استخدم بعض الفلاسفة والمفكرين مفهوم “السيد” ليس للدلالة على حاكم بعينه، أو سلطة سياسية محددة، بل للدلالة على موقع رمزي يمنح الشرعية والمعنى، فقد استخدمه الفيلسوف سلافوي جيجيك لوصف سلطة الدولة، أو المؤسسة الدينية، أو السوق، أو وسائل الإعلام، أو حتى مجموعة القيم التي يتبناها المجتمع من دون مساءلة. واستند في ذلك إلى مفهوم “السيد” عند هيغل، الذي يتميز بالسلطة والقوة، ويتجسّد في الوعي الذي يخاطر بحياته في صراع من أجل السيطرة، ليثبت استقلاله عن الطبيعة. واجترح المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان مفهوم “الدال السيد”، بوصفه الكلمة أو الرمز الذي يسيطر على عقل الإنسان، وتنظم كل أفكاره وتحدد هويته. أما “عين السيد” فهي ليست مجرد عين تراقب الآخرين، بل هي الطريقة الذي يتعلم من خلالها الناس رؤية أنفسهم والعالم، ويستخدمها ماثيو باسكيليني في كتابه “عين السيد: التاريخ الاجتماعي للذكاء الاصطناعي” (ترجمة متيم الضايع، الجبيل 2025)، للإشارة إلى سلطة الرأسمالي (السيد) التي كانت تشرف وتراقب العمال في المصانع والورشات والمعسكرات والمزارع، وتنظمهم وترسم لهم خطوط التجميع، ونوبات العمل القسري، ثم تحولت في العصر الرقمي إلى خوارزميات ذكاء اصطناعي، وباتت تراقب، وتُحلل، وتستحوذ على المعرفة البشرية، والمهارات الجماعية، كي تحولها إلى أدوات أتمتة عمياء، هدفها تحقيق سطوة السيد وهيمنته، وزيادة أرباحه، وذلك بعد أن بات الذكاء الاصطناعي يمثل زيادة في مركزية المجتمع الرقمي، وتقسيم العمل في جميع المجتمعات.
يقدم المؤلف في كتابه دراسة نقدية ترمي إلى تفكيك الأساطير المحيطة بالذكاء الاصطناعي، بالاستناد إلى فكرة أساسية تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه ذكاء اجتماعيًا مستخرجًا من العمل الجماعي، وليس ذكاء ذاتيًا للآلة، لأن الآلة لا تبتكر من فراغ، بل تتعلم من البيانات التي ينتجها البشر خلال العمل والتواصل والإبداع والاستهلاك. ويجادل بأن جذور الذكاء الاصطناعي لا تعود إلى محاكاة العقل البشري المجرّد، بل إلى أتمتة علاقات العمل، والسيطرة الطبقية، ومراقبة السلوك الجماعي منذ الثورة الصناعية، ويحاول إعادة كتابة تاريخ الذكاء الاصطناعي بوصفه تاريخًا للعمل والسلطة، لأنه يشكل، في جوهره، امتدادًا لتاريخ طويل من استخراج المعرفة من العمل البشري، وتحويلها إلى آلات رقمية وخوارزميات.
لا يجري البحث هنا عن أصول الذكاء الاصطناعي في علوم الأعصاب، أو محاولات محاكاة الدماغ البشري، بل في تاريخ المصانع، وتقسيم العمل، والإدارة الصناعية، وآليات مراقبة العمال، وتنظيم الإنتاج. وينطلق المؤلف من فرضية أن تصميم الحوسبة و”الآلات الذكية” يتبع مخطط تقسيم العمل، وفق النظريات المؤسسة لعلوم الكمبيوتر، حيث تصوّر عالم الحوسبة آلان تورينغ محرك الأتمتة الأوتوماتيكي، وهو أحد أول أجهزة الكمبيوتر الرقمية، كجهاز مركزي ينظم عملياته على شكل تسلسل هرمي لأدوار السيد والخادم.
