سها مصطفى.. المصدر موقع درج
الأخطر من أن يصمت الناس أمام السلطة، هو أن يبدأوا في إنتاج الأعذار لها. وربما لم يكن صمت الركّاب في الباص ذلك اليوم خوفاً مباشراً من العسكري وحده. ربما كان أيضاً ارتباكاً أمام واقع جديد لم نعرف بعد كيف نفهمه.
لم أولد في دمشق، لكنّني أعيش فيها منذ اثنين وعشرين عاماً، وأتذكّر جيّداً لحظاتي الأولى فيها، وما بقي عالقاً في ذاكرتي عنها أكثر من أيّ شيء آخر: وجه كان يتكرّر في كل مكان، وجه رأس السلطة وعائلته.
كان وجهه على أبواب الجامعات والمدارس وفي الشوارع والساحات، وعلى كل جدار تقريباً يسمح بأن تراه عين المارّ. في البداية، لم أكن أنتبه إليه، ربما لأن كثرة تكراره جعلته جزءاً من المشهد، مثل أعمدة الكهرباء وإشارات المرور. كانت صوره تبدو أحياناً أكثر من أشجار الشوارع، صار وجود صوره “طبيعياً” وغيابها يلفت النظر.
ثم جاءت الثورة، وسقطت عن بعض الجدران صور الطاغية وشعارات “البعث”، ومع اشتداد القمع والعنف اتّسع الخوف، وازدادت الصور والشعارات حدّ الهزل.
أذكر جيّداً كيف تحوّلت ساحات دمشق بعد إعلان الأسد انتصاره على السوريين، إلى ما يشبه صفحات إنستغرام مفتوحة لاستعراض “بطولاته”: صوره في كل مكان، كأن السلطة كانت تريد أن تذكّر الناس في كل زاوية، بمن يملك المكان.
ثم سقط النظام وتمزّقت الصور وديس عليها في الشوارع، وللمرّة الأولى منذ سنوات بدت الجدران كأنها تستعيد حقّها في أن تكون جدراناً فقط، ومساحات للعب والخربشة والاحتجاج حتى وأحياناً حفظ الذاكرة، وبعضها كان متّسخاً، مشوّهاً ويحمل آثار سنوات طويلة، لكنّها بدت لي وكأنها تتنفّس من جديد. كنت أتخيّل الأيدي التي مزّقت تلك الصور وهي تقول، بطريقة ما: “لن نسمح لديكتاتور آخر بأن يحتلّ هذه البلاد”.
مرّ عام وتسعة أشهر على السقوط وبدأت مرحلة جديدة مع سلطة جديدة، وعادت الحياة لتشغل الناس بتفاصيلها الصغيرة: كيف يؤمّن أحدهم طعام أطفاله، كيف يدفع إيجاره، كيف يجد عملاً، وكيف يكمل يومه. ومع ثقل هذه التفاصيل، عادت الجدران شيئاً فشيئاً، إلى هامش الانتباه.
قبل يومين، أرسلت لي إحدى الناشطات صوراً لملصقات منتشرة في دمشق في أماكن شديدة الازدحام. عبارات تتحدّث عن الحجاب واللباس، وتمنع مصافحة النساء، وتحضّ على الصلاة ومنع الاختلاط. الغريب أنني أمرّ بهذه الأماكن باستمرار. أراها على الأرجح منذ فترة، لكنّني لم أفكّر يوماً في إخراج هاتفي وتصوير واحدة منها.
ربما لأن رأسي مثل رؤوس الكثيرين، ممتلئ بأشياء أخرى: كيف سأدفع الإيجار؟ متى سأتمكّن من السفر؟ كيف سأكمل الشهر؟
لكن عندما رأيت الصور التي أرسلتها الناشطة، شعرت بشيء يشبه الصدمة، ليس لأنني لم أرَ هذه العبارات من قبل بل لأنني أدركت فجأة أنني مثل كثيرين، بدأت أتعايش مع وجودها… خرجت أبحث عنها.
وجدتها في مواقع شديدة الازدحام: قرب الجامعات، في البرامكة، تحت جسر الحرّية، وفي محيط جسر فكتوريا. ولم تقتصر على الجدران، وجدتها أيضاً داخل بعض الباصات، وعلى زجاجها من الخارج، وكان من أكثر العبارات تداولاً: “عظّم ربّك ولا تكفر به”، و”الحجاب فريضة”.
