ملخص
لم تصبح سوريا جنة سياسية أو اقتصادية، ولم تحل جميع أزماتها، لكنها وضعت نفسها على سكة الانطلاق. استعادت حضورها المالي تدريجاً، وتحركت لتوحيد القوى العسكرية ودمجها في مؤسسات الدولة، وبدأت تتحرر من الإرث الذي جعلها ممراً ومخزناً ومركز عمليات للمشروع الإيراني. الفارق ليس أن سوريا أنجزت كل شيء، بل إن السلطة فيها حددت الاتجاه، الدولة تتقدم والسلاح الخارج عنها يتراجع.
على رغم التحولات الإقليمية، لا يزال لبنان رهين معادلة ازدواجية الأقوال والأفعال، أمام الأميركيين والغرب والعرب يرفع شعار حصرية السلاح، ويتعهد بسط سيادة الدولة، ويتحدث عن الإصلاح والمحاسبة واستعادة القرار. لكن ما إن تُغلق أبواب الاجتماعات وتبدأ إدارة الداخل حتى تتغير القواعد، مهل مفتوحة وخطط معلقة وسقوط الخطوط الحمراء، وتوازنات تدار على القياس الذي يريده “حزب الله”. هكذا ولدت المعادلة اللبنانية الجديدة، نقول للخارج ما يريد أن يسمعه، وننفذ في الداخل ما يُطمئن الحزب وطهران.
هذه ليست ازدواجية “منظومة” حكمت لبنان منذ عام 1990. حصرية السلاح في البيانات، وحصرية التعطيل للحزب في الميدان. سيادة عالية النبرة أمام الكاميرات، واستسلام منخفض الصوت عند التنفيذ. مواقف تبدو كالقنابل السياسية، لكنها لا تتجاوز في حقيقتها حدود القنابل الصوتية، لأن السلطة أتقنت فن إعلان ما لا تنوي تنفيذه.
المفارقة أن هذه المراوحة تحصل في لحظة إقليمية استثنائية، فالشرق الأوسط الذي عاش أعواماً تحت وطأة تمدد المشروع الإيراني بدأ يتغير بسرعة. الدول التي كانت تقدم بوصفها ساحات نفوذ لطهران وأذرعها أخذت، بدرجات متفاوتة، تتحرك لاستعادة قرارها. الإقليم يغادر زمن الميليشيات إلى زمن الدول، بينما لا يزال لبنان يناقش ما إذا كان يحق لدولته أن تكون دولة.
في سوريا، حصل تحول لا يمكن إنكاره، البلاد التي كانت لعقود ممراً استراتيجياً للحرس الثوري وخط إمداد لـ”حزب الله” تحاول اليوم إعادة جمع القرار السياسي والعسكري في دمشق. السلطة الجديدة، مهما كانت الملاحظات على تجربتها وحجم التحديات التي تواجهها، تصرفت على أساس أنها تقود دولة، لا على أساس أنها تدير تسوية بين الدولة والدويلات. انفتحت على محيطها العربي والإقليمي، وأعادت بناء علاقاتها مع السعودية والإمارات وقطر وتركيا ودول غربية، ووقعت اتفاقات واستثمارات بمليارات الدولارات في الطاقة والنقل والمطارات والاتصالات والبنى التحتية.
لم تصبح سوريا جنة سياسية أو اقتصادية، ولم تحل جميع أزماتها، لكنها وضعت نفسها على سكة الانطلاق. استعادت حضورها المالي تدريجاً، وتحركت لتوحيد القوى العسكرية ودمجها في مؤسسات الدولة، وبدأت تتحرر من الإرث الذي جعلها ممراً ومخزناً ومركز عمليات للمشروع الإيراني. الفارق ليس أن سوريا أنجزت كل شيء، بل إن السلطة فيها حددت الاتجاه، الدولة تتقدم والسلاح الخارج عنها يتراجع.
وفي العراق، كسر رئيس الحكومة علي فالح الزيدي محظورات بقيت لعقود فوق المساءلة. أطلقت حكومته حملة ضد شبكات الفساد، ودخلت الأجهزة المنطقة الخضراء، وداهمت منازل مسؤولين وسياسيين، وأوقفت عشرات المتهمين، بينهم شخصيات نافذة، وصادرت أموالاً وعقارات ومركبات وذهباً مرتبطاً بملفات اختلاس وهدر للمال العام. أهمية الخطوة لا تُقاس فقط بحجم الأموال المستردة، بل بحقيقة أن السلطة قررت الاقتراب من منظومة كان يعتقد أنها محصنة إلى الأبد.
