشاعر تتغيّر. أمّا الإنسان فهو الذي يقرّر ماذا يفعل حين تتغيّر. وهذا لا يعني أن تظلّ مشاعرك كما كانت في اليوم الأوّل، لكن أن تعرف كيف تمنح العلاقة حياة جديدة حين لا تعود المشاعر في صورتها الأولى. وهنا تتّضح مأساة الحبّ في عصرنا.
ربّما يرى بعضهم أنّني أختلف في قولي بأنّ الحبّ لا يكتمل في قلب واحد مع التصوّف الذي جعل الحبّ مقامًا من أرفع مقامات التجربة الروحيّة، لكنّني أرى العكس تمامًا. فالحبّ، في التجربة الصوفيّة، لا يكتمل وهو حبيس ذات المحبّ، ولا حتّى حين ينحصر في محبوب واحد؛ بل يبدأ حين يخرج الإنسان من مركزيّة ذاته، ويتّسع أثره من المحبوب إلى الوجود كلّه. فالمحبّ، كلّما ارتقى في مقام الحبّ، لم يعد يرى محبوبه جزيرة منفصلة عن العالم، إذ إنّ الحبّ يخلق طريقة جديدة في النظر؛ تجعله يرى الجمال في الأشياء، والرحمة في الكائنات، والمعنى في الوجود. وهكذا لا يظلّ الحبّ شعورًا مستقرًّا في القلب، بل يتحوّل إلى علاقة، ثمّ إلى رؤية، حتّى يغدو العالم أكثر جمالًا في عين المحبّ. ومن هنا يمكن القول إنّ التصوّف لا يختلف مع فكرة أنّ الحبّ لا يكتمل في ذات واحدة، بل يمنحها أفقًا أوسع: فالحبّ الإنسانيّ يخرج من القلب إلى الآخر، لكنّه في أسمى مقاماته يتّسع من الآخر إلى الوجود كلّه.
أمّا زيغمونت باومان فقد وصف في كتابه “الحبّ السائل” عالمًا يريد فيه الإنسان القرب من دون كلفته، والعلاقة من دون ثقل الالتزام، والحميميّة مع إبقاء باب الخروج مفتوحًا دائمًا. وحين يصبح الحبّ مجرّد شعور، يصبح من السهل الاعتقاد بأنّ تغيّر الشعور يعني انتهاء الحبّ. لكنّ المشاعر لا تستقرّ، إنّها تتبدّل بطبيعتها. أمّا العلاقة فشيء آخر. قد تتغيّر حرارتها من دون أن تنطفئ، وقد تمرّ بمواسم من القرب والبعد، والامتلاء والجفاف، فالحبّ يُختبر في قدرة العلاقة على أن تجد شكلًا جديدًا للحياة حين يتغيّر ما كان يمنحها وهجها الأوّل.
لهذا يبدو الحبّ أقرب إلى فعل البناء منه إلى لحظة الاشتعال. إنّه يحتاج إلى الإصغاء، والاحتمال، والاعتذار، والقدرة على رؤية الآخر كما هو لا كما صنعه الخيال. يحتاج إلى أن يبقى الطرفان ذاتين حرّتين؛ فلا يتحوّل الحبّ إلى امتلاك، ولا القرب إلى محو للآخر. وهنا تكتسب العلاقة معناها الحقيقيّ: إنّها ليست أحد الطرفين، وليست مجموعهما فحسب، إنّها فضاء ثالث ينشأ بينهما. شيء لا يوجد في أيّ منهما منفردًا، مثل المسافة بين نغمتين لا تنتمي إلى أيّ منهما، لكنّها لا توجد دونهما. لذلك لا يمكن للحبّ أن يكون فعلًا من طرف واحد. قد يكون الإعجاب كذلك، وقد يكون التعلّق، وقد يكون الشوق، لكنّ الحبّ لأنّه علاقة يحتاج إلى أكثر من قلب واحد.
الحبّ، إذًا، قد يبدأ بشعور، لكنّه لا يظلّ شعورًا. قد يبدأ بنظرة، لكنّه لا يصبح حبًّا بالنظر. وقد يبدأ بانجذاب، لكنّه لا يكتمل بالانجذاب. إنّه ما يحدث حين تتحوّل العاطفة إلى علاقة، والعلاقة إلى أفعال، والأفعال إلى تاريخ مشترك. إنّه ليس ما يحدث لنا في لحظة اللقاء، بل ما نفعله بما حدث لنا حين التقينا. وليس اللهفة التي تسبق العلاقة، بل الأثر التي يتبقى حين تهدأ اللهفة. وليس أن نعثر على شخص يجعل قلوبنا تضطرب، بل أن نبني مع شخص، بعد أن تهدأ القلوب، عالمًا يستحقّ أن نبقى فيه.
إن الحبّ ليس ما نشعر به تجاه الآخر فحسب؛ الحب هو أيضًا ما نصنعه معًا من ذلك الشعور.

* كاتبة أردنيّة.

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: “عين السيّد”: في تفكيك الأساطير المحيطة بالذكاء الاصطناعي
التالي: تركيا تبادر في لبنان بعد سوريا وزيارة قريبة:السلاح والانسحاب

قصص ذات صلة

384236449_707777691370828_6194787564935423573_n (1)
  • أدب وفن

ورقة في المعطف

المحرر Editor 28 أكتوبر، 2026
  • أدب وفن

بداوة الشعر وقوة الوجدان عند ابن هذال

المحرر Editor 28 أكتوبر، 2026
  • أدب وفن

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر ديمة نشاوي توثق فنياً محطات مفصلية في 30 لوحة

المحرر Editor 28 أكتوبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • جنرالات “حلف مكة” يبرؤون ذمتهم من المقبل على إيران…
  • الصّفديّ والشّيبانيّ نزعا فتيل الفتنة
  • طهران تستأهل زيارة؟
  • ورقة في المعطف
  • الاحتجاجات الفرنسية… حصان طروادة اليميني المتطرّف

لربما فاتك

  • مقالات رأي

جنرالات “حلف مكة” يبرؤون ذمتهم من المقبل على إيران…

المحرر Editor 28 أكتوبر، 2026
  • مقالات رأي

الصّفديّ والشّيبانيّ نزعا فتيل الفتنة

المحرر Editor 28 أكتوبر، 2026
  • مقالات رأي

طهران تستأهل زيارة؟

المحرر Editor 28 أكتوبر، 2026
384236449_707777691370828_6194787564935423573_n (1)
  • أدب وفن

ورقة في المعطف

المحرر Editor 28 أكتوبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.