منذ سنة تحدثتُ في هذا الموقع عن مخطوطة “وقائع مجلس مدينة اللاذقية” التي قرأتها منذ عقود، وسجلتُ منها ما سجلت، وحين حاولت العودة إليها منذ عقود أيضًا اكتشفتُ أنها اختفت.
هذه المخطوطة هي وثيقة هامة لفترة “حملة” إبراهيم باشا على سورية، تحفل بالكلمات التركية، وبالكلمات والعبارات العامية، وعنوانها “وقائع مجلس مدينة اللاذقية”. وهي سجل إداري رسمي لمحاضر جلسات مجلس المدينة، يتضمن شؤون التجنيد ونزع السلاح والضرائب والقرارات والمحاكمات والعقوبات، مما يبدو معه مجلس المدينة بمثابة سلطة تنفيذية وقضائية.
وكانت اللاذقية قد أعلنت ولاءها سلمًا لإبراهيم باشا المندفع من مصر عام 1832، بعدما احتل في السنة السابقة الساحل الفلسطيني، فالساحل اللبناني (حيفا – يافا – صيدا – صور).
يكتب الشيخ شادي عبده مرعي أن ضباطًا في حملة إبراهيم باشا تهافتوا على شراء البنات العلويات، فلما بلغت الشكوى إبراهيم باشا أمر بإعادة البنات لأهاليهن. وفي عام 1835 تمرد العلويون ثمانية أشهر، وانتهى التمرد بنزع السلاح منهم وإجبار كثيرين على مغادرة المنطقة. وكان من ذلك أن “تظاهر بالعصيان أهل مقاطعة القرداحة (العلويون)، وأرسلهم إلى عكا فوضعت في عكا ثلاثة أيام للفرجة…”.
يحتوي كتاب “وقائع مجلس مدينة اللاذقية” على مراسلات (مكاتبات) بين مجلس شورى طرابلس ومجلس اللاذقية. ومنها رسالة ناظر (مدير – رئيس) مجلس اللاذقية حول أمور منها دفع أجرة نزول العساكر في “خان” يعود إلى “متولي” جامع أرسلان باشا، وكذلك دفع المرتب العام السنوي لخادم مقام السلطان إبراهيم (في مدينة جبلة) وقدره عشرة أرطال أرز، فردّ مجلس طرابلس بالموافقة على هذين البندين. كما ورد من مجلس شورى طرابلس أن الخواجه يعقوب بربور، ملتزم (متعهد) الكمرك (الجمارك)، يدّعي على تجار الإفرنج في اللاذقية أنهم أرسلوا دخان (تبغ) إلى مرسيليا بصحبة قبابدين إفرنج (قباطنة أوروبيون). وقد طالبهم بالكمرك وبالعمولة المعتادة حسب الشرطنامة (دفتر الشروط) فلم يدفعوا.
من الكثير الذي في المخطوطة المفقودة ما يتصل بالفساد، كالرشوى، ومثل ما كان الاقتصادي عارف دليلة يسميه “قانون الشفط” في النظام الأسدي، فعاقبه النظام بسبع سنوات من الاعتقال. وفيما يلي من ذلك الكثير ترد كلمات ربما تحتاج للشرح، مثل: الشونة: مخزن الغلة والحبوب، الأوردي: العسكر، الميري: الحكومي، الأعتاب السر عسكرية: القيادة العسكرية، شنبل: مكيال للقمح يساوي 100 كغم، صِمْد: أداة الفلاحة، والجمع صمود.
تتمركز بؤرة الفساد تاريخيًا في المرفأ والجمارك، ربما لذلك أسرع جميل الأسد – شقيق حافظ الأسد – إلى الهيمنة على التوكيلات الملاحية في اللاذقية. ومن تلك البؤر التاريخية نظام الالتزام والملتزمين (نظام تعهد جباية الضرائب)، وتجارة التبغ، وشراء النفوذ.