يسعى المؤلف إلى دراسة الذكاء الاصطناعي والتفكير الخوارزمي بطريقة مشابهة لتلك التي درست وفقها نظرية الإبستمولوجيا التاريخية والسياسية في العصر الحديث، وصعود التفكير الميكانيكي والتجريد العلمي في ما يتعلق بالتطورات الاجتماعية والاقتصادية. ويبدأ بتفكيك الأصول الصناعية للذكاء الاصطناعي في القرن التاسع عشر في بريطانيا، تلك التي ظهرت في أعمال تشارلز باباج، الذي يعدُّه الخبراء “أبا الكمبيوتر”. ويرى أن آلات باباج الشهيرة، مثل “محرك الفروق”، و”المحرك التحليلي”، لم تكن وليدة عبقرية فردية منعزلة، بل كانت محاولة لأتمتة نظام قائم بالفعل لإدارة العمل الذهني، لأن ما قام به باباج هو تجسيد التنظيم الاجتماعي في آلة تعمل بالبخار، وبالتالي فإن الحاسب الآلي كان ماكينة لمخطط اجتماعي موجود مسبقًا، الأمر الذي يشي بأنه في ظل الرأسمالية يتم استملاك الذكاء العام وتجسيده في الذكاء الاصطناعي، حيث تصبح الآلة بمثابة رأس مال ثابت، الذي يتضمن معرفة اجتماعية مسروقة من العمال، وقد تم تجميعها، وتحليلها، وتجزئتها، وتشفيرها، أي أنه لم يكن مجرد مشروع رياضي، بل كان انعكاسًا لاقتصاد المصنع الصناعي، حيث تتحول المهارات الإنسانية إلى تعليمات قابلة للتنفيذ، وبالتالي، يصبح تاريخ الحوسبة جزءًا من تاريخ التنظيم الرأسمالي للعمل، لا مجرد تاريخ للاكتشافات العلمية.
يرفض المؤلف السردية السائدة التي ترى الذكاء الاصطناعي محاولة لفهم العقل الإنساني، أو إعادة إنتاجه داخل الآلة، ويرى أنها تخفي التاريخ الاجتماعي الحقيقي للتكنولوجيا، واستندت إلى السردية التاريخية الكلاسيكية التي تصور صعود الشبكات العصبية كانتصار لنموذج محاكاة الدماغ على النموذج الرقمي القديم. ويجادل بأنه منذ اللحظة التأسيسية في عام 1957 مع اختراع فرانك روزنبلات لأول شبكة عصبية اصطناعية، لم تكن الغاية بناء نموذج محاكاة للدماغ البشري، بل إن مشروع روزنبلات كان عمليًا جدًا، قام على أتمتة عمل الإدراك الحسي، وتحديدًا التعرف إلى الأنماط في الصور الفوتوغرافية لأغراض عسكرية. ولم يكن السؤال يدور حول كيفية تفكير الدماغ، بل حول الكيفية التي يمكن من خلالها أتمتة مهمة تحديد السفن في صور الرادار، أي تحويل عملية الإدراك البشري إلى مشكلة إحصائية، تجسدها خوارزمية تصنيف غايتها القتل. كما أن الخوارزميات الحديثة لم تنشأ من دراسة الدماغ، بل من الحاجة إلى تنظيم العمل داخل المصنع، وحساب الزمن، وتقسيم المهام، وتحويل المهارات البشرية إلى إجراءات قابلة للتكرار. ويستند هنا إلى مفهوم العقل العام الذي اجترحه ماركس، مع منح هذا المفهوم تفسيرًا جديدًا يغدو فيه الذكاء الذي تستفيد منه الآلات ليس عقل المبرمج فقط، بل المعرفة الاجتماعية المتراكمة التي ينتجها ملايين البشر. وعليه، فإن الذكاء الاصطناعي لا يخلق المعرفة، بل يعيد تنظيمها، واستخلاصها، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية. وبالتالي، إذا كانت البيانات نتاجًا للعمل الاجتماعي، فإن السؤال الذي يطرح يطاول من له حق استثمارها، الأمر الذي يشي بأن الاقتصاد الرقمي يقوم على استخراج قيمة اقتصادية من نشاط اجتماعي لا يحصل أصحابه في الغالب على مقابل مباشر لعملهم.
