نعت الأوساط الثقافية السورية والعربية المؤلف والناقد الأدبي والمترجم والميثوغرافي حنّا عبود، الذي توفي في الثالث والعشرين من هذا الشهر عن تسعين عامًا وكتابًا، إثر إصابته بمرض عضال، قاومه وتحدّاه وأكمل رحلته الإبداعية بتفوّق، وهو يخاطبه قائلًا: “سأجعلك تندم”.
وُلد الراحل في قرية القلاطية التابعة لمدينة تلكلخ في محافظة حمص عام 1937، عاش في الميتم الأرثوذكسي هناك بعد وفاة والديه وهو في سن الخامسة، وأمضى فيه ثماني سنوات شكّلت جزءًا من تكوينه المُبكّر، وأسهمت في تعميق علاقته بالقراءة والانفتاح على الأدب والفنون.
هو مزارع ماهر في إنتاج المحبة والتواضع كما وصفوه، فتح أبوابه على الكون والإنسان، وكان ولا يزال من أبرز النقّاد والمترجمين والمفكرين السوريين في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين. تميّز بغزارة إنتاجه الذي فاق عمل مؤسسات بأكملها، واتساع اهتماماته الفكرية التي جمعت بين النقد الأدبي والترجمة والفلسفة والميثولوجيا والأسطورة والتاريخ واللغات الكلاسيكية، وله مؤلفات في هذه المجالات جميعها، ويُعتبر من أبرز نقّاد الشعر في سورية والعالم العربي، لما يمتلكه من رؤية نقدية جمعت بين المعرفة النظرية والتطبيقية والانفتاح على التجارب الإنسانية المختلفة.
كان مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، تميّز باتساع الأفق المعرفي، وبكتاباته التي تحاول فهم تطوّر الفكر الإنساني والأدب العالمي في سياق واحد.
اطّلع في مرحلة مبكرة من عمره وتجربته على الفكر الاشتراكي والمادية التاريخية، وهذا ما انعكس بوضوح على اهتماماته الفلسفية لاحقًا، حيث سعى إلى دراسة النظرية الأدبية وربطها بسياقاتها التاريخية والفكرية. وكان يرى أن الأدب ليس زينة ثقافية بل هو المفتاح لفهم الإنسان، وأن النص ليس مجرد كلمات على الورق، بل ذاكرة عميقة للبشر وقراءة الكون، وقد أكد في كتابه “تاريخ القصيدة” أن الناس تمسّكوا بالنص ووجدوا فيه الخلاص، فحظي بشعبية كبيرة عندما تحوّلت السلطة إلى “مصنع للرعب”.
شكّل “الاقتصاد الأدبي” جزءًا من اهتماماته النقدية، فقد ألّف كتابًا عام 1997 بعنوان: “فصول في علم الاقتصاد الأدبي” طرح فيه واحدة من أكثر أفكاره تميّزًا، مقدّمًا هذا المفهوم على أنه نقيض للاقتصاد السياسي القائم على المال والهيمنة المادية، ومؤكدًا أن الأدب والفن قادران على بناء عالم أكثر إنسانية وعدلًا وجمالًا. وبدا في هذا الكتاب وكأنه يقيم مواجهة بين عالم الربح والسيطرة من جهة وعالم الجمال والإبداع من جهة أخرى، مدافعًا عن الإنسان والحرية والخيال “لأن العالم لا يُفهم بالعقل وحده ولا يُبنى بالمال فقط. والاقتصاد السياسي في طبيعته عدواني منذ النشأة وجشع، بينما الاقتصاد الأدبي يعتمد الوسائل المعنوية التي تتمتع بحرية شبه كاملة، اللهم إلا إذا كان مأجورًا وعندها يصبح ملحقًا بالسلطة”.