القضية التي نعرض لها هنا هي دعوى أهالي القرداحة على مصطفى شرف برشوى قدرها 2600 قرش. وفي جلسة مجلس المدينة الخاصة بذلك، تُلي أولًا (أعراض: وهو عرضحال: طلب أو شكوى) “من أهالي مقاطعة القرداحة مقدم إلى سعادة عوني أفندي، مضمونه أن الخراب حلّ بالساحل والجبل (من الآن فصاعدًا سأتقيد بالنص مع قليل من التفصيح) فقسم من مداخيلهم أخذها رجال الخزينة وقسم ضاع بسبب اضمحلال الأرض. ويعرضون أنهم هم ومقاطعتهم وجميع ما يملكون ملك الخزينة، ولكن ليس من مقاطعة حلّ فيها مثل ما حلّ بمقاطعتهم، ويلتمسون التبصّر.
| تهافت ضباط في حملة إبراهيم باشا على شراء البنات العلويات، فلما بلغت الشكوى إبراهيم باشا أمر بإعادة البنات لأهاليهن |
جواب سعادة عوني أفندي (رئيس أو مدير المجلس):
في رمضان أُمر السيد مصطفى شرف بتوريد وتنزيل الشعير وسائر المطلوبات من المقاطعة المذكورة فارتشى منها خمسة أكياس شعير، وها هم مقدمو العرضحال حاضرون نيابة عن أهالي المقاطعة: يقتضي السؤال.
سُئل علي جبور فأفاد:
في ذلك الوقت كنتُ في جبل المقاطعة وسمعت هذا الخبر، فإن أمرتم، يحضر مشايخ المقاطعة فهم أدرى.
سُئل حسن عثمان فأفاد:
كنتُ في قرية “الرأس” حين اجتمع الاختيارية سليمان خيربك وحسن أفندي ومحمد منّه وكامل مشايخ القرى، وقالوا ندفع عنكم الشونة، فكان معهم 2600 قرش (عثماني). سألناهم من أين هذه الدراهم؟ قالوا: السيد مصطفى شرف دفع عنكم الشونة.
جواب سعادة المدير:
يحتاج السؤال من مصطفى شرف بأي وجه قبضت من المقاطعة مادة الألفين قرش وكسور؟
جواب مصطفى شرف:
حصلت مذاكرة في هذا المجلس حول استئناف المقاطعات، وحصل امتحان بابتداء الاستئناف في مقاطعتي القرداحة وبني علي. وتقرر في المجلس أن يتوجه هذا الفقير – يعني نفسه – أولًا لمقاطعة القرداحة ويشرع بالاستئناف مدة خمسة عشر يومًا. وكنت قد تذاكرت مع سعادة المدير حول خراب القرداحة ومال الميري المتوقف فيها، والبور الكثير. وقال لي حينئذٍ: هل لديك طريقة لتحصيل المال وتفليح الأراضي البور؟
توجهت قبل رمضان بيومين أو ثلاثة، وتوجه بمعيتي من قبل المجلس الشيخ مصطفى الأحمد من أجل التحقيق. وصلنا الغروب إلى قرية الرأس مكان المتسلم فلم نشاهده ولم نشاهد أيًا من الاختيارية. سألنا عنهم فقيل لنا إنهم في قرية متور يجمعون السلاح، وقيل إن جميع أهالي متور هاربون، وثلث أهالي ناحية بني علي فرّوا خوفًا.
في الصباح حضر إليّ كاتب المقاطعة واستفسرنا منه عن صحة الخبر، فأكد لي ذلك. حينئذٍ كتبت إلى المتسلم وأمرته بإعادة الفلاحين إلى متور حتى يمارسوا فلاحتهم، وأن يأخذهم رويدًا حتى تنقضي فترة الفلاحة ويتعطل الموسم. وقد عاد المتسلم فعلًا، وطلبت منه أن يتلو عليّ المال المتبقي بمقاطعة القرداحة، فوضّح لي المتبقي في الساحل والمتبقي في الجبل. وعلى إثر ذلك حضر مشايخ الجبل وسألتهم عن سبب عدم تسديد هذه الأموال الميرية (الحكومية)، فأجابوا إنه منذ القديم يدفع الجبل ثلث المبلغ والساحل ثلثين. ولكن منذ طلع (الأوردي المنصور) وسعادة المدير إلى الجبل ما بقي بيدنا شيء، إذ فُرضت علينا زيادة بالمال الميري لحساب الساحل.
