بعد عشرين عاما على رحيله، لا يزال نجيب محفوظ (1911-2006)، بما تركه من إرث سردي ثري، خصوصا في تصويره الفريد لعالم الحارة المصرية، يثير اهتمام الدارسين والنقاد والقراء على السواء. نتناول في هذه المقالة تجليات مقدمة ابن خلدون من خلال رواية محفوظ “الحرافيش” التي تعد واحدة من أيقوناته الروائية.
تنتصب في طرف الحارة تكية مغلقة يتسرب منها كل مساء إنشاد فارسي يصعب على أهل الزقاق فهمه فيظل سرا معلقا فوق رؤوسهم، وتموج تحته الحياة كلها بفتوة يحمل نبوته، وحرافيش حفاة ينامون عند الأسوار، وأعيان يخبئون مالهم، وعروس تزف وجنازة تمضي إلى القرافة، وعربة تجرها يد من حديد. تلك حارة نجيب محفوظ في “الحرافيش”، عالم صغير متكامل له حاكمه وضريبته وعدله وظلمه، وله أسطورة مؤسسة تحمل اسم عاشور الناجي، رجل ظهر في الحارة مرة ثم اختفى حتى صار غيابه أرسخ من كل حضور.
تجاوز محفوظ حكاية الفتوات إلى ما هو أعمق حين أعاد الدولة إلى أصلها البسيط فاتسعت الحارة لها كلها، فإليها يدخل ابن خلدون من باب خلفي في جلباب ابن البلد بعدما خلع عباءة المؤرخ، فتصير العصبية التي يستمد الزعيم منها قوته حرافيش وأقارب وأتباعا يلتفون حول الناجي، وتصير الغنيمة التي تعيش عليها الدول إتاوة تؤخذ من السوق كل جمعة، وتتقلص الشرعية التي ترتديها العروش في اسم قديم يتوارثه الناس ويقسمون به عند الخصام. حتى النبوت الغليظ يصير القانون في أبسط صوره يوم تغيب الدولة الحديثة فتبقى الذراع وحدها مرجعا، وهكذا نزل التاريخ من فوق المنابر ليخوض طين الأزقة على قدميه.
فوق هذا الصخب كله يتواصل الإنشاد غارقا في عالمه، يمضي في طريقه وحده بينما يصعد قوم ويسقط آخرون. بين ثباته في الأعلى ودوران العجلة تحته تتعلق حكاية عاشور كلها، حكاية عدل ولد ثم غاب وترك خلفه حملا أثقل من غيابه.
من ذراع المؤسس إلى صمم الأحفاد
يبدأ كل شيء من القاع حين يجتاح الوباء الحارة فيفرغها من أهلها، فيفر الأغنياء وتموت البقية وتذوب الفوارق التي صنعها المال والنسب، ويبقى عاشور الناجي وحده تقريبا، لقيطا رباه رجل ضرير، وجسدا ضخما تعود الجوع والعمل الشاق ويملك من الدنيا قوته وحدها. من هذا الخواء يولد الحكم، إذ يأوي عاشور إلى دار هجرها أصحابها فيرتفع ابن اللاشيء إلى صدارة الحارة في ليلة واحدة، ويصعد بقوته العارية لأن السلطة حين يخلو المكان تصنع شرعيتها بنفسها، وهذا ما عرفه ابن خلدون يوم قال إن الملك تحمله جماعة وذراع ثم يضعف متى ابتعد عن مصدره. غير أن عاشور يضيف إلى قوته فضيلة نادرة حين يأخذ الإتاوة من القادر ليطعم العاجز، فيصير حكمه دولة عدل صغيرة نبتت في الطين ويرتبط اسمه بالعدل ارتباطا دائما، وتأسيسه كله محاولة لحفظ اللحظة التي تساوى فيها الجميع أمام الموت.
ثم يقع ما هو أغرب من صعوده حين يخرج ذات ليلة فيبتلعه المجهول ويبقى قبره مجهولا. حار الناس أمام غيابه التام فحولوه إلى وعد معلق بالعودة، وهنا تظهر المفارقة في أوضح صورها، فالموت العادي يطفئ صاحبه، أما الغياب فقد كبّر عاشور حتى تجاوز جسده فصار اسما يحكم باسمه بعدما كان رجلا يحكم. للحاكم في كل زمان جسدان، جسد من لحم يبلى ويموت، وجسد من المنصب والشرعية يبقى على الزمن ويتجاوز موت صاحبه، وتلك خلاصة إرنست كانتوروفيتش في كتابه الشهير “جسدا الملك”. دفن عاشور جسده الأول في الغياب وأبقى الثاني حاكما على الحارة أجيالا، اسمه وحكايته ووعده القديم بالعدل.
