تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • في مئوية السيّاب: القصيدة صوت مطرٍ لا ينقطع
  • أدب وفن

في مئوية السيّاب: القصيدة صوت مطرٍ لا ينقطع

المحرر Editor 7 فبراير، 2026 تمت قراءة 1 دقيقة

 

في مئوية السيّاب: القصيدة صوت مطرٍ لا ينقطع

ولد السيّاب عام 1926 في جيكور
عواد علي… ضفة ثالثة
حين تمرّ مائة عام على ولادة شاعرٍ ما، لا يكون الاحتفاء به مجرد استعادة لاسمٍ في سجلّ الأدب، بل استدعاءً لمرحلةٍ كاملة من تاريخ الشعر العربي. وبدر شاكر السيّاب ليس شاعرًا عابرًا في الذاكرة الثقافية، بل علامة فارقة، ومنعطفٌ حادٌّ في مسار الشعر العربي الحديث. إنّ مئويته مناسبة لإعادة تأمّل التحوّلات الكبرى التي أحدثها في لغة القصيدة، وفي بنية الإحساس، وفي علاقة الشاعر بواقعه وبذاته وبالعالم.
ولد السيّاب عام 1926 في جيكور، تلك القرية الصغيرة المغمورة بين بساتين النخيل في البصرة، جنوب العراق، لكنّها بفضله تحوّلت إلى رمزٍ شعريٍّ يتردّد في الوعي العربي مثل أسطورة. لم تعد جيكور مجرد مكان جغرافي، بل صارت فضاءً شعريًا يختلط فيه الطفولي بالأسطوري، والحنين بالألم، والطبيعة بالمنفى الداخلي. في شعر السيّاب، تحوّلت القرية إلى أمٍّ ثانية، وإلى وطنٍ مصغّرٍ يلاحق الشاعر أينما ذهب، حتى وهو يغادره جسدًا.
وإلى جانب القرية ثمة الجدول المائي “بويب”، الذي ذكره السياب كثيرًا في شعره، وهو يجري قرب منازل أهله وذويه، وقد خلّده متخيلًا إياه نهرًا، وحوّله إلى صورة تؤدّي دورًا مهمًا في تشكيل العديد من قصائده، عبّر به عن الخصب والحياة، وجعله رمزًا شخصيًا وضعه في نقطة تقابل كل ما يوحي إلى الجدب والعدم. ففي قصيدة “النهر والموت” يغدو “بويب” رمزًا كاملًا، يتخلص من معظم العلائق المادية والتصوّرات الخارجية، ويشعّ بصوره ودلالاته من دون مشاركة خارجية، ويستمد قيمته المعنوية من داخله، إذ استقل استقلالًا تامًا، وأصبحت العلاقة التي تربطه بالأشياء التي يومئ إليها ليست علاقة تشابه، بل علاقة داخلية وحّدت بين “بويب” وما يشير إليه، وبهذا يكون “بويب” قد انتقل من صورة مألوفة إلى حسية رمزية، حتى غدا الرمز الرئيسي في هذه القصيدة هو رمز النهر، وهو يحمل دلالات تتدرّج من المستوى الطبيعي الواقعي، بوصفه مجرى مائيًا، إلى المستوى الكوني الميتافيزيقي، حيث أصبح مرآةً ومعبودًا، بالمعنى الصوفي، ثم إلى المستوى الذاتي الصميمي حيث نراه رحمًا.

تميّزت تجربة السيّاب منذ بداياتها بالتمرّد على الأشكال الكلاسيكية للقصيدة. لقد جاء في لحظة تاريخية كانت الثقافة العربية فيها تبحث عن لغةٍ جديدة، بعد أن أثقلتها القرون بأوزانٍ وصيغٍ متكرّرة. لم يكن السيّاب وحده في هذا المسار، فقد رافقته أسماء أخرى في حركة الشعر الحر، غير أنّ صوته كان من أكثرها عمقًا وصدقًا وتأثيرًا. لقد حرّر الإيقاع من قيوده الصارمة، من دون أن يفرّغ الشعر من موسيقاه، فظلّت قصائده تنبض بإيقاعٍ داخليٍّ يشبه دقّات القلب أكثر مما يشبه طرقات الطبول.

