في قرابة عقدٍ ونصف شكّلت الهجرة أحد عناوينه العريضة في السياق السوري، مع ملايينَ ممن غادروا على وقعِ الدمار والقصف أو هرباً من الملاحقات الأمنية، تركَ هذا الملف أثره على الأعمال الأدبية التي كُتِبت خلال هذه الفترة، هناك من كتبوا وهُم في الخارج عن الوطن في الذاكرة، أو في حاضرٍ تمزّقه الحرب وكأنّهم لم يُغادِروه، خرجت روايات عن الحدث الحاضر إلى أبعاد تاريخية وفكرية، واتّجهت أخرى إلى نقل تجربة اللجوء والمعاناة كشهادةٍ وتوثيقٍ، واتَّسعت لتنقل الواقع في بلد اللجوء، وحالَ الإنسان في المجتمع الجديد والاغتراب الذي يعيشه، بعيداً عن مناخه الطبيعي والاجتماعي، وما يُواجهة من صعوبات التأقلم والاندماج.

رواية «حجر الزار»، هل تشفينا العودة بعد حين؟

تختار ميّ جليلي الروائية السورية من أصل فلسطيني، في روايتها الأخيرة حجر الزار الصادرة عن دار دال للنشر عام 2025، هذا العنوان للتعبير عن حالة الإنسان في الحرب الأهلية، إذ تطحنُه شقّا رحى الأطراف المتصارعة، كما يتمزّق بين الواقع الذي يدفعه إلى الفرار طلباً للنجاة، وبين رغبته في البقاء خوفاً من المجهول الذي ينتظره من جهة أخرى.
تبدأ الرواية بالخروج من مخيم اليرموك في دمشق، في حافلة تضمُّ خمسين راكباً، تَركُوا معالم وجوههم مع ركام البيوت، يتقاذفهم خوف إلى خوف، من حواجز العساكر النظامية إلى الحواجز الطيّارة للفصائل المتشدّدة في الصحراء، وصولاً إلى خطر المواجهة مع  شرطة الحدود وخفر السواحل وغيرها. كأنهم يعبرون أرضاً مُستباحة.

تمزج الجليلي في سردها بين قوة الألم والسخرية في كوميديا سوداء، تتشابك مع الخوف والحزن والندم أحياناً. تقول عن ذلك في لقائها الأول ككاتبة مع الجمهور في هولندا بلدها الجديد: «حولتُ رعب الحرب وقذارة التهريب إلى ضحكة مرعبة، هي أقل من الحزن وأكبر من الحكاية».

لعل المسافة الزمنية بين الحدث وكتابته هي ما يصنع ذاك الهدوء في سرد الجليلي لأحداث على مستوى من الخطورة والتأثير. قدّمت الجليلي سيرة الشتات السوري بعد أن حملت على كتفيها رحلة الشتات الفلسطيني، وقد شكّل هذا البيئةَ النفسية والعاطفية للساردة الكاتبة، فكانت تغريبة تذكرها بأخرى، خاصة حين تستحضر العائلة كعالم تختزنه، وتوازي فيه المنفى بالمنفى والألم بالألم وحلم العودة بحلم بعيد. وبينما سبقها أولادها إلى أوروبا، لم تخرج إلا بعد أن تعطّلت كل أسباب الحياة أمامها وأمام سكان المخيم، وباتوا تحت خطر الموت بالقنص أو القصف أو جوعاً في الحصار القاسي.

وفي الطريق من تركيا إلى أوروبا عبر اليونان، تُخبرنا عن مشاق الرحلة وانكسار الشخصيات في مواجهة المجهول وحال المخيمات التي يتجمَّعون فيها استعداداً لسفر جديد، وقد حطمتها العواصف أحياناً، يختلط فيها السوريون من كل أنحاء البلاد مع آخرين جاؤوا من أفريقيا أو أفغانستان، تحت رحمة المهربين الذين لا يُبالون بكرامة الأشخاص ولا بحياتهم أصلاً.

يتخلل السرد شذراتٌ عائلية، فتارةً يحضر والدها الذي احتفظ ببدلته التي يريد لبسها في رحلة العودة إلى طبريا، بعد أن ضاقت الأماكن الجديدة بالفلسطيني الناجي من المجازر المتتالية. وتارة الأم التي تعتذر إليها عن المغادرة دون موافقتها، وتارة الأخت والصديقة، ثم الحبيب الذي تركته يلوك خوفه عليها. تروي الذكريات لتصبح حكايات داخل حكاية، متلمِّسة محنة الإنسان النفسية وجروحه الروحية، وصدماته المتتالية.

