لم تكن الدبلوماسية الأمنية التي تمارسها القيادة العامة في شرق ليبيا مجرد نشاط عابر في جدول أعمال الإقليم، بل تحولت إلى استراتيجية متكاملة في معادلة الحكم والسياسة. تشهد الخارطة الليبية عملية إعادة تشكيل متسارعة، يُعيد من خلالها القائد العام للقيادة العامة المشير خليفة حفتر، وحلفاؤه المقربون، وفي مقدمتهم نجله ونائبه صدام حفتر الذي بات يتصدر المشهد السياسي، تقديم أنفسهم كشركاء لا يمكن التغاضي عنهم في أي تسوية شاملة لمستقبل البلاد.
لا ينبع هذا التحول الملموس من مجرد توازنات القوة الميدانية التقليدية، بل يرتبط بقدرة مدينة بنغازي في الجزء الشمالي الشرقي من ليبيا على الاستثمار في سلة من الأوراق الأمنية والجيوسياسية الحساسة بالنسبة للقوى الدولية والإقليمية، بالتزامن مع متغيرات سياسية دراماتيكية داخلية أزاحت منافسين تاريخيين وأعادت ترتيب قواعد اللعبة.
أوراق أمنية حاسمة: من مكافحة الإرهاب إلى الرهائن
يقول مصدر أميركي مطلع لـ”أساس” إن الحوار الأمني بين واشنطن وبنغازي شهد قفزات نوعية تجاوزت مرحلة التحفظ الدبلوماسي السابق. ولم يأتِ هذا التقارب وليد رغبة سياسية مجردة، بل استند إلى خطوات ميدانية ملموسة قدمتها القيادة العامة في ملفات تُعد من الأولويات القصوى للإدارة الأميركية والدول الغربية.
إذ إنّه إلى جانب التنسيق الميداني في تجفيف منابع تنظيم “داعش” في الجنوب الليبي ومكافحة التنظيمات عابرة الحدود بإشراف صدام حفتر، والمساهمة السابقة في إطلاق سراح رهينتيْن روسييْن، جاءت العملية الأمنية النوعية التي أفضت إلى تحرير رهينة أميركيّ كان مُحتجزاً لدى “داعش” في النيجر لتشكل نقطة تحول مفصلية. قُرئت هذه الخطوة في واشنطن بوصفها دليلاً على امتلاك بنغازي نفوذاً استخباراتياً وعسكرياً يمتد عميقاً في منطقة الصحراء والساحل، وهو ما يجعل منها طوق نجاة أمنياً في منطقة تعاني من هشاشة متزايدة وتهديدات متصاعدة.
كما تندرج هذه الخطوة، بحسب المصدر، ضمن الرؤية الأميركيّة للقارة الأفريقيّة، والتي تتضمّن نقل الملفّ الأمنيّ من الجزائر إلى ليبيا، لاعتبارات سياسية أوّلها تراجع الثقة السياسية والأمنيّة الأميركيّة بقدرة الجزائر على تولي المهمّة.
خيوط عابرة المحاور: براغماتية الانفتاح على الجميع
تزامن هذا الاعتماد الأمني الغربي مع حركة دبلوماسية واسعة اعتمدت “البراغماتية المرنة” لتجاوز حالة الاستقطاب السابقة. ونجحت القيادة العامة في نسج شبكة علاقات متوازنة مع قوى إقليمية ودولية كانت حتى وقت قريب تقف على طرفي نقيض معها:
1- التقارب مع أنقرة والدوحة: أثمرت اللقاءات رفيعة المستوى التي عقدها ممثلو القيادة العامة، وفي مقدمتهم صدام حفتر، مع كبار المسؤولين الأتراك، وعلى رأسهم وزير الخارجية هاكان فيدان، عن تبريد جبهات التوتر السابقة وتأسيس تفاهمات حذرة حول المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة. وترافق ذلك مع فتح قنوات تواصل وبناء جسور مع الدوحة لتجاوز رواسب الماضي واكتشاف مسارات توافق إقليمي جديد. من ضمن ذلك لقاء جمع صدام حفتر مع وزير الدولة القطري للشؤون الخارجية محمد الخليفي.
