ملخص
مع تصاعد القيود الأميركية والصينية على نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، يتنامى القلق من تحول هذه التكنولوجيا إلى أداة صراع جيوسياسي شبيهة بالسلاح النووي. وفيما يتسارع السباق نحو “الذكاء الفائق”، يحذر باحثون من أخطار قد تهدد البشرية إذا غابت الضوابط الدولية.
بعد أقل من عام على إسقاط الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على اليابان، إيذاناً بانتهاء الحرب العالمية الثانية، أنهى الرئيس الأميركي هاري أس. ترومان فجأة التعاون النووي مع حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك المملكة المتحدة، على رغم أن علماء بريطانيين أدوا دوراً محورياً في تطوير الأسلحة النووية من خلال “مشروع مانهاتن”.
وأشعلت هذه الخطوة سباقاً للتسلح النووي كلف المملكة المتحدة 150 مليون جنيه استرليني، وهو مبلغ يعادل كامل الموازنة السنوية المقررة لـ”هيئة الخدمات الصحية الوطنية” التي كانت قد أُنشئت حديثاً، في وقت كانت البلاد لا تزال تكافح آثار تقنين السلع وإعادة الإعمار بعد الحرب. إلا أن نجاح “عملية هوريكان” Operation Hurricane [الاسم الرمزي لأول تجربة نووية بريطانية]، كما عُرفت، ضمن لبريطانيا استقلالها الدائم عن واشنطن في مجال أمنها القومي.
وبعد مضي 80 عاماً، يبدو أن السيناريو نفسه يوشك أن يتكرر، ولكن هذه المرة مع الذكاء الاصطناعي.
فقد حذرت مجموعة من أعضاء البرلمان البريطاني حديثاً من “احتمال عدم قدرة المملكة المتحدة على التعويل على حلفائها” في الوصول إلى تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي الحيوية، وتجد نفسها محرومة منها من دون سابق إنذار. ودعا التقرير الصادر عن “لجنة العلوم والابتكار والتكنولوجيا” البرلمانية الحكومة البريطانية إلى وضع استراتيجية للسيادة على الذكاء الاصطناعي، في خضم سباق عالمي جديد يعيد رسم ملامح التنافس الجيوسياسي، تماماً كما أعادت التكنولوجيا النووية تشكيل ميزان القوى بعد الحرب العالمية الثانية.
وقالت الدام تشي أونورا، رئيسة “لجنة العلوم والابتكار والتكنولوجيا” في البرلمان البريطاني “نشهد سباقاً لامتلاك السيادة في تكنولوجيات مثل الذكاء الاصطناعي، سواء اعترفت الحكومة بذلك أم لا”.
وأضافت أونورا، “تحتاج الحكومة إلى خطة واقعية لتحقيق قدرات مستقلة في المجالات الحيوية، وإلا فإنها تخاطر بأن يصبح وصولها إلى هذه المجالات رهناً بقرار شركائها… ومن دون ذلك، نخاطر بالتراجع أكثر في السباق العالمي على القدرات العلمية والتكنولوجية، بما يقوض ازدهارنا الاقتصادي وأمننا القومي”.
يأتي هذا التحذير في أعقاب قيود أخيرة فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على بعض نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً من تطوير شركة “أنثروبيك”، إذ اعتُبر [الوصول إليها] “تهديداً للأمن القومي”.
ومنع حظر التصدير الوصول إلى أكثر نماذج الشركة الأميركية تطوراً، “فايبل” Fable و”ميثوس” Mythos، اللذان تؤكد “أنثروبيك” أنهما كشفا بالفعل ثغرات برمجية في “كل نظام تشغيل رئيس وكل محرك بحث رئيس” في العالم، بما في ذلك ثغرات ظلت غير مكتشفة طوال عقود من الزمن. ويُنظر إلى النموذجين المذكورين على أنهما يشكلان تهديداً لأسس الإنترنت ذاتها، إلا أن إدخال إجراءات حماية جديدة أدى لاحقاً إلى رفع معظم القيود المفروضة عليهما. ومع ذلك، لا يزال “ميثوس” غير متاح أمام أي مؤسسة خارج الولايات المتحدة.
وفي تصريح لـ”اندبندنت”، قال جو هانكوك، رئيس قسم أخطار الأمن السيبراني والتحقيقات المعقدة في مكتب المحاماة اللندني “ميشكون دي رايا” Mishcon de Reya، “تُظهر الوقائع المتعلقة بـ’أنثروبيك‘ أن السيادة على الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد نقاش نظري في مجال السياسات العامة. تكشف هذه الواقعة كيف يمكن لتقنية متقدمة في الذكاء الاصطناعي، تُباع تجارياً ويُعتمد عليها فعلياً في الاستخدامات التشغيلية، أن تُسحب من جميع المستخدمين خارج الولايات المتحدة بقرار حكومي أحادي الجانب خلال ساعات قليلة، ومن دون أي فترة انتقالية”.