تصل أوروبا بعد مغامرات التنكُّر المُخجِلة، والتي جعلتها تتمنى أن تصبح لا مرئية، تخبرنا كيف يشمُّ الغرباء رائحة بعضهم ويتعرفون على رائحة الغربة فيما بينهم. وصولاً إلى هولندا، البلد الذي يحمل حتى الآن في تاريخه، ذكرى مؤلمة عن مشاركته في تجارة العبيد، ولهذا يرسل الورود كل عام إلى أفريقيا معتذراً إلى الإنسانية عن ذلك. وهنا تظهر الصدمة الحضارية للقادمين إلى بلاد وضعت إرثها المخجل خلفها لتضع قدماً لها في العالم الجديد، مقارنةً ببلادٍ لا تزال تُمارس أفعالاً مخجلة بحق مواطنيها دون أدنى مسؤولية تاريخية. يُذكِرها الشرطي في الكامب، الذي سارع لمساعدتها وهي اللاجئة، بما يجري في مخيم اليرموك حيث يستخدم العسكر رغيف الخبز لقنص جائع يسعى إليه.

لكن هذا لا يُرمِّم الروح بل يزيد اغترابها، وحين انتقلت من الكامب وسكنت بلدة شبه فارغة، تتساءل، «ماذا أفعل هنا» بينما أخبار الحرب تتراكم في كبدها. إلى أن تقوم بتفريغ هذا القهر المختزن في صرخة تطلقها مستغلة مرور القطار السريع.

ورغم المشاق التي تذكرها من قسوة المناخ ومن ضغط الغربة، نراها تحاول الاندماج بكل ما تستطيع، دون أن تغفل رصد مسارات آخرين ممن يتَّخذون مواقف أخرى تصل إلى حدِّ المواجهة، منهم زميلة لها من الغوطة فقدت ثلاثة إخوة في مجزرة الكيماوي، شتمت رئيس الجامعة لأنه لم يوافق على إقامة مسجد على سطح الجامعة.

بعد نيلها الجنسية، تُقرِّر الساردة العودة إلى دمشق، حيث، وتحت أصوات القصف، تدفن والدتها التي يبدو أنها انتظرت طويلاً في رحلة موتها، حتى عودة ابنتها.

تكتشف برودة المشاعر ونوسان الحب في مسافات البعد بينها وبين حبيبها حين تلتقيه ليُرافقها إلى المخيم، فقد صار لكل منهما حياته الخاصة. يجتمع حزنها على موت والدتها مع صدمتها بالحال الذي آل إليه المخيم بما فيه بيتها، مع صدمة البرود العاطفي، وكأن النهايات كلها تجتمع معاً.

يأخذ السرد شكل البوح الوجداني، مُعبراً عن حالة تتلبَّسُ الراوية بين الحلم والذكريات والحنين والوجع والرغبة بالقفز عن الواقع إلى زمن آخر تُشفى فيه الأمكنة والنفوس، فتؤنسن خلالها الأشياء، وترى البيوت كأشخاص دفنوا على أنفسهم بالقصف، في مشهد تراجيدي، وكأنها تدفن المكان والأشخاص والحب الذي مات في الصدور لتتحرر من الماضي ومن عبء الحنين وتردم الشروخ الروحية لتعود حرةً إلى بلاد جديدة، تخاف عليها من السفر في الظروف الخطيرة.

تقول في النهاية: «أتيت لأرى ذاكرتي وأقتل الحنين والبيت والحب وأذهب».

تعدُّد المنافي والمصائر في رواية «ورثة الصمت»

رصدت الروائية السورية عبير داغر اسبر في روايتها ورثة الصمت علاقة الإنسان بالمكان والهوية عبر حياة شخصياتها المنحدرة من عائلة واحدة، وقد تفرّقوا في المدن والمنافي، إذ عاشت كلُّ شخصية أزمتها مع المكان ممزّقة بين الوطن والمنفى، بين الحنين والبحث عن الذات، وانتهت إلى مصائر مختلفة كان الأبرز فيها هو الانتحار.

يبدأ سامي قدسي الراوي والشخصية الرئيسية بالحديث عن محاولة انتحار ابنته جانو، معتقداً أنها فعلت ذلك تأثراً بلوثة نساء العائلة. ولأنه يريد إنقاذ ابنته يتحول إلى شهرزاد الحكاية ليروي لها سيرة العائلة التي تنحدر منها معتقداً أنه بذلك يمنحها انتماءً، لمواجهة الهشاشة النفسية والفراغ ويحررها من أزمة الحاضر بعد فقدان عمتها نانا وابنها حسن.