2- صيانة الشراكة مع موسكو: حافظت بنغازي على ثقل توازنها الاستراتيجي عبر محادثات متواصلة مع الكرملين ووزارة الدفاع الروسية، وشملت لقاء جمع صدام حفتر مع الرئيس فلاديمير بوتين، بما يضمن للقيادة العامة مظلة أمنية وسياسية توازن الحضور الغربي.
3- التنسيق الإقليمي والإفريقي: استمرار الشراكة الوثيقة مع القاهرة وأبوظبي، بالتوازي مع تعزيز التفاهمات الأمنية مع دول الجوار الجنوبي، مثل تشاد والنيجر، وكذلك مع بيلاروسيا، بهدف ضبط الحدود ومنع تسلل المجموعات المسلحة وشبكات الهجرة غير الشرعية.
كواليس واشنطن: لقاء بولس ورؤية التسوية الانتقالية
في هذا السياق المتشابك، كشف المصدر الأميركي لـ”أساس” عن كواليس لقاء جمع بين صدام حفتر وممثليه والمبعوث الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس. تناول الاجتماع تقويم الخيارات المتاحة للخروج من حالة الانسداد المؤسسي التي تحكم المشهد الليبي منذ سنوات.
بحسب المصدر ذاته، تتدارس الدوائر السياسية في واشنطن صيغة تسوية واقعية تقوم على مقايضة معقدة لتوزيع السلطة بين الشرق والغرب:
– تسمية صدام حفتر رئيساً للمرحلة الانتقالية المقبِلة، بوصف ذلك ضمانة كافية لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية، وحماية خطوط إنتاج وتصدير النفط من أي توترات سياسية.
– إبقاء عبد الحميد الدبيبة على رأس المجلس الانتقالي، أو الحكومة الفيدرالية التوافقية، وذلك لامتصاص أي رغبة في المواجهة السياسية أو المسلحة من قبل القوى النافذة والمكونات الاجتماعية في الغرب الليبي، وإيجاد نظام يعتمد التوازن المعقد بدلاً من الإلغاء.
غياب سيف الإسلام.. وانكفاء ” القذافية”
تكتسب هذه الترتيبات قوة دفع إضافية بالنظر إلى التحولات الداخلية الجوهرية، وعلى رأسها التداعيات الناجمة عن اغتيال سيف الإسلام القذافي في شباط الماضي بمدينة الزنتان. هذا التطور الدراماتيكي لم يؤدِ فقط إلى إنهاء رمزية سياسية كان لها حضورها في المشهد، بل تسبب في انكفاء وتفكك الكتلة الشعبية والقبلية التي كانت تراهن عليه لإعادة إنتاج النظام السابق عبر الانتخابات.
مع غياب نجل القذافي، انفتحت الساحة السياسية في مناطق الوسط والجنوب وبعض جيوب الغرب على واقع جديد. إذ وجد أنصار النظام السابق أنفسهم بلا مشروع سياسي ناظم، مما أتاح لصدام حفتر والقيادة العامة امتصاص جزء غير يسير من هذه القواعد القبلية والانتخابية. هذا الفراغ يعزز حظوظ حفتر لدى العواصم الغربية التي باتت تراه المرشح الوحيد القادر على جمع هذه الشتات الاجتماعي تحت مظلة أمنية واحدة.
لا تعبر التحركات الأخيرة لصدام حفتر عن نجاحات مجانية، بقدر ما تعكس صعود “الفكر البراغماتي” في إدارة الملفات المعقدة. لقد أدركت واشنطن والعواصم الكبرى أن حل الأزمة الليبية، وتأمين منطقة الساحل الإفريقي، لا يمكن أن ينجحا عبر إسقاط الطرف الأقوى أمنياً وميدانياً من المعادلة.
تعتمد المقاربة الجديدة على تحويل نفوذ بنغازي من مصدر قلق إلى أداة ضبط واستقرار. إلا أن نجاح هذا المسار يظل رهيناً بمدى التزام الأطراف الليبية بصيغة المحاصصة الانتقالية المطروحة، وقدرتها على استيعاب تناقضات الشارع المترقب لأي انفجار جديد.
