
الفيلسوف البريطاني أنتوني كيني (ويكبيديا)
ملخص
السير أنتوني كيني واحد من أبرز فلاسفة أكسفورد في النصف الثاني من القرن الـ20 وبدايات القرن الـ21. كتب في تاريخ الفلسفة وفلسفة العقل وفلسفة الدين والفعل والإرادة، واشتغل على أرسطو وتوما الأكويني وديكارت وفتغنشتاين، وترأس الأكاديمية البريطانية والمعهد الملكي للفلسفة. ووصفته “كلية باليول” بأنه يمثل نهاية حقبة في فلسفة أكسفورد والفلسفة التحليلية. رحل كيني في الثالث من أغسطس (آب) الجاري عن 95 سنة بعد مسيرة فلسفية طويلة.
لماذا ينبغي أن نلتفت إلى أنتوني كيني اليوم؟ ليس لأنه كان فيلسوفاً بريطانياً كبيراً وحسب، ولا لأنه ترك وراءه عشرات الكتب. أهميته، في تقديري، تكمن في سؤال أعمق، ماذا نفعل بتاريخ الفلسفة حين نريد أن نمارس الفلسفة اليوم؟ هنا يصبح كيني معاصراً لنا على نحو مفاجئ.
تاريخ الفلسفة ليس متحفاً
من أهم أعمال كيني مشروعه الضخم “تاريخ جديد للفلسفة الغربية” الذي صدر في أربعة مجلدات بين عام 2004 وعام 2007 وهي الفلسفة القديمة والفلسفة الوسيطة وصعود الفلسفة الحديثة والفلسفة في العالم الحديث. قد يبدو هذا المشروع للوهلة الأولى مجرد تأريخ آخر للفلسفة الغربية، لكنه ليس كذلك تماماً. فكيني لم يكُن مؤرخاً يكتب عن الفلاسفة من خارج الفلسفة، بل كان فيلسوفاً يكتب تاريخ الفلسفة. وهذه نقطة حاسمة.
هناك فرق بين أن نعرف ماذا قال أرسطو ومتى كتب وما كتبه، وبين أن نفهم المشكلة التي كان يفكر فيها والحجة التي قدمها وما الذي ظل مفتوحاً بعده. عند هذه النقطة يتحول تاريخ الفلسفة من سرد للماضي إلى ممارسة للتفكير. فالفيلسوف لا يعود لأفلاطون وأرسطو وديكارت وكانط لكي يضعهم في متحف الأفكار، بل لكي يستأنف معهم حواراً لم ينتهِ. وهذا بالضبط ما يجعل كيني جديراً بالقراءة اليوم.
من أرسطو إلى فتغنشتاين
كان أرسطو أحد كبار اهتمامات كيني، فكتب “الأخلاق الأرسطية” و”أرسطو في الإرادة” و”أرسطو في الحياة الكاملة”. لكن إضافة إلى أرسطو، كان هناك فتغنشتاين، وكان تأثير فتغنشتاين فيه عميقاً، خصوصاً بعد لقائه إليزابيث أنسكومب التي أدخلته إلى عالم فتغنشتاين وحلقاته الفلسفية. وظل هذا التأثير ظاهراً في أعماله حول العقل واللغة والدين والفعل.
من الممكن أن يبدو الانتقال من أرسطو إلى فتغنشتاين غريباً، لكنه يكشف عن شيء أساس في مشروع كيني، الفلسفة ليست سلسلة من المذاهب التي يلغي بعضهاً بعضاً. فأرسطو ليس مجرد فيلسوف “قديم” تجاوزه العصر، وفتغنشتاين ليس مجرد نقطة انطلاق لفلسفة حديثة، فكلاهما محاور فلسفي، مما يعني أن تاريخ الفلسفة لا ينتهي عندما يموت الفيلسوف أو يتوقف عن الكتابة، بل قد يبدأ عندئذ على نحو آخر، حين تتكاثر القراءات والتأويلات، وتدخل فلسفته في حوار مع أسئلة لم تكُن أسئلته هو. وهنا يدخل دولوز.
كيني ودولوز: تاريخ الفلسفة بوصفه جزءاً من ممارسة الفلسفة
قد يبدو الانتقال من أنتوني كيني إلى جيل دولوز أكثر غرابة، فكيني فيلسوف تحليلي شديد العناية بالوضوح والحجة والتمييز، بينما جعل دولوز من إبداع الأفاهيم قلب الفلسفة، وشن حرباً طويلة على صور التفكير الجاهزة وعلى التمثيل والتكرار العقيم. ومع ذلك، ثمة نقطة التقاء عميقة بينهما، وإن كان كل منهما يأتي إليها من طريق مختلف، الفلسفة ليست إعادة قول ما قاله الفلاسفة.