شيء ما في المشهد أزعجني أكثر ممّا توقّعت. بدأت ألتقط الصور خلسة، لم يمنعني أحد، لم يقترب مني أحد. ومع ذلك، كنت أنظر حولي قبل أن أرفع هاتفي، ماذا لو سألني أحدهم: لماذا تصوّرين؟ ماذا تريدين من هذه الصور؟ وربما كانت التهمة جاهزة: “أنت فلول”. التقطت الصور بسرعة، ثم أدركت أنني أعرف هذا الشعور.
الشعور نفسه تقريباً الذي كان يرافقني عندما كنت أحاول تصوير شيء في الشارع في أيّام النظام السابق: التردّد قبل رفع الهاتف، النظر حولي، والتقاط الصورة بسرعة، والحساب السريع لاحتمال أن يسألني أحدهم: ماذا تفعلين؟ هذه المرّة لم يكن هناك حاجز أمامي. ومع ذلك، كان هناك شيء داخلي يقول لي: لا تفعلي. هنا فهمت أن سقوط السلطة لا يعني بالضرورة سقوط كل ما تركته فينا.
ليست هذه الملصقات صوراً لرئيس، وليست بالضرورة صادرة عن جهة رسمية، ولا أملك دليلاً على الجهة التي وضعتها. لكنّ وجودها في المجال العامّ أعاد إليّ عدّة أسئلة أعرفها جيّداً: من يقرّر ما الذي ينبغي أن تراه المدينة؟ ومن يملك حقّ أن يقول للناس كيف يعيشون؟ ومن يقرّر ما يُكتب على جدران المدينة؟ ومن يسمح له بأن ينتشر فيها؟
حتى طريقة صياغة بعض العبارات أثارت انتباهي. فعلى أحد الملصقات عبارات تتحدّث عن الموالاة في الله، وعلى آخر وصيّة بعدم إيذاء الجار. كل واحدة منها تبدو، منفردة، واضحة المعنى. لكنّ وجود هذه العبارات ضمن خطاب واحد في الفضاء العامّ، إلى جانب عبارات أخرى تتحدّث عن اللباس والاختلاط والحجاب، جعلني أتوقّف عند الصورة التي ترسمها هذه الملصقات مجتمعة عن الطريقة التي ينبغي أن يعيش بها الناس معاً. لم تعد تبدو لي مجرّد عبارات منفصلة، بل جزء من خطاب يدخل إلى الحياة اليومية من بوّابة الشارع.
المشكلة، بالنسبة لي، ليست في ورقة معلّقة على جدار بحدّ ذاتها. المشكلة في أن تصبح هذه الأشياء جزءاً من المشهد إلى درجة أننا نمرّ بجانبها من دون أن نسأل ونرفض.
في عهد النظام السابق، احتجنا سنوات حتى تصبح صور رأسه جزءاً مألوفاً من مشهد المدينة، نراها كل يوم من دون أن نتوقّف عندها. اليوم، وجدت نفسي أفعل الشيء نفسه، أستغرب للحظة.
حواجز جديدة… وأسئلة مألوفة
بعد نهار طويل، لم تعد لديّ طاقة كافية فقرّرت أن أستقلّ المواصلات العامّة، الباص أو السرفيس، أوقفت واحداً، صعدت وجلست. في السرفيس، كما يحدث عادة، لا يعرف الركّاب بعضهم بعضاً. غرباء تجمعهم مساحة ضيّقة، وفعل بسيط يتكرّر في كل رحلة: تمرير الأجرة إلى السائق. وجوه متعبة، أجساد صامتة، وكل شخص غارق في أفكاره، أو شارد في هاتفه أو في الشارع من خلف النافذة.
كان في المشهد شيء من الطمأنينة. لم يعد الطريق يبدو كما كان في السابق، حين كانت الحواجز جزءاً من تفاصيل الرحلة، وحين كان بعض السائقين يتعامل مع الخوف وكأنه أمر طبيعي، أو يدافع عن النظام وجرائمه. لا يعني ذلك أن التطبيل للسلطة اختفى، أو أن السلطة الجديدة لا تجد من يبرّر لها أخطاءها. لكنّه لم يعد المشهد الذي أراه بالطريقة نفسها في السرافيس التي أركبها اليوم.
وصارت السرافيس متوفّرة أكثر، وبدا الطريق، ولو قليلاً، أقلّ توتّراً. والحياة، بطريقة ما، تحاول أن تستعيد شكلها الطبيعي. يمضي السرفيس في طريقه، حتى يصل إلى حيّ المزّة 86، الحيّ شديد الإشكالية، كونه أُنشئ برعاية رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد، وكان مسكناً لميليشيا “سرايا الدفاع” وأسرهم، وبعد سقوط النظام ترك الكثيرون الحيّ، وتعرّض من بقي فيه للتهديدات الطائفية وشهد عدّة مداهمات و”عمليّات نوعية”.
