أثارت تحوّلات درامية شهدناها مؤخّراً في منطقتنا، وسوريا خصوصاً تساؤلات، تحوّل بعضها إلى دهشة واستغراب، وبعضها إلى رفض لتصديق ما تراه العين. ويرتبط الأمر عموماً بمفهوم الأيديولوجيا، وفعلها العميق في السلوك السياسي والعملي، منذ الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر.
كان نابوليون أوّل من عبّر عن ازدرائه العميق لخصومه من المثقفين والفلاسفة؛ الذين استنكروا انقلابه على الثورة الفرنسية، رغم أنهم أنفسهم كانوا ناقدي عصر إرهاب روبسبير؛ وقال عنهم بازدراء: «إنهم مجرّد أيديولوجيين»، في تمظهر مبكّر للشعبويّة وللنفاق. وبعد ذلك، صعد المصطلح من جديد على أيدي الثوريين من الفلاسفة، لكنّه في الوقت ذاته بدأ مسيرة تدهور طويلة ليصبح مرادفاً للركود والجمود والتنظير المملّ، حتى العقائد القومية والشيوعية والشمولية والفاشية. كذلك أصبح المفهوم مرادفاً للكذب والتزوير المقصود لخدمة الأهداف الخاصة بشكل معلن. كانت الأيديولوجيا أساساً رؤية للعالم، أو رؤية كونية وتصورات فلسفية، ومعتقدات ونظرة اجتماعية تتدخّل في ديناميكا الجمهور، لكنّها في القرن أو القرنين الماضيين تحوّلت أيضاً من علمٍ للأفكار، كما أرادها دي تريسي إلى مصدر نظري لتوليد الأفكار المهووسة بالقنابل، انتهى أيضاً إلى الشخصية التي لا تتردّد في تفجير نفسها، لتفتح طريق الحرية و»تغيير العالم» للآخرين، وطريق المجد لنفسها.
برز سؤال في الغرب حول إمكانية تحوّل الأيديولوجي المتطرّف إلى منفتح ومعتدل يقبل التعدّد، وكان الجواب صعباً، لكنّه لا يقارن بمدى صعوبة الإجابة في الشرق، وذلك طبيعي، لأن الأمر هنا وهناك يتعلّق، أو قد يُفسّر بأنه تخلٍّ عن إيمان، وذلك بالطبع مصدر الصعوبة الشرقية للموضوع.
في أوروبا كان المثال الأشهر، هو تحوّل يوشكا فيشر من قائد بارز في ثورة طلاب 1968، إلى نائب للمستشار ووزير للخارجية ممثّلاً عن حزب الخضر، بين عامي 1998 و2005، وتحوّل كوهن- بنديت في فرنسا إلى سياسي تقليدي، وريجيس دوبريه إلى مستشار لميتران، بل تحوّل ماهلر الألماني من زعيم لانشقاق عن الجيش الأحمر في أقصي اليسار، إلى نازي جديد تمّت محاكمته بتهمة إنكار الهولوكوست، وبالطبع يمكن إضافة صنفٍ تحوّل ليلاحق مستقبلاً مهنياً وحسب، وهم كثر. في أمريكا اللاتينية الثورية، تحوّلت أشهر الحركات الراديكالية «التوباماروس» في الأوروغواي من فصيل مسلّح يحارب من أجل العدالة الاجتماعية، عبر الخطف وأعمال السلب، إلى حزب سياسي بعد الديكتاتورية العسكرية (1973- 1985)، حيث اندمج في العمل السياسي السلمي وشغل عدة مناصب في الحكومة، من خلال «الجبهة العريضة» التي انتُخب مرشحها إلى الرئاسة خوسيه موخيكا «بيبي»، الذي حيّاه العالم عند وفاته في العام الماضي.
وفي كولومبيا، بعد أن سقط أكثر من ربع مليون قتيل خلال نصف قرن من «الكفاح المسلح؛ تحوّلت حركة «فارك» إلى حزب سياسي يعمل في إطار مدني ديمقراطي في عام 2017، بعد اتفاقية سلام في العام الذي سبقه، وغيّر اسمه في 2021. لم تشمل التحوّلات الدرامية جميع القوى والأشخاص المتشدّدين، لكنّها دفعت باتّجاه نوع من الانتظار لزمن أفضل يمكن فيه تجديد الحركة. دفعت أيضاً الكثيرين باتّجاه التقاعد والاكتئاب، أو الحياة على الذكريات، وربّما الكتابة ومحاولة تغيير الحقل كلّه باتّجاهات غير سياسية تماماً.