إن كيني يقرأ الفيلسوف لكي يعيد فتح المشكلة من خلال تحليلها وتدقيق حججها. أما دولوز فيقرأ الفيلسوف لكي يستخرج منه إمكاناً جديداً للتفكير، بل لكي يجعل الفيلسوف نفسه جزءاً من عملية إبداع فلسفي جديدة. لهذا لم يكُن تاريخ الفلسفة عند دولوز تاريخاً للفلسفة من الخارج، بل كان طريقة في ممارسة الفلسفة نفسها.
فحين كتب دولوز عن سبينوزا ونيتشه وبرغسون وكانط وليبنتس وهيوم وفوكو وغيرهم، لم يكُن يسأل فقط، “ماذا قال هؤلاء؟”، بل كان يبحث عن القوى التي يمكن تحريرها من فلسفاتهم، والأفاهيم التي يمكن إعادة تشغيلها داخل مشكلات جديدة. من هنا يمكن أن نقول، كيني يعيد فتح المشكلة من خلال تاريخها، ودولوز يعيد صوغ إمكانها من خلال تاريخها. والفرق بينهما كبير، لكن الالتقاء مهم. فكلاهما يرفض أن يصبح تاريخ الفلسفة مقبرة للفكر.
الفيلسوف ليس من يعرف أكثر
هنا تبرز مسألة تتجاوز كيني نفسه. يمكن للمرء أن يعرف تاريخ الفلسفة كله، وأن يحفظ أسماء الفلاسفة ومذاهبهم وأفاهيمهم، ومع ذلك لا يكون قد بدأ التفكير الفلسفي بعد. يمكنه أن يعرف ما قاله أفلاطون عن المعرفة، وأرسطو عن الوجود، وديكارت عن العقل، وكانط عن العقل المحض، ونيتشه عن العود الأبدي، وهايدغر عن الكينونة أو الكون، ودولوز عن الفرق أو التكرار، ومع ذلك يظل مؤرخاً للأفكار لا فيلسوفاً.
وهنا تأتي أهمية كيني بالنسبة إلينا، فمشروعه يذكّرنا بأن قيمة تاريخ الفلسفة لا تكمن في مقدار ما نعرفه منه، بل في ما نستطيع أن نفكر فيه بواسطته. وهذه نقطة تلتقي، بصورة لطيفة، مع ما كان موسى وهبه يصر عليه في التمييز بين الفلسفة والثقافة، ليست الفلسفة مقداراً من المعارف التي يمتلكها المرء، ولا مخزوناً ثقافياً من أسماء الكتب والفلاسفة، بل فعل تفكير.
كيني والدين: التمييز بين الاعتقاد والمعرفة
كان مسار كيني الشخصي في فلسفة الدين شديد الخصوصية، إذ بدأ حياته كاهناً كاثوليكياً، ثم انتهى إلى موقف “لا أدري” بعد أن قادته أسئلته الفلسفية إلى إعادة النظر في إمكان البرهنة العقلية على وجود الله. كتب “الطرق الخمس”، ثم “إله الفلاسفة”، ومن ثم “الإله المجهول”، وخصص محاضرة المعهد الملكي للفلسفة لعام 2007 لمسألة “المعرفة والاعتقاد والإيمان”، وهي من أكثر المواضيع دلالة على طريقته في التفكير. المهم هنا ليس الاتفاق مع كيني أو الاختلاف معه في الدين، بل التمييز. فالإيمان ليس المعرفة والاعتقاد ليس برهاناً و”اللاأدرية” ليست بالضرورة عداء للدين.
وهذا النوع من التمييز يبدو لنا اليوم أكثر أهمية مما يبدو للوهلة الأولى لأن إحدى مشكلات عصرنا هي أن الاعتقاد يستطيع أن يتنكر في صورة المعرفة، ثم يتحول بسهولة إلى يقين لا يقبل النقاش. الفلسفة، في هذه الحال، لا تحتاج إلى أن تصادر عقائد الناس، يكفيها أن تمنع الاعتقاد من أن ينتحل صفة الحقيقة المبرهَنة.
ماذا كان كيني يفعل فعلاً؟ ربما نستطيع الآن أن نفهم سر تنوع مشروعه. أرسطو والأكويني وديكارت وفتغنشتاين والعقل والإرادة والدين والمعرفة، تاريخ الفلسفة… هذه المواضيع تبدو متباعدة، لكنها تلتقي في شيء واحد، الرغبة في معرفة ما الذي نقوله حين نقول شيئاً فلسفياً، مما يفسر أيضاً كتابه “ميتافيزيقا العقل”، وأعماله في الفعل والإرادة مثل “الفعل والانفعال والإرادة” و”الإرادة والحرية والقدرة”.