كان سامي قد اختار المنفى طوعياً في ثمانينات القرن الماضي، حين استُدعي للخدمة الإلزامية، نظراً لعدم استكمال أوراقه كوحيدٍ لأمه، وبدلاً من استكمالها في الظروف السياسية التي كانت تعصف بالبلاد، قرَّر السفر إلى فرنسا. كان مهندساً شاباً وشاعراً طبع ديوانين، يُتقن أربع لغات، ويعزف الموسيقا على البيانو معتقداً أن هذا قد يُساعده في البلاد الجديدة: «لكن المدينة الغريبة لا تعترف بإنجازاتك في الوطن، وتتركك تنبش بأظافرك لتنال لقمة عيشك».

يُصبح الاستدعاء للعسكرية كأنه زر التوقف عن الحياة كما يقول. إذ بقي دوماً في حياته الجديدة، يشعر بشيء ينقصه بفقدان أصيل في الأشياء والطعوم والتفاصيل؛ كل شيء كان يشعره بالغربة. وحين انتقل إلى مونتريال بعد وفاة زوجته مع ابنته الرضيعة، كان بحاجة إلى إعادة البدء من جديد في كندا، فلم يستطع استثمار الماضي في الجغرافية الجديدة، وتحت ضرورة البدايات هُزم الإنسان بداخله بينما دمر البرد والمناخ القاسي كليته.

يخبرنا سامي عن تأثير المناخ القاسي في الجغرافية الجديدة أو المنفى، على الجسد أولاً، ثم كيف يزيد إحساس الغربة واللاانتماء، قائلاً: «البرد لا يأتي من الثلوج وحدها فالرَّجفة تسكن الروح»، وكأن ثقل الغربة يدهس روحه كما سيارة تسوي طريقاً في الثلج. تبدأ الغربة بفقدان حميمية المكان، من برودة الطقس إلى برودة العلاقات الاجتماعية. ما يجعل المرء يلجأ إلى الذاكرة حيث اختزن دفء البلاد والأهل.

أمّا أخته نانا، المهندسة المعمارية، فقد خرجت من جحيم الحرب الدائرة في مدينة حمص، والتي هزمتها داخلياً، إذ شعرت أن كل ما فعلته في حياتها وما أسَّسته بالتضحيات والتأكيد على قدرة الحب على أن يجمع ما فرقته الأديان، حين خالفت الأعراف فتزوجت مسلماً وأنجبت منه حسن، اكتشفت أنها كانت كمن يبني حياته على حبال الوهم، حين أعادت المدينة في الحرب تعريفها بانتمائها الديني، والذي أنقذها من سيوف الموت، فكان شبان الحواجز في حمص القديمة ينادونها بالمسيحية التي تزوجت مسلماً.

وهو ما رفضته دوماً، ساخرة من مفهوم الوطن الضيق والعقل الجمعي الذي يُمارس سطوته على رعاياه. وقد ضحّت بعلاقتها مع والدها والعائلة من أجل الحب. وفي الحرب باتت غريبة في مدينتها التي عشقت، وكأنها تحولت إلى منفى.

قادتها صدمتها إلى الفرار مع عائلتها الصغيرة إلى مونتريال، مُعتقدة أنها حملت البلاد داخلها، لتكتشف أن الموت هو من سكن داخلها. ففي بلد اللجوء كانت الصدمة التالية؛ فما حصّلته خلال حياتها على الصعيد العملي في بلدها لم يساعدها في فتح آفاق جديدة لها هنا، فانكسر قلبها. يعتبر سامي أن العُري المكاني، كما تُسمّي نانا الغربة، هو ما قتلها، وأن الحب لم يُنقذها.

سنكتشف في نهاية الرواية أنّ السبب المباشر كان أقسى مما احتملت، وهو الضربة القاضية التي وجهها لها ابنها حسن الذي عاد إلى حمص، حين نعتها بألفاظ نابية لأنها تجرأت وتزوجت مسلماً.

فحسن الذي كان قادماً من الجنون السوري (البلد الذي ملأ الكون موتى ومهاجرين)، لم يحتمل الغربة بعيداً عن مدينته التي انتُزع منها، والتي تصله اخبارها المشتعلة يوماً بيوم، إضافة إلى التزامه الأخلاقي تجاه أخته وأخيه، فعاد.