وفي موازاة ذلك، تحركت بغداد تجاه السلاح المنفلت، وحددت مهلاً للفصائل الموالية لإيران كي تسلم سلاحها أو تندمج في المؤسسات الرسمية. صحيح أن الطريق لم يحسم، وأن بعض الفصائل تقاوم وتحاول فرض التأجيل، لكن الدولة العراقية انتقلت من إنكار المشكلة إلى مواجهتها. لم يعد السلاح الموازي قدراً ممنوعاً الاقتراب منه، ولم تعد مكافحة الفساد مجرد شعار محفوظ في بيانات الحكومات.
حتى اليمن، وسط الحرب والانقسامات والدمار، تواصل سلطته الشرعية مواجهة الحوثيين بوصفهم تنظيماً مسلحاً انقلب على الدولة واستولى على أرضها، لا بوصفهم شريكاً دستورياً يحق له الاحتفاظ بجيش وصواريخ ومسيرات إلى جانب الجيش الشرعي. إمكانات الحكومة اليمنية محدودة، وتجربتها ليست مكتملة، لكنها في الأقل تحاول استعادة الأرض ومنع التنظيم التابع لإيران من تحويل اليمن إلى منصة للاعتداء على الدول المجاورة وتهديد الممرات البحرية.
سوريا تتحرك. العراق يتحرك. الشرعية اليمنية تحاول. أما في لبنان، فتتحرك الخطب وحدها.
لا يجوز اختزال ما حصل في لبنان بالصفر، فقد اتُّخذت قرارات رسمية مهمة، لكن لا يمكن تقديم انتشار الجيش في مناطق تغيرت وقائعها بفعل الحرب والضربات والانسحابات على أنه استعادة كاملة للسيادة. الدولة لم تتقدم إلى حيث توجد العقدة السياسية والعسكرية الأساس، بل انتشرت في المساحات التي سمحت بها موازين القوى.
إسرائيل فرضت بالضرب والاحتلال منطقة عازلة، ودمرت بنى عسكرية لـ”حزب الله”، فيما تعاملت الدولة اللبنانية مع النتائج بدلاً من أن تكون صاحبة المبادرة. أما خارج تلك المناطق، فلا تزال بنية الحزب العسكرية قائمة، ولا يزال سلاحه خارج سلطة الدولة، ولا تزال مؤسساته وشبكاته ومواقعه تُعامل كأنها واقع يجب التعايش معه لا كحالٍ غير شرعية يجب إنهاؤها.
أين الخطة الوطنية الواضحة لحصر السلاح على كامل الأراضي اللبنانية؟ أين الجدول الزمني القابل للقياس والمحاسبة؟ أين الإجراءات القضائية بحق من يخزن السلاح أو يهربه أو ينقله خارج المؤسسات الشرعية؟ أين سلطة الدولة على المعابر؟ وأين الدليل العملي على أن قرار الحرب والسلم أصبح في بيروت وحدها؟
في لبنان، كل شيء يعلن، وكل شيء يعلق. كل مهلة تلد مهلة، وكل خطة تُحال إلى خطة، وكل قرار سيادي يطمر تحت عنوان الحفاظ على السلم الأهلي. كأن السلم الأهلي لا يتهدده إلا قيام الدولة، ولا يحميه إلا بقاء السلاح غير الشرعي.
وإذا افترضنا أن قضية “حزب الله” ذات بعد إقليمي، وأنها متصلة بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة والتسويات الكبرى، فما حجة السلطة في ملفات الفساد؟ هل تمنع طهران فتح ملفات الكهرباء والمجالس والصناديق والصفقات؟ هل يحول “حزب الله” دون تحرير الإدارة من المحاصصة؟ هل تمنع إسرائيل تعيين أصحاب الكفاءة بدلاً من المحازبين؟ وهل يحتاج التحقيق في نهب المال العام واستعادة أموال المودعين إلى تسوية أميركية – إيرانية؟
منذ عام 1990، تراكمت عشرات مليارات الدولارات من الهدر والفساد والديون والصفقات المشبوهة، ثم انهار النظام المالي وحجزت ودائع اللبنانيين وتبخر جنى أعمارهم. ومع ذلك، لم يشهد لبنان حتى اليوم مسار محاسبة يوازي حجم الكارثة. لم تفتح الملفات الكبرى بالجدية المطلوبة، ولم تُستعد الأموال المنهوبة، ولم يحاسب المسؤولون عن الانهيار، ولم يحرر القضاء من التدخل السياسي، ولم تتغير عقلية التعيينات القائمة على توزيع الإدارة بين الأحزاب.
حتى القوانين المصرفية والإصلاحية التي أُقرت متأخرة لا تزال أمام اختبار التنفيذ. فاللبنانيون لا يريدون قوانين إضافية تصفق لها المؤسسات الدولية، بل يريدون أموالهم. لا يريدون لجاناً جديدة، بل محاسبة. ولا يريدون سماع أن الإصلاح بدأ، فيما الوجوه والأساليب وشبكات النفوذ نفسها لا تزال تتحكم بالإدارة والقضاء والأمن والاقتصاد.
