بدأت الحادثة في جديدة عرطوز في ريف دمشق بخلاف بين أطفال، ثمّ اتّسعت دائرة المشاركين فتحوّلت إلى مشاجرة ذات طابع هُويّاتي. انتهت الحادثة من دون قتلى، لكن ما ظهر خلالها يستدعي البحث في الظروف التي تسمح لشجار محدود باستنفار العصبيات. وقد فسّر معلّقون كثيرون ما جرى بالوجود الكثيف لأبناء دير الزور في دمشق وريفها بعد سقوط النظام.
ينطلق هذا الخطاب من تصوّر يفترض أنّ أبناء دير الزور انتقلوا إلى دمشق وريفها بإرادتهم، وأنّ العودة متاحة لهم متى شاؤوا، ويغيب من الخطاب أنّ معظم أحياء مدينتهم مدمّر، وأنّ كثيراً من سكّانها لا يملكون شروط العودة إليها. ومع تجاهل هذه الحقيقة، يصبح النازح نفسه تفسيراً جاهزاً للأزمات المتكرّرة. ومن جهة ثانية لا تمنح الأقدمية في السكن سكّان دمشق أو حلب أو غيرهما من المدن حقّاً إضافياً في المدينة، ولا تخوّلهم تحديد من يستحقّ الإقامة فيها، مع الإقرار بأنّ النزوح يترك آثاراً فعلية في الأحياء المستقبِلة، من ارتفاع الطلب على السكن إلى زيادة الضغط على الخدمات وزيادة المنافسة على فرص العمل. تجاهل هذه الآثار لا يساعد في فهم التوتّر، كما أنّ وجودها لا يجعل النازحين مسؤولين عنها. صحيح أنّ هذا النزوح أحد آثار الطغيان الأسدي، لكن من واجب الدولة الجديدة أيضاً بعد ما يقارب السنتَيْن أن ترصد التحوّلات السكّانية قبل أن تتحوّل إلى خصومات اجتماعية، وأن تضع سياسات لتنظيم آثارها والاستجابة لها. وحين تعجز عن ذلك، يبحث الناس بأنفسهم عن وسائل للحماية وتدبير شؤونهم، فيعتمد النازح على أقاربه للعثور على منزل أو عمل، ويلجأ إليهم عند المرض والخوف والخلاف. تغدو القرابة هنا شبكةً للحماية في بيئة لا توفّر حمايةً كافيةً، ولا تكون العائلة أو العشيرة بذاتها مصدراً للمشكلة. لكنّ دور هذه الروابط يتغيّر حين تغيب الخدمات وتتراجع الثقة بقدرة الدولة على الإدارة والحماية. عندها تسعى كلّ جماعة إلى تثبيت سردية مظلوميتها وإظهار قوّتها بقدرتها على الحشد. يصعب فصل هذا السلوك عن الطريقة التي أدارت بها السلطة الجديدة المجتمع بعد سقوط نظام الأسد. فقد اتّسعت أدوار الجماعات الأهلية والتشكيلات الرديفة، وأُسندت إلى روابط القرابة والمنطقة وظائف تتجاوز التضامن الاجتماعي، لتشمل الحماية والأمن واستخدام القوّة. وعندما تتيح السلطة لجماعات أهلية ممارسة الإكراه باسم المصلحة العامّة، كما حدث في مجازر الساحل والسويداء، أو تستدعي قدرتها على الحشد كلّما احتاجت إليها، فإنّ هذه القدرة لا تزول بانتهاء المهمة، وإنّما تبقى حاضرةً وقابلةً للاستخدام في نزاعات أخرى. لا يشكّل أبناء دير الزور جماعة واحدة، ولا تكفي العشيرة لتفسير سلوكهم. والاستنفار الأهلي ليس سمةً خاصّةً بمنطقة سورية من دون غيرها؛ إذ يمكن أن يظهر في أيّ مكان تتراجع فيه سلطة القانون ويصبح الانتماء العشائري وسيلةً للحماية.
طال الدمار قلب مدينة دير الزور تحديداً، وقوّض الشروط التي تجعلها قابلةً للحياة. ولا تكفي إزالة بعض الأنقاض أو عقد اجتماعات لتقييم الأضرار كي تصبح العودة ممكنة. تحتاج المدينة إلى برنامج مُعلَن ومموّل يحدّد الأحياء التي سيعاد إعمارها ومراحل التنفيذ، ويحمي الملكيات، ويتيح للسكّان مساءلة جهة محدّدة عند تعطّل الأعمال أو الإخلال بالوعود. ومن دون ذلك، تصبح الدعوة إلى العودة وسيلةً لنقل مسؤولية النزوح إلى النازح نفسه. وينطبق هذا الشرط على بقية المناطق المدمَّرة.
انتهت حادثة جديدة عرطوز بصلح أوقف المواجهة المباشرة، غير أنّ الساعات القليلة التي استغرقتها الحادثة كانت كافيةً لانتشار صور نمطية نسبت أفعال الأفراد إلى مناطق وجماعات بأكملها. أوقف الصلح المشاجرة، لكنّ أسبابها ما تزال حاضرةً وقابلةً للاستدعاء في نزاع آخر.
من ناحية ثانية، تكشف أحداث جديدة عرطوز مدى حضور آثار الحرب في الحياة اليومية: سهولة انتقال الخوف بين الناس، وتحميل الجماعة مسؤولية أفعال أفرادها، واستعداد كلّ طرف للبحث عن قوّته في التفوّق العددي حين لا يجد الدولة حاضرةً. وليست هذه سمةً متأصلة في السوريين، وإنّما هي حصيلة سنوات أُضعفت فيها المؤسّسات، واتّسعت خلالها وظائف الروابط الأهلية، حتّى أصبحت وسائل للحماية وأدوات لاستخدام القوّة.
للسوري الحقّ في العودة إلى مدينته حين تصبح العودة ممكنة ويختارها، وله الحقّ في البقاء حيث يستطيع بناء حياته. ولا يلغي أحدُ الحقَّيْن الآخر. السؤال هو ما إذا كانت السلطة الجديدة قادرةً على بناء مؤسّسات تجعل العودة والبقاء خيارَيْن ممكنين، بدلاً من أن يصبحا سببَيْن لخصومة جديدة.
سمر يزبك… العربي الجديد