وفي وقت كانت الولايات المتحدة تحظر الوصول إلى نموذجي “أنثروبيك”، أفادت تقارير بأن السلطات الصينية كانت تعقد اجتماعات مع كبرى شركات التكنولوجيا المحلية لبحث فرض قيود محتملة على وصول الجهات الخارجية إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً لديها. وكانت السلطات الصينية قد منعت بالفعل استحواذ شركة “ميتا”، بقيمة ملياري دولار، على شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة البارزة “مانوس” Manus، التي تأسست في الصين. ويهدف هذا التحرك من جانب بكين إلى منع الشركات الأميركية من استقطاب المواهب المحلية والاستحواذ على الملكية الفكرية، ما قد يؤدي إلى تراجع الصين في سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي.
بل إن إحدى الشركات الناشئة الصينية تزعم أنها طورت بالفعل “سلاحاً نووياً سيبرانياً”، وفق توصيفها، يتمتع بقدرات تضاهي نموذج “ميثوس” من تطوير “أنثروبيك”، ويتمتع بقدرة على اكتشاف الثغرات البرمجية في البنى التحتية الحيوية واستغلالها على نطاق لم يكن ممكناً من قبل.
وردد هذا الطرح أيضاً مدير “وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية” جون راتكليف، الذي وصف قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة بأنها “بمثابة أسلحة نووية رقمية”. وقال خلال قمة “خدمات أمازون ويب” AWS في واشنطن الشهر الماضي: “يمثل الذكاء الاصطناعي، على وجه الخصوص، مجالاً يجب أن تتفوق فيه وكالة الاستخبارات المركزية، لأن كل قرار خوارزمي تترتب عليه آثار بالنسبة إلى التفوق الاستراتيجي للولايات المتحدة والأمن القومي لجميع مواطنينا”.
وكما وضع “قانون مكماهون” لعام 1946 حداً للتعاون النووي، يبدو أن قرار الولايات المتحدة تقييد الوصول إلى تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي قد أشعل سباق تسلح جديداً، يتخلف فيه معظم دول العالم، باستثناء الصين، عن الركب بفارق كبير. ولكن، وعلى خلاف الأسلحة النووية، التي يبلغ تطورها نهاية تكنولوجية واضحة نسبياً، فإن الوتيرة الاستثنائية لتطور الذكاء الاصطناعي ربما تجعل من الصعب على الدول الأخرى مجاراة هذا التطور.
ولا ينتهي هذا السباق إلا إذا بلغت دولة أو شركة مرحلة “الذكاء الفائق”، أو “الذكاء الاصطناعي العام” اختصاراً “أي جي آي” AGI، أي المستوى الذي يتجاوز فيه الذكاء الاصطناعي المتقدم القدرات المعرفية للبشر في جميع المجالات. عندئذ، ربما لا يعود تطوير هذا النوع من الذكاء الاصطناعي خاضعاً لسيطرة الإنسان، إذ تستطيع أنظمته تحسين أدائها ذاتياً بوتيرة متسارعة، والسعي إلى أهداف لا تتوافق مع مصالح البشر.
وقد حذر رئيسا شركتي “غوغل ديب مايند” و”أوبن أي آي”، المطوّرة لروبوت الدردشة “تشات جي بي تي”، من التهديد الوجودي الذي يشكله هذا النوع من الذكاء الاصطناعي، إذ وقع كل من سام ألتمان وديميس هاسابيس بياناً صادراً عن “مركز سلامة الذكاء الاصطناعي” يدعو الحكومات إلى التعامل بجدية أكبر مع هذه “الأخطار الجسيمة”. وجاء في نص البيان: “يجب أن يكون الحد من خطر الانقراض الناجم عن الذكاء الاصطناعي أولوية عالمية، جنباً إلى جنب مع الأخطار الأخرى التي تتهدد المجتمعات برمتها مثل الأوبئة والحروب النووية”.
وفي مايو (أيار) الماضي، نشر “معهد أبحاث ذكاء الآلة” Machine Intelligence Research Institute (MIRI)، وهو مؤسسة بحثية غير ربحية تتخذ من ولاية كاليفورنيا مقراً لها، مسودة إطار عمل صيغت على نسق المعاهدة التي وُضعت في خضم الحرب الباردة لمنع انتشار الأسلحة النووية.
وتستند هذه الوثيقة تحديداً إلى المادة الأولى من “معاهدة حظر الانتشار النووي” لعام 1968. وجاءت في 50 صفحة تحت عنوان “اتفاق دولي لمنع تطوير الذكاء الاصطناعي الفائق قبل أوانه”، إذ يدعو “معهد أبحاث ذكاء الآلة” إلى إبرام معاهدة عالمية تحظر تطوير أي تكنولوجيات قد تسفر عن عواقب “كارثية على البشرية” إذا تُركت من دون ضوابط.
وجاء في المقترح “لما كانت الولايات المتحدة والصين تتقدمان حالياً بفارق كبير على بقية العالم في قدرات الذكاء الاصطناعي، فقد صيغت هذه المسودة باعتبارها اتفاقاً ثنائياً بين البلدين”.
وأضافت مسودة الاتفاق، “نشير إلى أن الحظر ليس عادة السبيل الأمثل للتصدي للتكنولوجيات الخطرة، ولكن الذكاء الاصطناعي الفائق ينطوي على خطورة استثنائية… وكي يكون وقف تطويره فاعلاً، لا بد أن يمتد إلى جميع الدول”.
وحتى الآن، لم توقّع أي دولة على الاتفاق.
© The Independent