لكنّنا لا نستطيع تناول هذا الموضوع بشكل شامل وملموس بالنسبة إلينا، ما لم نتعرّض إلى تجاربنا، ليس اليسارية، أو الوطنية أو القومية؛ وأمثلتها سهلة شملت العديدين منا منذ منتصف السبعينيات؛ بل تلك الإسلامية/ الجهادية المتطرّفة. ونعني هنا إمكانية العودة وعبور تخوم التطرّف، أو الإرهاب والتكيّف مع العالم من جديد، تحت تأثير الفشل، أو إمعان الفكر، أو الصعوبة المطلقة في ذلك الطريق. ولا بدّ من الإشارة إلى رفض الأديان عموماً والإسلام أيضاً للغلوّ، وإلى تشجيعها على الاعتدال والوسطية، وتأكيدها على منهج الرحمة والتسامح. في حين يتغذّى الفكر الجهادي على مشاعر الخيبات والهزائم، والقمع الفائق والتمسّك بالهويّة وتشريع احتكار الحقيقة. ينبع تصاعد العنف الجهاديّ من تفسيرات محددة للنصوص، تجعل منه واجباً مقدّساً لإعلاء كلمة الله، أو لإقامة الخلافة، إلى جانب ديناميكية العصبة وتمحورها حول ذاتها، مع إضفاء صفة الشر المطلق على «الآخر» المتّسع باستمرار، واستسهال تكفيره، ومن ثم إحلال دمه. أما الوحشية فلها تاريخ بدائي في الإنسان، يمكن أن تنتعش بقوة في حالة» النقاء» و»الطهرانية»، ذلك ذاته ما جعل الوحشيّة سمة لكرومويل وثواره في القرن السابع عشر، مثلاً.
تعرّفنا عن طريق تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» إلى درجة غير مسبوقة – في العصر الحديث- من الوحشية، من خلال عمليّات الذبح وأغاني «بالدبح جيناكم»، ولعب الكرة بالرؤوس البشرية، وتصويرها أيضاً. وبالطبع كان هناك ما يكافئ ذلك من قبل نظام الأسد في سوريا وميليشياته، ترمز عملية الذبح إلى مسائل بدائية وسيكولوجية تتعلّق بالتضحية والتكفير، أو «الدينونة»، في مقابلة ما بين الطهرانية وتلك الوحشية، كلّما زادت الثانية، زادت الأولى في إحساس الفاعل وعصبته. وبالطبع لا يخلو الأمر كذلك هنا من الإيغال في تقنيات الإرهاب لبثّ الرعب في الخصوم ومن معهم. فقد تبيّنت صحة تلك الإحالة بالتجربة، في أثناء عمليات القتال ضد الجماعات المختلفة، حين يجري وصمها ككلّ على أنها «خنازير»، أو «كفرة». فسواء من حيث الفرد الواحد وتداخل ما هو عاطفي وأخلاقي، أو نتيجة الخيبة القصوى، أو من حيث الجماعة المتأدلجة بهذا الشكل، لا يكون الارتداد إلى ناحية مقابلة مختلفة، سهلاً أو أمراً عادياً في أعراف المجتمعات والأفكار المعاصرة. ذلك ما جعل الأمم تتردّد في قبول استرداد رعاياها من سجناء داعش، لكنّه حتماً ليس مستحيلاً ولا يجوز اعتباره كذلك. كثيرون منا عرفوا أمثلة على تحوّلات ناجحة طرأت على أفراد، ولو بعد «نضج» طويل الأمد، بما يمكن أن يتخلّله من تجارب مريرة ومؤلمة غالباً. مؤخّراً كذلك، هنالك مثالان على تحوّل جمعي إن جاز القول، حدث أحدهما في أفغانستان، والثاني بعده في سوريا. يمكن الحكم منذ الآن على صعوبة دخول أفغانستان، تحت حكم طالبان، كما هي الآن- رغم تطوراتها هنا وهناك – إلى تاريخ الدولة المعاصر. في حين تختلف الصورة في سوريا، التي تحتاج إلى الكثير، حتّى تتمكّن من تحقيق نجاح في عملية «بناء الدولة». يصعب بذلك الحكم على مصير التجربة حتى الآن. ويقول واحد من أبرز الباحثين في الحركات الإسلامية، إنه ليس من تجربة نجحت بذلك في العالم حتى الآن، ويتابع – ونتابع معه- أننا نأمل ذلك في سوريا.
هنالك إشكالية تتعلّق بعمليّة التحوّل ذاتها، التي بدأت في هذه التجربة منذ زمن، أو ربّما منذ عشر سنوات. فقد نجح هذا التحوّل بالتأكيد بين نخبة الجماعة التي قادت عملية التحوّل، لكنّ ذلك لم يثبت- بل ثبت عكسه تماماً أحياناً- في قاعدة تلك الجماعة الأكثر بساطة وروحاً عملية في تطرّفها، ولكن أيضاً وخصوصاً بين بعض حلفائها. وللأسف الشديد، لا تترك أمريكا ترامب ولا إسرائيل نتنياهو وعقلية الاستئثار والمقاولة، حتى لو تحطّم النظام الدوليّ وفرص التسويات الإقليمية.. لا تترك الكثير للعالم وأهل المنطقة أو للسوريين ليساهموا بتقديم العون للتجربة حتى تأخذ فرصتها بالنجاح، أو ليحفظوا آمالهم في دواخلهم من التلف والاهتراء. يحتاجون من أجل ذلك إلى التيقّن من احتمال تحول التطرّف إلى اعتدال، والتأدلج إلى واقعية، والمجاهدين إلى رجال دولة.
القدس العربي