العدل في هذه الحارة عقيدة شعبية تسبق القانون المكتوب، وهو ما نراه حين تروى سيرة عاشور في المقاهي رواية النص المقدس، ويقسم بها الخصمان قبل أن يتصالحا، فتجتمع للفتوة عناصر السلطة الثلاثة التي قرأ بها محمد عابد الجابري تاريخنا، فسلالة الناجي عشيرته، والإتاوة والمصاهرة مع الأعيان غنيمته، والإيمان بعاشور نفسه عقيدته. يجدد الفتوة العادل هذا الإيمان كلما أحيا العدل من جديد، ويستنزفه الظالم حتى يجف.
هبوط العجلة
تبدأ العجلة بعدها في الهبوط حين يرث الأحفاد البيت والنبوت والاسم ويفلت من أيديهم السبب الذي ولد الاسم من أجله. يتسلل الفساد على مهل في ثياب الترف، أهدأ من القسوة وأمكر منها، والترف هنا أبعد من وفرة الطعام والثياب لأنه مسافة تتسع حتى يقترب الفتوة من موائد الأعيان بقدر ما يبتعد عن أبواب الفقراء. جوهره عطب يصيب الأذن قبل أن يصيب الضمير، إذ يجلس الحفيد إلى مائدة عامرة في بيت على طرف الحارة فلا يبلغه الطرق على بابه، وتصير الوجوه في عينه كتلة غامضة، ويصغي إلى لغة المال بعدما علت على أنين الجياع.
يجري الانحدار على مهل جيلا بعد جيل، ويضيف كل وارث طبقة جديدة من البعد. يجهل الحفيد الذي ولد في بيت الفتوة طعم الجوع الذي صنع جده، ونشأ يرى الإتاوة حقا موروثا بدل أمانة مشروطة بالعدل، فتجذبه المصاهرة إلى بيوت الأعيان وتختلط ولاءاته وينتقل مجلسه من قلب الحارة إلى أطرافها المترفة. هكذا فإن النبوت الذي ارتفع يوما في وجه الظالم يهبط رويدا على ظهور الضعفاء، والاسم الذي حمى الجائع يصير ختما يبارك انتزاع قوت الناس.
يتخذ الأحفاد من أسطورة الناجي درعا يحتمون بها في انحرافهم، وكلما ابتعدوا عن روح عاشور رفعوا اسمه أعلى، يستندون إلى حكاية العدل القديم ليبرروا ظلم الحاضر، فيصير استدعاء الجد الصالح غطاء للحفيد الظالم. في هذا التحول تختبئ الخيانة الصامتة التي وصفها ابن خلدون حين تكلم على أجيال الملك، إذ يرث الأحفاد هيبة الاسم ووجاهته وتفلت منهم روحه، فيحملون “عاشور” لقبا أفرغته الأيام من المسؤولية. ويبلغ الأمر مداه حين يطلب حفيد لنفسه ما نالته الحكاية للجد، فيبني جلال منارته ليصعد بها فوق الموت، طالبا لجسده الأول خلودا ورث الثاني جاهزا. تحمي الدول الكبرى جسدها الرمزي بمؤسسات تصونه حين يضعف أصحابه، أما الحارة فسلطة عارية يقوم عدلها كله على ضمير الفرد وحده، فيتآكل العدل في أيدي الورثة ويعود حمل اسم عاشور إلى أصحابه الحقيقيين، الحرافيش الذين قضوا الحكاية كلها في مقاعد المتفرجين.
غلاف “الحرافيش”
الحرافيش عصبية مؤجلة
الحارة أوسع من أي قالب نظري، وبين عجلة القوة وصمت الورثة ينبض عالم يفيض على “الإتاوة” و”العصبية” بحب وغيرة، وحشيش وغناء، وجنون ووجد، وفيه عاشور نفسه رجل يخاف ويحب ويخطئ قبل أن يصير رمزا. ظل الحرافيش، أولئك الحفاة الذين يملؤون الأزقة بأجسادهم وأصواتهم، أجيالا كثيرة بلا قوة، جمهورا تنقصه رابطة الجماعة، يتألمون فرادى ويروون سيرة عاشور فرادى ويرتقبون عودته في صورة ابن أو حفيد أو فتوة جديد، وقد غاب عنهم أنهم هم الطينة التي يصنع منها عاشور.
يقف الحرافيش من سر قوتهم موقفهم من إنشاد التكية، لحن قريب يلامس آذانهم كل مساء ومعنى بعيد يصعب فهمه. تتردد القوة الكامنة في كثرتهم أمامهم طوال الوقت وتنتظر أذنا تلتقطها، وهم يمضون الأجيال صما عنها يرددون اسم عاشور تعويذة وقد غفلوا عن أن التعويذة ساكنة فيهم.
يكتسب الحشد قوته من سر يتجاوز مجرد العدد، لأن الألوف تجتمع وتبقى خاملة ما دام كل منهم سجين وحدته المتوهمة، ثم تنفجر القوة لحظة يكتشف الفرد أن جاره يحمل الألم نفسه فيزول الخوف ويذوب الحاجز بينهما، وتلك لحظة التفريغ التي جعلها إلياس كانيتي محور عمله، “الجماهير والسلطة”. هذا السر بالذات غاب عن الحرافيش لأنهم ملكوا العدد وفاتتهم اللحظة، فتعلق عدلهم بذراع الفتوة العادل وحدها، وإذا انكسرت الذراع أو فسد صاحبها تهاوى البناء كله، لأن العدل ظل هبة تمنح لهم وتسلب متى شاء الواهب.