من أبرز كتبه النقدية والفكرية: “المدرسة الواقعية في النقد العربي الحديث”، “النظرية الأدبية الحديثة والنقد الأسطوري”، “القصيدة والجسد” و”مسرح الدوائر المغلقة”، والذي رأى فيه أن الإنسان في نصوص المسرح الحديث يعيش في دائرة مغلقة تفرضها حتمية التراجيديا وصعوبة إنقاذ البطل من الخطأ التراجيدي، لذا يبدو عاجزًا عن تخطي مأزقه الوجودي تحديدًا في مسرح اللامعقول. إضافة إلى كتابه “النزوحات الكبرى ومعالم الأدب العربي بعد الحرب العالمية الثانية”، الذي اعتبره النقاد المحطة التأسيسية له كناقد، تناول فيه مفهوم النزوح كمحرّك للأدب، ودرس الهجرات الجغرافية للعرب، أولاها سمّاه “النزوح الإسكندروني” بعد سلخ لواء اسكندرون عن سورية عام 1939، ثم “النزوح الفلسطيني” بعد نكبة عام 1948، و”النزوح الحزيراني” من الجولان المحتل والضفة الغربية بعد هزيمة عام 1967، و”النزوحات الداخلية من الأرياف إلى المدن”، وبيّن فيها انعكاسات الهجرات على النص الجديد وما تخلّلته من مشاعر مؤلمة فجائعية، بعد تحوّل الأدباء من العيش في بيئة ريفية منفتحة على الطبيعة إلى عشوائيات المدن الكبرى المخيفة.
اشتهر الراحل عبود بترجمة النصوص الكلاسيكية المؤسِّسة في الأدب العالمي، وأنجز مشروعًا واسعًا في هذا المجال شمل عشرات الكتب في الفلسفة والنقد وعلم الاجتماع والتاريخ والأدب العالمي، من أبرزها: “موجز تاريخ الفلسفة”، “العائلة المقدسة”، “نساء عاشقات” و”بؤس الفلسفة”، وهذا الأخير لكارل ماركس، الذي وجّه فيه نقدًا للفلسفة الهيغلية وخصوصًا المثالية التي كان يمثلها الفيلسوف الفرنسي بيير برودون، لأنها تُهمل الواقع المادي والاجتماعي وتكتفي بالتحليل المجرّد للأفكار، ودافع فيه أيضًا عن المادية التاريخية كمنهج لفهم الواقع. أما اهتمامه بالترجمة فيعود كما قال إلى “الجهل طبعًا. كنتُ كلما راجعت نفسي في موضوع أجدها جاهلة فيه أطلب مترجمًا. أما المُترجَم من الكتب فكنت أُلخّصه. ولا زلت أترجم الكتاب الذي أجهل موضوعه وأحتفظ به”. اتجه أيضًا لترجمة الملاحم الشهيرة مثل: “الأوديسة”، “الإنياذة والإلياذة”، والملحمة العظيمة التي كرّست الثالوث المقدس: “الحق والخير والجمال”، القيم التي شغلته طوال حياته، وقد أشار في مقدمتها إلى الأساس الميثولوجي لحرب طروادة والتزامه بالإطار القصصي في ترجمته الجديدة لها، مؤكدًا أن التحليل المادي للأحداث يذهب إلى أن الطمع بثروة طروادة هو السبب في كل ما حدث، وأن العظمة الحقيقية لأي كتاب تكمن في أن يظل مرافقًا للبشرية، وهذا ما حققه هذا الكتاب الذي رافق الأجيال لآلاف السنين بملحمته الشعرية الإغريقية ذات المشاعر العميقة للشاعر الكفيف هوميروس حول صراع الآلهة والأبطال والحرب الأسطورية آنفة الذكر.
اتجه المفكر عبود في العقود الأخيرة إلى دراسة الأساطير العالمية والميثولوجيا، وأنجز أعمالًا هامة بهذا الخصوص، منطلقًا من قناعة راسخة بأن الأسطورة تمثل الذاكرة الأولى للإنسان، وأن فهم الحضارات لا يكتمل من دون فهم منظوماتها الرمزية، لذلك عمل على تعريف القارئ العربي بالأساطير العالمية والشرقية والسورية، وربطها بالأدب والفكر والتاريخ، وكانت “موسوعة الأساطير العالمية” من أبرز إنجازاته، ومن أهم الموسوعات الحديثة في الثقافة العربية، تحدثت عما ينوف على خمسة آلاف أسطورة من: اليونان- الهند- مصر- فرنسا- الصين وأساطير سومرية وأكادية وآشورية وأوغاريتية وغيرها. وفي هذا الكتاب قدّم أثرًا معرفيًا هامًا يتجاوز كونه مجرد تجميع للحكايات، ليصبح تحليلًا فلسفيًا لجوهر الميثولوجيا الإنسانية. ولم يكتفِ فيه بسرد القصص بل غاص في أعماق المنظومات الفكرية التي أنتجت هذه الأساطير، مشيرًا إلى أننا ما نزال نعيش جميعًا في قلب الأسطورة. من كتبه في هذا المجال: “الميثولوجيا العالمية”، “دراسات متخصصة في الأسطورة الإغريقية”، “الرافدية والشرقية وعلاقتها بالأدب” و”ليليت والحركة النسوية الحديثة”، الذي تحدث فيه عن حقبة من تاريخ هذه المرأة ونضالها ضد السلطة البطريركية، وعاد إلى الميثولوجيا ليستعيد قصتها في مسح تاريخي لكفاح النساء ضد السلطة الذكورية وصولًا إلى عصرنا الراهن: “هربتُ إلى الميثولوجيا لأُشعر الناس أن الشعوب ذات التصور الميثولوجي هي التي صنعت الحضارات الرائعة والعظيمة، وهي التي ابتكرت صناعة الفرح”.
