محمود عبد الغني … ضفة ثالثة
كان فريدريك نيتشه يوصي بعدم الوثوق في “أية فكرة لم تولد في الهواء الطلق”، وكثيرًا ما أكّد في كتابه “أفول الأصنام” أن “الأفكار التي تراودنا في أثناء المشي هي وحدها التي لها قيمة”. لكن ما قالته الروائية الإنكليزية فيرجينيا وولف (1882-1941) تحافظ على الدهشة والعمق: “إن الأفكار التي تتشكل في أثناء المشي تتألف في نصفها من السماء”.
أما الأديب والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (1712-1778)، الذي قطع المسافة بين ليون وشامبيري، والتي تقارب 110 كم، سيرًا على الأقدام، ليلتقي بالنبيلة السويسرية السيدة دي وارنس (1699-1762)، (وهي سيدة أعمال، وقد عرفت قبل كل شيء بكونها العشيقة الشهيرة لـ ج. ج. روسو)، فقد رأى في كتابه “إميل أو في التربية” أن “أول معلمينا في الفلسفة هم أقدامنا وأيدينا وعيوننا”. غير أن العكس ليس صحيحًا بالضرورة، “إذ لا يكفي المرء أن يكون فيلسوفًا ليعرف كيف يمشي”، حسب تعبير الصحافي الفرنسي جاك مونييه.
كان فريدريك نيتشه يُعلي من شأن الأفكار التي تتبلور في أثناء المشي، وهو ما تشهد عليه هذه الفقرة من كتاب “أفول الأصنام”، التي يردّ فيها على مقولة الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير: “لا يمكن للمرء أن يفكّر ويكتب إلا وهو جالس”: “لقد ضبطتك أيها العدمي! إن ملازمة المقعد، أي الثبات في الجلوس، هي الخطيئة الكبرى في حق الروح! وحدها الأفكار التي نكوّنها ونحن نمشي هي التي لها قيمة”.
تؤكد الكاتبة الفرنسية سيلين بريون- بورتر في بحثها “نيتشه والمشي: العقل السليم في الجسم السليم” (منشور في العدد 91 من مجلة “هيرميس”، 2003) أن نيتشه، بهذا الصدد، يعارض تقليدًا فلسفيًا بأكمله يعود عهده إلى سقراط، يتبنّى نظرة ثنائية للعالم، حيث يُنبذ الجسد لصالح الروح، وتُحطّ قيمة الحياة لصالح تلك “العوالم الأخرى” (أو “العوالم الخلفية”) التي ساهمت الأديان أيضًا في ترسيخها. فبدلًا من اعتبار الجسد “قبرًا”، كما ورد في محاورتي “فيدون” و”غورغياس” لأفلاطون، استنادًا إلى التقارب اللفظي بين الكلمتين اليونانيتين “سوما” (الجسد المادي) [sôma] و”سيما” [sêma] (قبر)، سعى الفيلسوف الألماني إلى ردّ الاعتبار للجسد وللأنشطة البدنية؛ إذ إن “العقل السليم في الجسم السليم” هو المبدأ الذي يروج له نهج نيتشه. بل إن صاحب نبوءة “الإنسان الأعلى” ذهب إلى أبعد من ذلك، رافضًا الفصل، الذي يراه وهمًا، بين الجسدي والروحي. يقول نيتشه في كتاب “هكذا تكلّم زرادشت”: “أنا جسد وروح”، هكذا يتحدّث الطفل. ولِمَ لا نتحدّث مثل الأطفال؟ أما المستيقظ الواعي فيقول: “أنا جسدٌ محضٌ ولا شيء سواه؛ فالروح ليست سوى كلمة تشير إلى جزء من الجسد”.
يُعد التّفلسف في أثناء المشي، بالنسبة إلى نيتشه، تجسيدًا لـ “إرادة القوة” وقبولًا للحياة؛ فقد اعترف هو نفسه بأنه استلهم فكرة “العود الأبدي” في منطقة “سيلس- ماريا” بسويسرا، في أثناء جولة قام بها في الغابة بمحاذاة بحيرة “سيلفابلانا”.
| يُعد التّفلسف في أثناء المشي، بالنسبة إلى نيتشه، تجسيدًا لـ “إرادة القوة” وقبولًا للحياة |
غير أن الأفكار الخصبة لا تتولد عن المشي وحده؛ فالتفكير في حد ذاته، بالمعنى المجازي، هو ضربٌ من السّير، باعتباره تدفّقًا متصلًا للأفكار. وهكذا يتداخل نمطان من السير: المشي المادي الذي يمهد الطريق لذلك “السير” الآخر المتمثل في النشاط الفكري.