وما إن اقتربنا من “المفرق” حيث مدخل الحيّ، حتى تغيّر الجوّ بالكامل.
يقف على جانب الطريق عناصر من الأمن العامّ، أحياناً يكونون من دون لثام، وأحياناً ملثّمين. يفتح أحدهم باب السرفيس:
“السلام عليكم”.
لا يردّ الجميع.
يتفحّص العسكري الوجوه، ثم يختار شخصاً من بين الركاب، شابّاً أو فتاة.
“الهويّة، بسرعة”.
في تلك اللحظة، يتجمّد الشخص لوهلة. يبحث عن هويّته بسرعة، لكنّ الخوف الذي يدفعه إلى الإسراع هو نفسه ما يجعل حركته أبطأ.
يُخرج هويّته ويسلّمها.
ينظر العسكري إليها ثم ينظر إلى صاحبها وربما إلى هاتفه، قبل أن يُعيدها.
“يلا، إمشي”.
وينتهي الأمر، أو هكذا يبدو، فما إن يبتعد السرفيس مسافة كافية عن الحاجز حتى يستعيد الركّاب أصواتهم. “لماذا أخذ هويّته؟”، “ماذا كان يريد؟”، “ربما لديه اسمه وصورته”، “ربما كان مطلوباً”، “ربما هناك تشابه”. احتمالات كثيرة، فيما يبقى الجواب الحقيقي عند العسكري وحده.
لكن لا أحد يسأل السؤال الأبسط: لماذا تريد هويّتي؟
منذ يومين تكرّر الأمر، فتح العسكري باب السرفيس وطلب هويّة فتاة. بدت، من مظهرها، كأنها طالبة جامعية في عامها الأوّل. تجمّدت للحظة، وكأن سؤالاً مرّ في رأسها: لماذا أنا؟، لكنّها لم تقل شيئاً… أعطته هويّتها.
وفي السرفيس، لم يعترض أحد. بل بدأ الركّاب، في غيابه، يقدّمون الأعذار والتفسيرات: ربما لديه اسمها، ربما لديه صورتها، ربما كانت مطلوبة. لكن كيف عرف أنها صاحبة الاسم؟ ولماذا اختارها هي تحديداً من بين جميع الركّاب؟ لا أحد يعرف.
وهنا، بالنسبة لي، لم يعد المشهد متعلّقاً بالهويّة وحدها. الخوف الذي عاشه السوريون طويلاً لم يكن يجعلهم يصمتون فقط، كان يدفعهم أحياناً إلى تفسير أفعال السلطة نيابة عنها، والبحث لها عن سبب منطقي قبل أن تطلب هي ذلك.
الأخطر من أن يصمت الناس أمام السلطة، أن يبدأوا في إنتاج الأعذار لها. وربما لم يكن صمت الركّاب في ذلك اليوم خوفاً مباشراً من العسكري وحده. ربما كان أيضاً ارتباكاً أمام واقع جديد لم نعرف بعد كيف نفهمه. سلطة جاءت بعد ثورة، وتقدّم نفسها بوصفها مختلفة عن السلطة التي سبقتها، ثم يظهر أمامك مشهد صغير يُعيد إلى الذاكرة سلوكاً تعرفه جيّداً: عسكري يفتح باب السرفيس، يختار شخصاً، ويطلب هويّته بلا تفسير. هل نحن أمام ممارسة أمنية عابرة؟ أم أمام عودة شيء ظنّنا أنه انتهى؟
ربما لا يملك الراكب جواباً. لكنّه يملك حقّ السؤال.
وهذا الحقّ تحديداً هو ما يجب ألا نفقده مرّة أخرى، شعرت بالخوف في تلك اللحظة. ليس من العسكري وحده، بل من الذاكرة التي استيقظت معه. فهذا المكان نفسه كان فيه حاجز قبل سقوط النظام. حاجز المزّة 86، الذي ارتبط في ذاكرة كثيرين بالخوف والاعتقال والاختفاء. بعد أن ابتعد السرفيس عن الحاجز، ومن دون أن أخطّط لذلك، قلت للركّاب: “ما الذي اختلف عن الحاجز القديم؟ الأمر نفسه”.
لم يُجبني أحد، ساد الصمت. وكان هذا الصمت، بالنسبة لي، أهمّ من الحاجز نفسه، لأن سقوط النظام قد يُزيل الحاجز من الشارع، لكنّه لا يُزيل بالضرورة السلوك الذي زرعه الحاجز داخل الناس.