سألت أهل الساحل عن الموضوع فأكدوا لي أنه منذ عدة سنوات بدأ الجبل يتحمل نصف المبلغ، فقلت لهم هذا لا يجوز. ينبغي أن يتحمل الجبل حسب مقدرته. وبعد معالجة (مجادلة) كلية أمام جمع غفير، تحمل الساحل عن الجبل عشرين ألف قرش، عشرة عن أهالي ناحية النواصرة وعشرة عن أهالي القرداحة. ورفعنا هذا المبلغ عن الجبل ووضعناه على الساحل بحسب رضا الجميع، وعمل الكاتب بذلك دفترًا موضحًا.
بعد ذلك قلت لأهل مقاطعة القرداحة: أنتم تشتكون من قلة الأراضي ولكن ثلث مقاطعتكم بور، وقد تعهدتم أمام المجلس أن تزرعوا جميع الأراضي البور وتعمروها. لكنكم كذبتم، والآن اشترطت على متسلّمكم تشغيل كامل الأراضي البور وتقديم جورنال بذلك للأعتاب العلية السر عسكرية. وحيث إن المتسلم مشغول الآن بجمع السلاح، فينبغي أن توجدوا رابطة لتشغيل الأراضي البور.
اتفق الحاضرون على تجديد 25 صمدًا للفلاحة (كل صمد يتطلب ثورين أو حمارين للحراثة). وعددنا (الصمود) في المقاطعة فبلغت 200. خصصنا لكل صمد أن يفلح نصف شنبل بور، ما عدا الصمود المستجدة. وقال أهل المقاطعة إنه مطلوب منا تبن وشعير وليس لدينا شيء. قلت لهم سأعرض الموضوع على سعادة المدير. وقد طالت مدة معالجة ذلك بنا. والإقامة عند النصيرية (العلويون) مشقة، وقد أبلغت ذلك إلى سعادة المدير فأرسل إلينا برفع (إعفاء) التبن عن الأهالي إذا كانوا يفلحون البور فعلًا.
أما من ناحية الرشوى، فلو كان ذلك حقًا لكنت ارتشيت من أهالي الجبل الذين رفعت عنهم 20000 قرش. اسألوا أهل الجبل هل أعطاني أحد منهم قرشًا؟ أما أهالي مقاطعة القرداحة فلهم شهرة بالكذب والنفاق والافتراء. وقد كان أحمد آغا سوخطة متسلّمًا عندهم، فقدموا به أكثر من عشرين عرضحال، ولدى التحقيق ظهر كذبهم. وإن تحسن عند سعادة عوني أفندي يطّلع على صورة المذاكرة في ذلك لدى هذا المجلس. كذلك ما كان منهم مع المتسلّم أحمد طريفي حيث ادعوا عليه بعد شهرين أو ثلاثة، ولدى التحقيق لم يثبت شيء من دعواهم. أهالي مقاطعة القرداحة يرغبون هلاك كل من في جوارهم من القرى”.
يلي ذلك في المخطوطة شهادات خمسة من القرداحة. واحد قال إنه سمع بخبر رشوة مصطفى شرف، وآخر هو محمد الخطيب أفاد بأنه التقى مصطفى شرف، ولاحظ أنه يتغامز مع حسن الشندي، ثم خرج، وقال محمد الخطيب: فلحقت به مع حسن، فغمز حسن، فتقدماني. وحين عاد إليه حسن سأله عما فعل فقال: “سكبت الدراهم في حرج مصطفى وبدأت أعدها له فقال ضعها في الكيس وهاته ففعلت”. وتتوالى إفادات حسن الشندي ومحمد منّه وسليمان خيربك ومشايخ القرداحة (لا ذكر لأسمائهم) وسلمان محلاّ وعلي ديبه ومحمد ديبه، وينتهي التحقيق بثبوت تهمة الرشوى على مصطفى شرف. ويلاحظ في هذا السياق أن لا ذكر لأحد من بيت الأسد الذين عُرفوا ببيت الوحش قبل أن يحملوا لقب الأسد، فهل يؤشر هذا الغياب إلى أنهم لم يكونوا قد ظهروا بعد في القرداحة، ولا في الجبل، أم إنهم كانوا في الهامش؟