لم يكُن كيني يكتفي بأن يسأل ما الجواب؟ بل كان يريد أن يعرف أيضاً ما السؤال؟ وما الأفهوم الذي نستعمله؟ وهل الحجة التي تقودنا إلى الجواب سليمة أصلاً؟ وهنا، مرة أخرى، نعود لدولوز، ولكن من طريق مختلف. فدولوز يعلّمنا أن المشكلة قد لا تكون في جواب خاطئ، بل في سؤال صيغ بصورة سيئة، أو في مسألة لم نحسن طرحها. وكيني يعلّمنا أن علينا، قبل أن نندفع وراء الإجابة، أن نفحص السؤال والحجة والأفاهيم التي تحملها.
لماذا يصبح كيني مهماً في عصر الذكاء الاصطناعي؟
هنا، في رأيي، تبدأ أهمية كيني الحقيقية بالنسبة إلينا، ففي زمنه لم تكُن وفرة المعرفة الرقمية قد تحولت بعد إلى المشكلة التي نواجهها اليوم، إذ إن المعرفة أصبحت متاحة أكثر مما ينبغي. يمكن للآلة أن تلخص تاريخ الفلسفة الغربية كله، ويمكنها أن تخبرنا ماذا قال أرسطو، وأن تقارن بين كانط وهيغل، وأن تشرح فتغنشتاين، وأن تقدم قراءة لدولوز، بل أن تكتب نصاً يبدو فلسفياً ويتضمن أشباه أفاهيم.
لكن هل يعني هذا أنها تتفلسف؟ وهل يعني أننا نتفلسف حين نطلب منها أن تفعل ذلك؟ هنا يعود سؤال كيني بقوة، ما الفرق بين معرفة الفلسفة وممارسة الفلسفة؟ فالآلة تستطيع أن تعيد إنتاج المعلومات، لكن الفلسفة تبدأ عندما لا تعود إعادة الإنتاج كافية، مما يقودنا إلى مشكلة جديدة لم تكُن بهذه الحدة خلال عصر كيني، التخمة المعرفية.
لم تعُد مشكلتنا اليوم أن نعرف قليلاً، بل أن نعرف أكثر مما نستطيع التفكير فيه. لهذا ربما نحتاج اليوم إلى ما سميناه “ملكة الحذف”، أو “الذهن الحاذف”، الذهن الذي لا يكتفي بالإضافة، بل يعرف أيضاً كيف يفرز ويستبعد ويحذف. فليس كل ما نستطيع معرفته يستحق أن يدخل الفكر وليس كل ما يمكن للآلة أن تنتجه يستحق أن نحتفظ به.
من تاريخ الفلسفة إلى استئناف الفلسفة
لهذا أرى أن أفضل طريقة لقراءة كيني بعد رحيله ليست أن نسأل ماذا ترك لنا؟ بل ماذا نستطيع أن نفعل بما تركه؟ وهذا هو الفارق بين تاريخ الفلسفة وممارسة الفلسفة، فتاريخ الفلسفة يخبرنا بما حدث. أما الفلسفة فتسأل ماذا يمكن أن يحدث الآن؟ كان كيني واحداً من أولئك الذين جعلوا تاريخ الفلسفة جزءاً من ممارسة التفكير. ودولوز جعل منه، بطريقة مختلفة تماماً، مادة لإبداع الأفاهيم. وبينهما، على رغم الاختلاف الكبير، يمكن أن نرى درساً واحداً، لا نقرأ الفلاسفة لكي نكرر ما قالوه، بل لكي نبدأ معهم، ومن خلالهم، وضدهم، تفكيراً جديداً. وهذا الدرس أصبح أكثر إلحاحاً اليوم. فإذا كانت الآلة تستطيع أن تستحضر تاريخ الفلسفة كله تقريباً، فما الذي يبقى للإنسان؟
يبقى أهم شيء، أن يسأل سؤالاً لم يكُن السؤال المطروح قبله، وأن يميز بين المشكلة وحلها وبين المعرفة والاعتقاد وبين الأفهوم وشبه الأفهوم وبين الثقافة والفلسفة وبين الكلام عن التفكير والتفكير نفسه.
هنا ربما يمكن أن نودّع أنتوني كيني بالجملة التي تلخص ما يعنينا منه، ليس المهم أن نعرف تاريخ الفلسفة، بل أن نعرف ماذا نفعل به. فالفيلسوف الكبير لا يترك لنا أجوبة وحسب، بل يترك لنا قدرة جديدة على السؤال.
وربما لهذا السبب، فإن أفضل ما يمكن أن نفعله بتاريخ الفلسفة هو أن نتركه يقودنا في النهاية إلى المكان الذي يبدأ فيه التفكير من جديد.