يُعدّ المشي عند نيتشه في المقام الأول فعلًا فرديًا؛ فقد كان الفيلسوف يحب التجوّل بعيدًا عن صخب الحشود، ومما يسترعي الانتباه أن تلك التجربة، التي اتسمت بطابع صوفيّ تقريبًا، والتي عاشها في “سيلس- ماريا” (هي قرية سويسرية تقع في جبال الألب على ارتفاع 1800 متر في كانتون غراوبوندن، وهي أيضًا عنوان فيلم درامي من إخراج أوليفييه أساياس عام 2014) عقب جولة طويلة في أحضان الطبيعة، قد حدثت “على بعد ستة آلاف قدم فوق الإنسان والزمان”، حسبما أسرّ بذلك في كتابه “هذا هو الإنسان”. ففي خلوته مع نفسه، أبدع نيتشه، الذي كان مولعًا بالمشي، أعمق كتاباته وأكثرها سموًا وروعة” (س ب. بورتر).
إن المشي، سواء أكان بدنيًا أو فكريًا، ورغم طابعه الفردي، يمثل شكلًا من أشكال التناغم الروحي وهو ما يدركه جيدًا الحجاج المتجهون إلى الأماكن الروحية. بل وحتى شكلًا من أشكال التواصل، التواصل مع الذات أولًا، إذا ما سلمنا مع سقراط بأن “التفكير هو حوار النفس مع نفسها”؛ ثم التواصل مع العالم، حيث يشعر المتجوّل بأنه قد صار كيانًا واحدًا مع ما يحيط به. وقبل نيتشه، كان جان جاك روسو يجمع أيضًا بين هذين البُعدين حينما كان يستسلم لأحلام اليقظة؛ وكذلك فعل آرثر رامبو، إذ يكفي إعادة قراءة قصيدة “حياتي البوهيمية” (Ma bohème)، التي كتبها سنة 1870، للتيقن من ذلك. إذ يحتفي فيها الشاعر بالحرية والفقر المبهج والطبيعة؛ فهو يمشي ويداه في جيوبه مرتديًا ملابس بالية، لكنه يشعر بالثراء بفضل أحلامه وشعره.
وفي مديح المشي نقرأ قصيدتين: “غجر يرحلون” لبودلير، و”حياتي البوهيمية” لرامبو:
غجر يرحلون
انطلقت بالأمس تلك القبيلة المتنبئة، ذات العيون المتوقدة،
حاملةً صغارها على ظهورِها، أو مُشرعةً لهم، تلبيةً لنهمهم الأبيّ،
كنزها الجاهز دومًا في أثدائها المتدلية.
يسير الرجال مشاةً تحت أسلحتهم اللامعة
محاذينَ العرباتِ التي انكمش فيها ذووهم،
مرسلين في السماءِ نظراتٍ أثقل كاهلَها
أسىً كئيبٌ على أحلامٍ واهيةٍ غائبة.
ومن مكمنِه الرمليِّ، يضاعفُ صرصورُ الحقلِ
غناءَه وهو يراهم يمرّون؛
أما “سيبيل”، التي تحبهم ، فتزيدُ من خُضرتِها،
وتجعلُ الصخرَ يتدفقُ والصحراءَ تُزهرُ
أمام هؤلاء المسافرين، الذين فُتِحَت لهم
مملكةُ الظلماتِ الآتيةِ المألوفة.
حياتي البوهيمية
مضيتُ، وقبضتا يديّ في جيوبي الممزقة؛
حتى معطفي بدا وكأنه حُلمٌ خيالي؛
سرتُ تحت السماء، يا ربة الشعر!، مخلصًا وفيًا لكِ؛
آهٍ! كم من قصص الحب البديعة تلك التي حلمتُ بها!
وكنتُ أصغي إليها، جالسًا على حواف الطرقات،
في تلك الأمسيات الخريفية الطيبة، حين كنتُ أشعر بقطرات
الندى على جبيني، كأنها خمرٌ تمنحني القوة؛
(…)
وحين كنتُ، وأنا أصوغ القوافي وسط الظلال الخيالية،
أشدُّ، كأوتار القيثارة، أربطةَ حذائي المتهالك،
واضعًا إحدى قدميّ قريبًا من قلبي!
لم ينقطع هؤلاء جميعًا، من المشائين والسائرين المتأملين المنعزلين، عن العالم إلا لفترة وجيزة، وذلك بغية فهمه فهمًا أعمق، ومن ثم تقديم ثمار رحلاتهم وتأملاتهم إلى الإنسان، على غرار “زرادشت” عند نيتشه الذي هجر حياة العزلة ونزل من جبله ليعلّم الناس.