على أن صورة الضحية قد تخدعنا في أمر الحرافيش، فالكثرة التي تصنع العدل قادرة على صناعة الطغيان نفسه، تصفق للفتوة القوي ما دام يطعمها وتدير ظهرها للمظلوم متى أمنت بطشه. يرسمهم محفوظ على حقيقتهم جموعا تجوع فتثور وتشبع فتنام، وتنجذب إلى النبوت القوي بقدر انجذابها إلى الرغيف، ولهذا تبقى يقظتهم الأخيرة إنجازا صعبا، إذ تطلب منهم أن يختاروا العدل وهم قادرون على اختيار سيد يعفيهم من عناء الاختيار.
طال انتظارهم حتى صار طبعا فيهم. يجلس الحرفوش في المقهى فيروي لابنه حكاية المنقذ للمرة الألف، فيخزن الجيل الأمل في الذاكرة ويعفي نفسه من الفعل، وكلما اشتد الظلم التفتوا إلى الماضي يطلبون عاشور آخر يهبط عليهم، وكلما خف ركنوا إلى صبر مستسلم يسكت الغضب. في هذا الانتظار الطويل يكمن سر بقاء الظلم، فالسيد يطمئن إلى رعية ترفع عينها إلى السماء تنتظر المخلص وتغفل عن الأرض الصلبة تحت قدميها.
يعود عاشور الأخير ليصحح الجد ويتجاوز مجرد تكراره. أنقذ الجد الأول الحرافيش بقوته فجاء عدله عظيما وهشا في آن واحد، عظيما لأنه عدل، وهشا لأنه معلق بساعد واحد يرحل فيرحل معه، أما الوارث فيمشي بينهم بدل أن يحملهم على ظهره، ويوقظ في كل حرفوش يقينه بأن القوة المنتظرة ساكنة فيه. الجمهور الذي يندب فتوته الغائب يظل جمهورا، والجماعة التي تنهض لتحرس عدلها تصير قوة، وعند هذه العتبة يتوزع النبوت الذي احتكره فرد واحد على أكف كثيرة، فيتبدل معنى الاسم من جذوره ويترك العدل موقعه هبة تنزل من فوق ليصير صنعة تبنى من تحت، ويكف عاشور عن كونه شخصا ينتظر ليصير طاقة تولد ساعة يترك الناس مقاعد الفرجة.
على هذا النحو تنقلب معادلة ابن خلدون رأسا على عقب. تأتي العصبية عنده جاهزة، قبيلة قوية ترفع الحكم منذ بداية الطريق، أما عند محفوظ فتتأخر وتنام في صدور الحرافيش أزمنة طويلة حتى تستيقظ على حقيقتها، فإذا هي القوة الوحيدة القادرة على أن تعيد المنقذ، بل على أن تستغني عنه في النهاية.
ابن خلدون يخرج من التاريخ
بقيت للحارة جهتان صامتتان تحيطان بصخبها، تكية في الأعلى وقرافة في الأسفل، وبين هذا العلو المترفع وذلك الانحدار الأخير تتأرجح الحارة كلها، تشتهي لنفسها بقاء التكية وتهرب من مساواة القرافة القاسية. صعد جلال منارته ليأخذ الدوام عنوة فردّته القرافة إلى حفنتها، ونالت التكية دوامها يوم انصرفت عن اللعبة كلها. أنزل محفوظ صاحب “المقدمة” من سماء الدول إلى تراب الزقاق، وبث قانونه في عشر حكايات تتنفس إيقاعا واحدا حتى حوّل النظرية الباردة إلى قدر يعاش على وجوه البشر بالدمع واللحم.
يظل الإنشاد متصاعدا من التكية المغلقة، رتيبا راسخا، يشهد على الأجيال وهي تتداعى تحته. هناك في الأعلى دوام بلغه أهل التكية حين انصرفوا عن لعبة القوة كلها، وهنا في الأسفل حارة تطلب ذلك الدوام في قلب اللعبة نفسها. سؤال “الحرافيش” الأخير يتجاوز عاشور الذي مضى إلى ما تركه معلقا في الهواء، عدل قام على ساعد رجل ثم سقط الساعد فترك للناس حملا أثقل من انتظار عودته، وهو أن يحفظوا ما بناه بعد رحيله.
لعل محفوظ تركنا عمدا على عتبة الحكاية الأخيرة محتفظا بجواب ما إذا كان الحرافيش قد أفاقوا فعلا، فالإفاقة حين تروى تتحول إلى أسطورة جديدة تنتظر، أما الإفاقة التي تبقى ممكنة فتظل حية تخص كل زقاق وكل زمن.