لا وجود لـ”لو” في التاريخ، ذلك أن الجدوى تكمن في تحليل ما حصل بالفعل وتقدير نتائجه ومحاسبة المسؤولين عنه، بدل الغرق في افتراضات، بما أن هذا الـ”لو” لم يتحقق. مقدمة قد تجعل من قراءة بقية هذه السطور قليلة الفائدة، ذلك أن مطلع العنوان العريض نفسه حرف شرط وتمنٍّ، وكلاهما افتراضي. لكن إمكان تحقق التمنّي يوماً ما يفسح مجالاً لترف كتابة عن شيء لم يحصل، وخصوصاً أن مصطلح “شِبه” الذي يسبق “طبيعية”، يخفّض من سقف الطموح وينزل به من الأمل بالمِثال إلى الاكتفاء بالممكن الذي قد يُحرَز، وإن بكثير من الجهد.
إسرائيل ليست دولة طبيعية ولا شبه طبيعية، بل تعريف لـ”دولة الاستثناء” في خروجها عن قواعد بناء الدول الحديثة وأصولها وأسس الاجتماع البشري. فهي نصّبت نفسها دولة لليهود، وتصرّ على تسمية نفسها ديمقراطية، مع أنها حكر على فئة وإن كانت أكثرية من المواطنين، ويجاهر معظم أركان سياستها وعسكرها بتمييز عنصري رسمي (أي أبارتهايد) يمارس بحق أقلية تعدادها أكثر من 20% من السكان، بغضّ النظر عن أن بعض مفاعيل هذا التمييز يعفي المواطنين العرب من إجبارية التجنيد العسكري في الجيش. لكن حتى في هذه الجزئية، تظهر حالة لا طبيعية باستثناء المواطنين الدروز من لا إجبارية التجنيد الساري على المسلمين والمسيحيين العرب، من دون الحديث عن الاستثناء الأكبر في هذا السياق، أي إعفاء الحريديم من الخدمة في الجيش.
قراءة كل خبر يتعلق بنتائج انتخابات يوم الثلاثاء الماضي، توفّر فرصة إضافية للتفكير بكم أن هذه الدولة عوجاء وغير طبيعية. كتلة عربية لديها 19 نائباً تعرض قائمتها الكبرى (المشتركة) تقديم دعم ضمني، وقائمتها الصغرى (الموحدة) تأييد علني، لمعسكر مناهضي بنيامين نتنياهو كي يتمكن غادي أيزنكوت من تأليف حكومة، فيقابلهما الرجل بطرح أربعة شروط ليقبل دعمهما. دولة غير طبيعية إلى درجة يريد طالِب الدعم من عارِضه أن يوافق الأخير رسمياً وعلناً وبشكل مكتوب أن تكون إسرائيل دولة يهودية. عربي فلسطيني مطلوب منه أن يعترف بالتمييز العنصري الممارَس مؤسّساتياً ضده في بلده، وأن يوافق عليه، قبل الانتقال إلى شرط أن يقبل بالتجنيد الإجباري، والتزام القيم والمبادئ المنصوص عليها في “وثيقة الاستقلال” الإسرائيلية، وأن يعلن حركة حماس إرهابية. شروط يرى رئيس القائمة المشتركة يوسف جبارين محقاً في حوار مع صحيفة الغارديان البريطانية الاثنين الماضي أنها لا تعني تحالفه (11 نائباً)، لأنه لا ينوي الانخراط في ائتلاف حكومي يرأسه أيزنكوت، بل أن يكون مجرد “شريك للمعارضة” بغية السماح لزعيمها الأقل سوءاً من بنيامين نتنياهو وعصابته بتأليف وزارة عبر إدارة “تصويت تكتيكي” يسمح بتأليفها وعدم إسقاطها في الكنيست، على عكس القائمة الموحدة (الإسلامية) التي يعرض رئيسها منصور عباس المشاركة في حكومة كهذه. لكنّ يمينياً متطرفاً مثل أفيغدور ليبرمان، أحد أركان تحالف أيزنكوت الانتخابي، يرفض أي مساهمة عربية في حكومة يكون شريكاً فيها، ربما حتى ولو بصموا بالخمسة على شروط أيزكوت.
لو كانت إسرائيل دولة طبيعية أو شبه طبيعية، لكان حديثٌ عنصريٌّ بهذا المستوى الذي يُسمع ويقرأ ويُقال ضد المواطنين العرب منذ ما قبل الانتخابات، ويُمارس منذ سنوات ثلاث على الأقل، عرضة للمحاكمة. لكان نتنياهو سُجن منذ زمن طويل مع أركان حكومته. لكان معظم رموز السياسة والإعلام في إسرائيل ملاحقين أو ممنوعين من أي شأن عام، إن لم يكونوا خلف القضبان. لكانت تلك الدولة عوملت دولياً على الأقل مثلما جرى التصرف مع جنوب أفريقيا زمن نظام الفصل العنصري. لكنّ إسرائيل لا هي دولة طبيعية، ولا شبه طبيعية، والمواطنون العرب لا يملكون ترف تحييد أنفسهم عن السياسة فيها، لا بل إنّ حقهم وواجبهم ومستقبلهم تفرض عليهم الانخراط بكل الأشكال في السياسة ومؤسساتها ومساوماتها من دون أن يستمعوا إلى مزايدات تطالبهم بمقاطعة أنفسهم أو الهجرة من بلدهم.