اهتم الكاتب طوال حياته بقضية التنوير، ورأى أنها شرط ضروري لتجديد الثقافة المحلية، وبمفهوم النهضة أيضًا، وعندما سُئل: هل السياسي العربي الفاشل أم الغرب أم أسباب أخرى هي المسؤولة عن انحراف هذا المفهوم؟ قال: “كل ذلك يقف وراء انحراف النهضة عن سيرها. أهم شعار طرحته هو الدين لله والوطن للجميع. وأخطر انحراف حدث في مسيرتها هو خرق هذا الشعار”، ورأى أن السلطات وكذلك الناس الذين يتخلون عن النزعة الوطنية ليحلّ الدين محل العروبة هم المسؤولون عن ذلك.
يرى كثيرون أن مشروع الراحل الثقافي يقوم على تأسيس نقد أدبي عربي منفتح على المناهج الحديثة، وبناء جسر معرفي بين الثقافة العربية والتراث العالمي عبر الترجمة، وإدخال الدراسات الأسطورية إلى صلب النقد العربي بصورة منهجية، وأن حنّا عبود لم يكن كاتبًا ومؤلفًا فحسب، بل كان إنسانًا صاحب مواقف وطنية وإنسانية ناضجة، هاجم الاستبداد والقمع في تصريحاته ومؤلفاته، وأعلن موقفه الصريح من النظام الشمولي في سورية عندما شارك عام 2000 بالتوقيع على بيان الـ “99” الذي يطالب بإلغاء الأحكام العرفية في البلاد المستمرة منذ عام 1963، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإلغاء المحاكم الاستثنائية، والسماح بحرية التعبير والتجمع والصحافة وجمعيات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، وإجراء إصلاحات جذرية عاجلة وشاملة، وقد وقّع عليه كتّاب ومفكرون وناشطون سوريون.
كان يهاجم الأنظمة الديكتاتورية أينما كانت: “في العالم الثالث تبسط الأنظمة التوتاليتارية سلطتها على كل شيء، من الرغيف حتى النزهة على ضفاف بحيرة. حتى جمعية دفن الموتى لا تدفن من دون إذن السلطة”. وأكد في حواراته على أن السلطة تقوم على التداول، رافضًا ديمومة زمن الرعب الذي لا ينحصر بالأنظمة وحدها: “فهناك رعب الشارع ورعب الجموع والعشيرة والجسد والأب والأخ الأكبر. إن الدول المتقدمة تخلصت من هذه الأنواع المرعبة، في حين يغرق فيها أكثر فأكثر العالم الثالث المنكوب”.
واللافت للانتباه توجيه لومه ونقده لمن يدّعون العلمانية والثقافة بإخفاء حقيقة أفكارهم وممارساتهم: “كم مدّعٍ أنه تقدمي تكشّف عن رجعي مقيت، وكم من ثوري ادعى العلمانية فإذا هو طائفي. في هذا العالم عندما تُنتهك أبسط الحريات لا تموت الآمال بل تتحول إلى مطامع فيها الكثير من العفونة البشرية”.
عاش التهميش في ظل نظام البعث البائد، لكن وزارة التربية السورية أطلقت اسمه على إحدى مدارس حمص قبل رحيله بفترة قصيرة. هذا الرحيل الموجع بعد رحلة معرفية واسعة كانت بالنسبة إليه مشروع حياة ونافذة مفتوحة على الشمس وعلى العالم بأكمله من أجل الدفاع عن كرامة الإنسان وحريته وحقوقه وعن الخير والجمال.
مراجع مختارة:
– بوابة سورية.
– مواقع إلكترونية.