بعد سقوط النظام، أُزيلت بعض الحواجز التي كانت تابعة للمزّة، وتحديداً حاجز 86 خزّان، أو هكذا ظنّ الناس. فقد تغيّر مكانه مسافة قريبة، وبقي حضور العناصر في المكان. في البداية، لم يكن هناك أكثر من كراسي، ثم جاءت كولبة تقي من الشتاء. والآن، غرفة أسمنتية بسقف قرميدي وأسرّة حديدية. كنت أراقب المكان وهو يتغيّر، لم يعد المشهد يشبه الحاجز الذي أعرفه، لم يعد هناك ذلك الشكل الذي التصق بذاكرتي لسنوات.
لكنّ سؤالاً ظلّ يكبر في رأسي: هل يكفي أن يتغيّر شكل المكان كي تتغيّر علاقتنا به؟
فالحاجز ليس الأسمنت والحديد والعسكري الواقف على الطريق فقط. الحاجز أيضاً أن تتوقّف عن السؤال قبل أن يطلب منك أحد ذلك، أن تسلّم هويّتك بصمت، أن تبحث عن تفسير يريحك بدل أن تطلب تفسيراً ممّن أوقفك، أن تنظر إلى الآخرين لترى إن كانوا خائفين مثلك قبل أن تقرّر إن كان من حقّك أن تتكلّم، الحاجز الحقيقي هو أن يصبح الصمت ردّ الفعل الطبيعي.
عشنا أكثر من نصف قرن في ظلّ سلطة جعلت السؤال مخاطرة والاعتراض تهمة، ورفع الصوت فعلاً يحتاج إلى شجاعة استثنائية. لذلك ليس غريباً أن يظهر هذا الخوف في لحظة صغيرة: أمام هاتف نرفعه لتصوير ملصق، أو أمام عسكري يطلب بطاقة هويّة، أو في سرفيس كامل يفضّل أن يفسّر تصرّف السلطة بدلاً من أن يسألها عنه.
الاستبداد لا يترك وراءه مؤسسّات فقط. يترك عادات أيضاً: في الخوف، وفي الكلام، وفي علاقتنا بالسلطة، لكنّ فهم هذا السلوك لا يعني أن نقبله. فالخوف الذي كان وسيلة للبقاء يمكن أن يتحوّل، إذا استمرّ، إلى أسلوب حياة. ليس المطلوب أن نتعامل مع كل عسكري بوصفه متّهماً، ولا أن نفترض أن كل طلب للهويّة يعني خطراً. المطلوب أبسط من ذلك، وأصعب في الوقت نفسه: أن نعرف أن السؤال حقّ: “لماذا تريد هويّتي؟”.
ربما كان أحد أهمّ أسباب طول عمر الاستبداد أن الخوف تحوّل مع الوقت، من شيء تفرضه السلطة إلى شيء يتداوله المجتمع نفسه. نتعلّم من بعضنا متى نصمت، ومتى لا نسأل، ومتى نبرّر، ومتى نقول لأنفسنا: “لا دخل لنا”، لكنّ سقوط نظام قديم لا يعني أن المهمّة انتهت. إذا كنّا قد قلنا يوماً: “لن نسمح لديكتاتور آخر بأن يحتلّ هذه البلاد”، فالمعنى لا يكتمل فقط بألا نسمح بعودة الديكتاتورية إلى السلطة. علينا أيضاً ألا نسمح للخوف الذي تركته وراءها بأن يحتلّ طريقة تفكيرنا.
قد يسقط نظام قمعي بأقلّ من أسبوع أو أكثر، لكنّ التخلّص من الطريقة التي علّم بها الناس أن يعيشوا قد يحتاج إلى وقت أطول بكثير. ولهذا، ربما لا يكفي أن نسأل اليوم: هل سقطت الحواجز؟ فالحواجز التي أُزيلت من الشوارع يمكن رؤيتها، ويمكن هدمها، ويمكن نقلها من مكان إلى آخر. أمّا الحاجز الأصعب، فهو الذي لا يقف أمامنا، هو الذي يجعلنا نصمت قبل أن يطلب منّا أحد ذلك، ويجعلنا نبحث عن الأعذار قبل أن نطلب التفسير، ويجعلنا ننظر إلى خوف الآخرين كي نقرّر إن كان مسموحاً لنا أن نتكلّم. ذلك هو الحاجز الذي بقي معنا: فهل سقط الحاجز الذي بقي داخلنا؟