بعودته واجه رفض مدينته لوالديه بسبب اختلافهما الديني، والذي جعله يشعر بالنقصان بين أقرانه، يُطأطئ الرأس حين تُذكر أمه المسيحية في بيئة التعصب السائدة، فقد أعادت الحرب ترتيب القيم وعرّت ما تسترت عليه المدينة زمناً، أيْ الطائفية. وتقدَّمت هذه الأفكار التي باتت حقائق مع الانهيار الاجتماعي على عاطفة الأمومة وعلى أيِّ عقل.

كانت صدمة نانا العاطفية بنكرانِ حسن وشتمِها صاعقةً، أُضيف إليها إحساسها بالفشل التربوي، فما اعتبرته في قرار ارتباطها بمسلم مثالاً يُحتذى، وبديهيةً معاشةً بتقديم قيمة الإنسانية والحب على الانتماء الديني، صار تهمة أمام فلذة كبدها.

أكلت الحرب ورجالها المدينة، وأكلت معها عقل حسن. ما أوجع نانا أنهم جميعاً لم يعرفوا قيمة مدينتهم الحضارية ولا الروح التي كانت حجارتها تنطق بها، حين تجاور فيها الأبيض والأسود في فنّ العمارة الأبلق الذي اشتهرت به، كناية عن جمالية المعنى في تآلف ووحدة الاختلاف.

أمّا جانو، التي ولدت في فرنسا وعاشت في مونتريال، فقد حملت إرث المنفى وتمزُّق الهوية وإحساس الخواء، وبعد تعرُّفها إلى حسن ونانا انتقل إليها ذلك الحمل الثقيل ونكران الواقع فأرادت الانتحار.

لم يُغيّر المنفى ارتباط سامي، الراوي، بالوطن لا مكانياً ولا روحياً إذ يغوص في تاريخ العائلة في قرية مقلس الواقعة على قمة جبل في وادي النصارى. تُشبِّه إسبر موقع القرية بسفينة نوح، إذ لجأ إليه السكان للنجاة من طوفان مرَّ في الوادي. تحضُر تفاصيل الحياة القروية في القرن الماضي، وقصص الحب المحكومة بالموت، وقصص النضال وشقاء النساء، الحب واليُتم والتقاليد الظالمة وتمرُّد أمه عليها وإكمال تعليمها ثم موتها المبكر. وتحضُر مدينة حمص، ابنة الشمس والضياء، التي حملها في قلبه شرخاً، وحاول أن يجمعها في سرده، كما انجَدَل فيها التاريخ بالحضارة. كان حريصاً في سرده على نقل ما يهرب من ثنايا التاريخ: الروح. هكذا تحضُر الحكاية حارة وطازجة ومكتنزة المشاعر.

يتدفق السرد مختلطاً بالشعر والميثولوجيا والحنين على لسان سامي الذي اعتقد أنه يُنقذ جانو بمنحها الجذور ومعنى الحياة، ويُقرر اصطحابها إلى البلاد لاستعادة حسن وإعادة الاتجاه الصحيح لبوصلة حياة العائلة. لكن جانو تُقرِّر أن تدفن جثة الماضي كله مثلما دفنت أنتيغوني جثة أخيها، وتنتحر قبل ذلك بيوم، معلنة أنها تمتلك النهاية. لتترك سامي وقد أحيط بالخسارات في غربته الروحية والجغرافية.

المنفى الداخلي في رواية «الموت عمل شاق» 

في رواية الموت عمل شاق لخالد خليفة الصادرة عام 2016 ، كان عبد اللطيف السالم ناشطاً في الثورة يقطن في ريف دمشق، بينما عاش أولاده في مناطق النظام، وحين مرض تمكَّنوا من نقله إلى أحد مشافي العاصمة، وهناك توفي موصياً بدفنه في قريته العنابية في ريف حلب، بجانب أخته التي أشعلت النار بنفسها احتجاجاً على تزويجها دون إرادتها. محاولاً إعادة الاعتبار لها، وقد نُبِذت حتى في قبرها كعاصيةٍ لأنها انتحرت.