هنا تظهر حقيقة الدولة العميقة. وهي ليست تنظيماً سرياً أو نظرية غامضة، بل شبكة مصالح واضحة تضم زعامات حزبية وطائفية، ونفوذاً مالياً ومصرفياً، ومتعهدين، ومواقع نافذة في القضاء والأمن والإدارة. هذه المنظومة لم تكن طوال العقود الماضية مجرد ضحية لـ”حزب الله”، بل كانت شريكته في إنتاج النظام القائم.
العلاقة بينهما قامت على صفقة غير مكتوبة: للحزب السلاح وقرار الحرب والسلم، وللمنظومة المال والإدارة والصفقات. للحزب حق تعطيل الدولة سيادياً، ولها حق نهبها اقتصادياً. هو يوفر الغطاء المسلح للنظام، والنظام يوفر له الغطاء السياسي والمؤسساتي. هو يستفيد من ضعف الدولة، وهم يستفيدون من وجود قوة تمنع المحاسبة وتضبط التوازنات وتحمي التسوية.
“حزب الله” حمل السلاح فوق الدولة، والمنظومة حملت الختم داخلها. الحزب صادر القرار السيادي، والمنظومة صادرت المال والقضاء والإدارة. هؤلاء نهبوا الدولة، وذاك منع قيامها. وبين المافيا والميليشيات دفع اللبنانيون الثمن من ودائعهم وضرائبهم وأمنهم وبيوتهم ومستقبل أبنائهم.
القول إن المشكلة ليست “حزب الله” وحده لا يعني تبرئته أو تخفيف مسؤوليته. الحزب قام بما أنشئ من أجله، راكم القوة وربط لبنان بالمشروع الإيراني وسيطر على قرار الحرب والسلم، واستفاد من ضعف المؤسسات. لذلك ليس مستغرباً أن يرفض التخلي طوعاً عن مكاسب جمعها خلال أربعة عقود.
المستغرب أن ترفض الدولة استخدام الفرصة التاريخية المتاحة لاستعادة نفسها. والأكثر خطورة أن تكون المنظومة الحاكمة لا تريد حسم هذه المواجهة، لأنها تعرف أن قيام الدولة الفعلية لن ينهي زمن الميليشيات وحده، بل سينهي أيضاً زمن المحاصصة والفساد والإفلات من العقاب.
الدولة الحقيقية لا تحصر السلاح فحسب، بل تفتح الحسابات أيضاً. تحاسب حامل الصاروخ وسارق الوديعة معاً. تضبط المعبر وتدقق في الصفقة. تستعيد قرار الحرب والسلم وتستعيد المال العام. لذلك تخشى المافيا قيام الدولة بالقدر نفسه الذي تخشاه الميليشيات، لأن الدولة حين تقوم لا تترك مكاناً لسلاح غير شرعي ولا لمال منهوب.
لبنان لا يحتاج إلى خطاب أشد لهجة، ولا إلى بيان جديد، ولا إلى قنبلة صوتية إضافية. يحتاج إلى سلطة تقرر أن تكون سلطة، خطة معلنة لحصر السلاح وقضاء يفتح الملفات الكبرى وأجهزة تلاحق المهربين وشبكات التمويل، وإدارة تتحرر من التعيينات الحزبية وخطة مالية تعيد الودائع وتحمل المسؤولية لمن صنعوا الانهيار.
المعيار ليس عدد مرات تكرار كلمة “السيادة” في خطابات المسؤولين، بل عدد المواقع غير الشرعية التي أُقفلت والأسلحة التي ضُبطت والمعابر التي أصبحت تحت سيطرة الدولة، والمسؤولين الذين مثلوا أمام القضاء والأموال التي استعيدت، والودائع التي عادت إلى أصحابها.
المنطقة تغادر زمن الأذرع الإيرانية، لكن لبنان لا يزال عالقاً فيه لأن الدولة العميقة تخشى قيام الدولة أكثر مما تخشى استمرار الميليشيات. والمشكلة لم تعد في غياب الفرصة، بل في وجود سلطة لا تريد استخدامها، لأنها بنت نفوذها وثروتها واستمرارها على التوازن القائم بين الفساد والسلاح.
إما أن تكسر السلطة هذه المعادلة، وإما أن تعترف بأنها مجرد مديرة لها. فالدولة التي تقول للأميركيين والعرب والغرب ما يريدون سماعه، ثم تدير الداخل وفق ما يريده “حزب الله” وإيران، ليست دولة متوازنة ولا سلطة واقعية، إنها منظومة توزع الأدوار، السيادة على المنابر والوصاية في الميدان.