يرجع المؤلف نجاح الذكاء الاصطناعي الحديث إلى قدرته على اكتشاف العلاقات الإحصائية داخل البيانات، وليس إلى امتلاكه فهمًا مشابهًا للفهم الإنساني، حيث تتفوق الأنظمة المعاصرة في التصنيف والتنبؤ واكتشاف الأنماط، نظرًا لأنها تدربت على كميات هائلة من البيانات، وليس لأنها تمتلك وعيًا ذاتيًا، أو قصديًا، لذلك لا بد من التمييز بين الأتمتة الذكية والذكاء الإنساني، وعدم الخلط بينهما. وليس صحيحًا التصور الذي يتنبأ بقرب ظهور ذكاء اصطناعي مستقل، أو واعٍ بذاته، لأنه ينتمي إلى خطاب إعلامي وتسويقي أكثر منه إلى التحليل العلمي. فالخوارزميات، مهما بلغت درجة تعقيدها، تعتمد في النهاية على بيانات بشرية، وعلى بنى اجتماعية، وعلى مؤسسات اقتصادية توفر لها الموارد والطاقة والحوسبة. لذلك، فإن الحديث عن استقلال الذكاء الاصطناعي يخفي الاعتماد الكبير لهذه التقنيات على العمل البشري، سواء كان عمل المبرمجين، أو عمّال تصنيف البيانات، أو ملايين المستخدمين الذين يولدون البيانات كل يوم. إضافة إلى أن بعض نماذج الذكاء الاصطناعي تستلهم بصورة غير مباشرة فكرة أن النظام يستطيع تنظيم نفسه من خلال معالجة معلومات موزعة بين عدد كبير من الفاعلين.
اللافت هو الربط بين تطور الذكاء الاصطناعي ونظريات الاقتصاد الليبرالي، خاصة أفكار فريدريش هايك حول المعرفة الموزعة داخل المجتمع. التي نظر فيها إلى السوق وكأنها نظام معالجة معلومات لا مركزي يتفوق على أي تخطيط مركزي، وأثرت بشكل كبير في تصور الشبكات العصبية، حيث جرى اعتبار كل من السوق والشبكة العصبية، باعتبارهما شكلين للتنظيم الذاتي، يعالجان كميات هائلة من البيانات للوصول إلى نتيجة مثالية من دون فهم مركزي. في حين أن الشبكات العصبية لم تكن مجرد محاكاة للدماغ البشري، بقدر ما كانت تشكيلًا اجتماعيًا، وجسدت منطق السوق النيوليبرالية في بنية تقنية.
الحاصل هو أن عين السيد لم تعد غايتها أتمتة العمل فقط، بل أتمتة المراقبة والتحكم والتنبؤ على مستوى تشكيلات المجتمع، وباتت الخوارزميات بمثابة التجسيد النهائي لها، وتشغّل منصات التواصل الاجتماعي، والخدمات المالية، والحكومات الإلكترونية، وهي لا تحاكي العقل بقدر ما تحاكي وتضخّم أنماط السلوك الاجتماعي المسجّلة في بيانات التدريب التي تتغذى عليها. وبالتالي، فإن التحيزات العنصرية والطبقية والجنسية في أنظمة الذكاء الاصطناعي هي ميزات متأصّلة فيها، وليست أخطاء عرضية يمكن إصلاحها ببعض التحفظات الأخلاقية.
أخيرًا، يكشف الكتاب عن تداخل تاريخ الاقتصاد، والسيبرنتيكا، وعلوم الحاسوب، في تشكيل التصورات الحديثة عن الذكاء. وتكمن أهميته في نقل النقاش من سؤال تقني إلى سؤال اجتماعي. وعوضًا من التساؤل عن قدرة الآلات على التفكير، يدفع القارئ إلى التفكير في العلاقات الاجتماعية التي أنتجت هذه الآلات، باعتبار أن الخوارزمية ليست مجرد معادلة رياضية، بل هي تعبير عن طريقة معينة من أجل تنظيم المعرفة والعمل والسلطة.