لكنه لم يتخيَّل ما سوف يُكبِّد أولاده، فالرحلة إلى حلب، والتي كانت قبل الحرب تنتهي في ثلاث ساعات ونصف، ستُكلِّف أولاده ثلاثة أيام بلياليها، مع الجثة التي بدأت بالتفسُّخ والتعفن، ينزُّ منها الصديد ويخرج منها الدود، إذ يتعيّن عليهم قطع المسافة التي يتقاسمها الجيش النظامي وفصائل المعارضة بما يجرُّه ذلك عليهم من مواقف خطيرة. فمثلاً يكتشف أحد العساكر في حاجز للنظام أن صاحب الهوية مطلوب، فيحجز السيارة رغم أن المطلوب ميتٌ. أمّا حواجز الفصائل فبعضها يحاكم الميت لأنه مات في مشفى للنظام ولا يُصدِّق ولاءه للمعارضة، وبعضها يحاكم ابنه على التزامه الديني، تتحوّل الرحلة الطويلة إلى مكاشفة ذاتية للإخوة، ونكتشف خلال ذلك غربة الأفراد عن بعضهم، وتهشُّم الذات الإنسانية وانكسارها. وكأن الحرب التي التهمت هيبة الموت وحولته إلى عمل شاق قد أصابتهم هم بالتعفن، وكأن الجثة التي يحملونها صورتهم.

يظهر مفهوم المنفى الداخلي في الرواية؛ أولاً، ضمن الإطار المكاني، أيْ حين تقسِم الحرب الأهلية البلاد الواحدة، ويضطر السكان إلى النزوح عن بيوتهم إلى أماكن أخرى، وتفصل بين أفراد العائلة ذاتها خطوط النار، ويصبح التنقل كمن يعبر حدود بلدان تحت خطر القتل، فيبدون غرباء في وطنهم.

ومن ثم يأخذنا خليفة إلى صورة المنفى الداخلي الذي يعيشه الفرد ويحكم حضوره الاجتماعي وعلاقته بذاته، عبر شخصية نبيل الابن الأصغر، التي رسمها ونقل تفاصيلها بدقة بالغة، كان نبيل يعيش في حيٍّ موالٍ فاضطُر إلى إخفاء هويته وهوية والده كناشط في الثورة، بل وأمعن في تزييف نفسه حين أقدم على وضع صورة للرئيس في منزله، ليؤكد انصياعه للمحيط الذي كان يتنمر عليه، ورغم أن حياته تسير بين العمل والمنزل، كان يمشي في الشارع دون أن يجرؤ على رفع نظره.

أتى لقبه «بلبل» الذي صار اسمه، اختصاراً ليؤكد عزلته والقفص الذي أسرَ نفسه فيه طلباً للأمان، وهو ما يعكس غربته وإحساسه بالمنفى داخل المكان. كان بلبل أكثر حرصاً على تنفيذ وصية والده، رغم المخاطر، ولعلها محاولة تأكيد صورته الذاتية أمام نفسه أو استعادتها.

وحين يصير إلى العنابية قرب الحدود التركية، كان بإمكانه الفرار للتخلص من أزمة واقعه، لكنه يتراجع ويُقرِّر العودة إلى منزله في دمشق، إذ انتابه فجأة شوق إلى بيته ومكتبه في وظيفته ومخللاته، وحتى إلى خوفه من الفاشيين الطائفيين في الحي الذي يسكنه!

في الحقيقة، كان هذا الشوق هو استكانةً للنمطِ الذي يعيشه، والذي اعتاده، إذ يراه أقلَّ خطورةً من المجهول الذي ينتظره في حال مغادرة الحدود. في قرار يعكس خوفه من الخروج إلى تجربة أخرى، رغم أنه قد يكون خلاصه، وهو ما سماه إريك فروم بالهروب من الحرية، مُفضِّلاً عليها الامتثال القسري للواقع.

وفي النهاية يصف خليفة عودة بلبل إلى بيته، مُصوراً حركاته ومشاعره بدقة بالغة، فحين يدخل البيت ويجلس طويلاً في الظلام، فكأنه يُخبرنا عن إحساس نبيل بالبيت الذي صار هاويةً ستبتلِعه، وهنا يتحطم معنى البيت في داخله ومعه إحساسه بكينونته ووجوده، وحين يدخل السرير يشعر أنه جرذ، وكأن الواقع وطغيان المحيط والصورة المزيفة المفروضة عليه قد مسختهُ مسخاً؛ لقد تجاوز الإحساس بالضعف وعدم القدرة على المواجهة إلى الإحساس بالمسخ والامحاء أمام الواقع.

مثّل خالد خليفة بطريقة مدروسة ودقيقة المنفى الداخلي في بناء شخصية نبيل، وأنهى بها روايته دون البحث عن خلاصٍ، في إحالة إلى صورة عامة هي حالة الإنسان الذي يتآكل داخلياً في الحرب.