| سوزان موسى دره-سوريا

سوزان موسى درة.. كاتبة سورية،
المصدر المنار الثقافية الدولية
في مساءٍ ثقيل، جلست امرأة على شرفةٍ تطلّ على مدينتين لا تراهما معًا، لكنها تشعر بهما في قلبٍ واحد. همست لنفسها: “كما في السماء كذلك على الأرض، وكما في سوريا كذلك في لبنان”
منذ عام، لم تستطع أن تنظر نحو سوريا وظهرها إلى لبنان. كان الأمر يشبه خيانةً صامتة، كأن المدينتين توأمان لا يجوز التفريق بينهما. لم تكن تعرف الكثير عن تاريخ الشعوب، لكنها كانت ترى بوضوح أن هذين البلدين تدحرجا فوق المطبات ذاتها، وسقطا في الحفر ذاتها، حتى صار الشبه بينهما مرهقًا.
تخيلتهما يومًا كمدينتين تتبعان جبلًا واحدًا… أو كعاشقتين تنتظران العريس نفسه، دون أن تعرفا إن كان سيأتي أصلًا.
تذكرت معنى الجملة الأولى من صلاتها، كيف أن السماء تسير بنظامٍ كامل، بطاعةٍ نقية، حيث يسود الحق والخير بلا نزاع. وتساءلت: لماذا يبدو كل شيء مختلفًا هنا؟ لماذا على الأرض تختلط الأمور، حتى يضيع الصالح بين الطالح، ويغيب النور وسط الضجيج؟
رأت في خيالها شوارع دمشق وبيروت، لا كمدنٍ هادئة، بل كساحات حربٍ من نوعٍ آخر؛ بارودها الغضب، وقذائفها الفقر، وأصواتها تنديدٌ وشتائم. لم تعد الحرب بحاجة إلى بنادق، يكفي أن يسكن التعب في القلوب.
أما الوطنية، فقد بدت لها ككلمةٍ متعبة، تتغير مع الزمن، يفسرها كلٌّ على هواه. صارت مثل جسدٍ مصلوب، يقف حوله القليل من الصادقين، يندبونه بصمت.
حتى الكلمات الكبرى—الثورة، التحرير، المقاومة—لم تعد كما كانت. استُهلكت، تشوّهت، وأصبحت تُقال كثيرًا حتى فقدت معناها، بينما الناس في سوريا ولبنان يتشابهون أكثر من أي وقتٍ مضى؛ في الحزن، في التعب، وفي البحث عن حياةٍ لا تقوم على الدم.
رفعت المرأة عينيها نحو السماء، كأنها تبحث عن ذلك النظام المفقود. شعرت بعمقٍ روحي يربط بين السماء والأرض، بين الدعاء والواقع، بين الأمل والانكسار. لكنها أدركت أيضًا مرارة الحقيقة: أن الإنسان ما زال يدعو لقيام الخير على الأرض، بينما يعيش ضائعًا بين واقعٍ قاسٍ؛ أصبح فيه الفقر رفيقًا قديمًا لا يرحل، وتشابكت فيه الطرق حتى لم يَعُد واضحًا من العدو ومن الصديق.
تنهدت بهدوء، ثم أغمضت عينيها، و في تلك اللحظة شعرت بأن الأرض تهتز تحت اقدامها، ثم تراءى لها جبل الشيخ كرجل عظيم لن يتخلّ عنها يوماً…