طالب عبد العزيز.. المصدر جريدة المدى
الانسانُ ليس حراً. والحرية تستعصي عليه في كل مكان، وغالباً ما تبوء محاولاته في أخذها بالفشل، وهو في مواجهة السلطات التي تسلبه حريته منذ الازل، وفي العراق تدسُّ الحرية برأسها خجلاً كلما تحدث أحدُ السياسيين بها، والعراقي ليس حراً، لا في بيته، ولا في المؤسسة حيث يعمل، ولا في السوق، ولا حتى في منامه، هناك قمع ممنهج، يتعرض له من المؤسسات الاجتماعية – الدينية، التي تعمل على تخديره، دون أن يشعر، وهناك قمع يتعرض له ويشعر به من المؤسسات السياسية –الأمنية وفي الحالين فهو مسلوب في حريته، ومقموع فيها أيضاً.
يكذب علينا من يقول بأنه يستطيع أن يكتب بحريته في نقد الأفكار، اللهم إلّا إذا كان مقيماً خارج العراق، وهذه تركة مقيتة ورثناها عن النظام السابق، ومن يقرأ في صحفنا ومدوناتنا في الانترنت يكتشف حجم القهر ومحاولات الهروب من تناول الحقائق الكبيرة، التي تعصف بحياتنا، ولا يقتصر أمر عبوديتنا في الأمن والسياسة والفكر أبداً، فالمختلف في الفقه أيضاً لا يملك الحرية في الحديث عن فقهه، وعليه أنْ يتستر على ما عنده، ويضيّق من حجم دائرة أتباعه، وينسحب ذلك على ما نتحدث فيه من الشعر والفنون والثقافة بعامة، فهناك المئات والآلاف من الذين يتربصون بنا ويوقفوننا على كل نأمة صدرت منا، وكل فكرة تعتمل برأسنا، لذا، نصمت ليطول حبل مقصلتنا.
وبصورة أعم؛ فقضايا مثل الحرية والعدالة والمساواة وسواها وهمٌ كبيرٌ في الكون، منذ أنْ خلق الانسان، ومهما بالغ البعض بالحديث عن وجودها في مكان آخر العراق، لن تسعفه الحجج والخلاصات، أمّا في شرقنا العربي والعراق بخاصة فهي الوهم الأكبر؛ ولا نخشى من قولنا باستحالة تحقيقها ولو بعد مئات السنين، فهي أكثر الحلقات فقداً في حياتنا منذ تأسيس الدولة العراقية الى اليوم، وبتصريح أكثر نقول: “نحن نعيش لأننا نصمت”. كانت أمّي تكررُ عليَّ أحدَ أشهر أمثالها” صير هدانْ وعيش لأمك زمان”. وواضح أنَّ الهدان: من الهدنة والتهادن.
بعيداً عن شرقنا العربي وعن عراقنا المنكوب بحريته أيضاً يمكننا القول بأنها(الحرية) لم تخلق كما يجب أن تكون في كبريات الديمقراطيات بالعالم، أمّا ما نشاهده ونسمع عنه في(العالم المتحضر) فهو لا يعدو أن يكون أكثر من تمظهرات فاقدة للحقيقة، قلما تصمد أمام البحث والنقد والتطبيق. ربما كان حال الحريات في أوروبا الغربية بخاصة بعد الحرب الثانية أفضل في خمسينات… الى سبعينات القرن الماضي إلّا أنها تآكلت في ما بعد؛ وهي اليوم في أسوأ أزمنتها، فالعالم (الحر) يغضُّ الطرف عن ما يجري في بلدان كثيرة، مثل فلسطين ولبنان والسودان والعراق وايران واليمن وأوكرانيا وبعض افريقيا وأمريكا اللاتينية، وما البلطجة الامريكية الأخيرة إلّا المظهر الأكبر في قرض حريات الشعوب والاستيلاء على ثرواتها.
لا نقول جديداً عن أوهام الحرية في مكان ما من العالم، لكننا نقول بأنَّ بلاداً كالعراق وعلى الرغم من كل ما يشاع عن التحولات الديمقراطية فيه هي بلا حرية حقيقية، وإذا وجدت فالوحيد الذي يمتلكها الحزب الديني الذي يملك السلاح، بالأمس كان أحدُ أنصار الجمهورية الإيرانية قد شتم العراقيين وبعده كان أحد الشيوخ المتحدثين قد شتم وبعلانية مطلقة العراقيين الذين خرجوا في تشرين، ووصمهم بأشنع وأقذع الصفات لكن، هل يجرؤ أحدٌ على مقاضاة هؤلاء؟ ولو حدث هل سيُعتقل أحدٌ منهم؟ أم ستهب العشرات من السيارات المظللة والهمرات وتترادف المكالمات لإعلان براءته.؟