في مئويته، يبدو السيّاب كأنه شاعر الألم العربي بامتياز. فقد عانى المرض، وعانى الفقر، وعانى الاغتراب، كما عانى التقلّبات السياسية والفكرية في زمنٍ مضطرب. وهذه المعاناة لم تكن عابرةً في نصوصه، بل صارت جزءًا من نسيجها. لم يكن يكتب عن الألم بوصفه موضوعًا خارجيًا، بل بوصفه تجربةً معاشةً. لذلك جاءت قصائده مشبعةً بصدقٍ عاطفيٍّ يجعل القارئ يشعر بأن الكلمات ليست مكتوبةً بالحبر فقط، بل بالوجع أيضًا.
وإذا كان السيّاب قد ارتبط في الذاكرة العامة بقصيدة “أنشودة المطر”، فذلك لأنّ هذه القصيدة تكاد تختصر مشروعه الشعري كلّه. المطر عنده ليس ظاهرةً طبيعيةً، بل رمزٌ للخصب، وللأمل، وللتجدّد، وللانبعاث بعد القحط. في هذه القصيدة تتلاقى الأسطورة بالتاريخ، والذات بالجمع، والحلم بالواقع. إنّها قصيدة تُقرأ في كلّ زمنٍ وكأنها كُتبت لتوّها، لأنّ رموزها مفتوحة على التأويل، ولأنّ وجعها لا يشيخ.
أحد أبرز ملامح تجربة السيّاب استثماره العميق للأسطورة بوصفها أداةً لفهم الواقع وإعادة تشكيله. استدعى تمّوز وعشتار وجلجامش، كما استدعى الرموز الدينية والإنسانية، ليصوغ عبرها رؤيته للخراب والبعث. وهكذا تحوّل شعره إلى مساحةٍ تتجاور فيها الأزمنة، حيث يقف الماضي جنبًا إلى جنب مع الحاضر، ليكشفا معًا هشاشة الإنسان وقوّته في آنٍ واحد.
وفي مئوية السيّاب، لا يمكن إغفال القضايا الوطنيّة والعربيّة والإنسانية، فقد كان صوتًا للمُتعبين في عراق يرزح تحت وطأة الاستعمار والجهل والتّخلف، صوتًا متوترًا بين الحلم والانكسار، بين التفاؤل واليأس، لكنه لم يفقد حساسيته تجاه الإنسان البسيط، وتجاه الوطن بوصفه فكرةً وجرحًا في الوقت نفسه. وكتب عن فلسطين في أكثر من قصيدة، ناظرًا إليها بوصفها جرحًا عربيًا مفتوحًا، ورمزًا للاغتصاب والمعاناة وتوقًا إلى الحرية، وعن “ربيع الجزائر” حين كانت الثورة الجزائرية حدثًا كبيرًا في الوجدان العربي، ومثالًا للمقاومة ضد الاستعمار.
رحل السيّاب شابًا عام 1964، لكنّ حضوره لم يرحل، فبعض الشعراء يشيخون وهم أحياء، وبعضهم يبقون فتيةً بعد موتهم بعقود. والسيّاب من الصنف الثاني؛ فقصائده ما زالت تُقرأ، وتُدرّس، وتُلهم، وتُغضب أحيانًا، لكنها لا تُنسى. إنّ خلوده لا يكمن في شهرته فقط، بل في قدرته على تجديد ذاته مع كلّ قراءة جديدة.
إن مئوية بدر شاكر السيّاب حوارٌ مع حاضرٍ ما زال يحتاج إلى شعرٍ صادقٍ وعميق. هي تذكيرٌ بأنّ الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل ضرورة روحية، وأنّ الشاعر الحقيقي لا يقيس أثره بعدد دواوينه، بل بقدرته على أن يترك في اللغة ندبةً جميلةً لا تزول. وفي زمنٍ تتسارع فيه الكلمات وتبهت المعاني، يظلّ السيّاب شاهدًا على أن القصيدة يمكن أن تكون وطنًا، وذاكرةً، وصوت مطرٍ لا ينقطع.

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: هشاشة الحلّ في الحسكة
التالي: لماذا لن تستسلم إيران في المفاوضات مع أميركا؟

قصص ذات صلة

  • أدب وفن

تعويذة التشيلية ميسترال الشعرية لـ”اليأس” و”الحنان” شعر أمومة وطفولة وشغف جعل مبدعته أول فائزة بـ”نوبل” من أميركا اللاتينية

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026
  • أدب وفن

“مجهولة رصيف جافيل” رواية بوليسية تفوز بـ”غونكور” امرأة الرسامين في مونمارتر الباريسية تكشف أسرارا بعد قتلها

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026
  • أدب وفن

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى جاسم سلمان في روايته الأخيرة «وقوفاً على الأصابع»

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • برلمان إقليم كوردستان ينتخب هيئة رئاسته الجديدة بعد أكثر من عامين على التعطيل
  • استقرار الليرة السورية ما الذي تحقّق، وهل يمكن أن يستمر مع التعافي الاقتصادي؟
  • الإسلاموفوبيا في الانتخابات الأميركية
  • لو كانت إسرائيل دولة شبه طبيعية
  • سورية في نتائج الانتخابات الإسرائيلية

لربما فاتك

شورى
  • الأخبار

برلمان إقليم كوردستان ينتخب هيئة رئاسته الجديدة بعد أكثر من عامين على التعطيل

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026
Web-2025-2026-saref
  • مقالات رأي

استقرار الليرة السورية ما الذي تحقّق، وهل يمكن أن يستمر مع التعافي الاقتصادي؟

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

الإسلاموفوبيا في الانتخابات الأميركية

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026
55F07641-37E7-494A-AFA0-AF2CDFB302EB (4)
  • مقالات رأي

لو كانت إسرائيل دولة شبه طبيعية

المحرر Editor 4 نوفمبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.