-
صادق عبد الرحمن،،،، الجمهورية .نت
-
-
-
هل يُمكن صياغة الماضي السوري في حكاية أو حكايات تقول لنا من نحن؟ كيف تُدار الصراعات الاجتماعية والسياسية بشأن ما يبقى حاضراً من الماضي في المجال العام؟ وكيف يُستعاد الماضي ويُمثَّل بما يُسهِم في التماسك الاجتماعي اللازم لإرساء السلام الوطني واستمراره؟ نحاول في هذا الملف مقاربة هذه الأسئلة وتعقيداتها من زوايا متعددة.
هذا المقال هو السادس والأخير في ملف «الحكاية السورية وسياسة الذاكرة»، ونُشِرَ قبله مقال رؤى الطويل «السرديات والعدالة الانتقالية»، ومقال نوار قاسم «السلطة في سوريا وحكاياتها المُؤسِّسة»، ومقال باسم محمود «من يمنح المكان معناه؟»، ومقال ياسين السويحة «الذاكرة وعداً»، ومقال رشا عباس «الحق في النسيان».
* * * * *
ليس هناك حكاية تروي أحداثاً عامة وتحظى بإجماع شامل، كما أنه ليس هناك حكاية يُمكنها أن تقول «الحقيقة» الخالصة. الحكاية، أيُّ حكاية، ليست استعراضاً لحقيقة ما جرى بل هي دائماً تأويلٌ لما جرى، وكي نغادر الكلام النظري سريعاً، يمكن لنا أن نحكي عن متظاهرين سوريين خرجوا إلى الشوارع ضد نظام الحكم، وعندما ردَّ الأخيرُ عليهم بالرصاص حملوا السلاحَ في حرب ثورية انتهت بإسقاط النظام. ثم يمكن لنا أن نقول أيضاً إن متظاهرين من الأغلبية السُنّية خرجوا إلى الشوارع ضد نظام يقوده رئيس علوي، ما أدى إلى اندلاع حرب أهلية انتهت بانتصار فصائل مسلحة من الأغلبية على النظام. هاتان محاولتان سريعتان فقط، ويمكن لنا أن نكتب حكايات أخرى عديدة لتلخيص ما جرى في سوريا منذ آذار (آذار) 2011 حتى كانون الأول (ديسمبر) 2024.
بديهيٌ أن أياً من هذه الحكايات لا يقول «الحقيقة»، وإن كان بعضها أقرب إلى الحقيقة من بعض، وهي تستند إلى وقائع حقيقية أو إلى خليط من وقائع حقيقية وأخرى مُتخيَّلة، وتُعيد بناءها وتسميتها وإضفاء المعاني عليها. لكن ما قد يفوت هذه البديهية هو أن كثيرين يعتبرون أن الحكايات التي يؤمنون بها تقول «الحقيقة» الخالصة، وأن هذه «الحكايات الحقيقية» تتصارع في الذواكر والضمائر الفردية والجماعية، وتُستخدَم في الصراع على السيادة والسلطة والثروة والمعنى والحضور الرمزي، وتلعب أدواراً في طبيعة واستقرار السلم التالي للحرب، وفي التعويض المعنوي للناجين إذ تَمنح آلامهم معانيَ سامية قد تشفي بعض جروحهم.
وراء كل محاولة لحكاية أحداث عامة صراعٌ اجتماعي وسياسي ورمزي، وهو صراعٌ يطال طبقتين متداخلتين: الطبقة الأولى تخصّ البحث في الحقيقة، حقيقة ما حدث وما لم يحدث: «هل وقعت هذه المجزرة فعلاً؟ هل ارتكبتها هذه الجهة أم تلك؟»، وهو ما يندرج في مجال عمل التأريخ. وأمّا الطبقة الثانية فهي تأويل الوقائع وترتيبها في حكاية، وهو ما ينتمي إلى مجال الصراع على الهيمنة الرمزية، ويعتمد إلى حد كبير على الوقائع ويتداخل بشدة مع عملية التأريخ ويؤثر فيها ويتأثر بها، إلا أنه لا يقف عند الوقائع بل يُوظِفها في البناء السردي للحكاية، فينتَقي منها ما يجعله مرئياً ومركزياً أكثر من غيره، ويمنحها ويمنح الأطراف الفاعلة فيها تسميات وصفات، ويسند إليهم أدواراً قد تتوافق أو لا تتوافق مع حقيقة ما جرى فعلاً.
غير أن الحكايات تُعيد إنتاج «الحقيقة» من جديد، وهذا واحد من أبرز مكامن خطورتها، بمعنى أن ما تقرّه الحكاية بوصفه حدثاً وقعَ فعلاً، يصبحُ في مرتبة الحقيقة بالنسبة لمن يؤمنون بالحكاية بغض النظر عن مدى مطابقته للوقائع الفعلية. ويؤمن الناس بهذه الحكاية أو تلك لأسباب بالغة التنوع والتعقيد، تبدأ من توافق الحكاية مع مصالحهم ولا تنتهي عند توافقها مع ذاكرتهم الفردية وما شهدوه بأنفسهم من أحداث.
ما شهدته وتشهده سوريا على هذا الصعيد ليس استثناءً في تاريخ الحروب والصراعات السياسية والاجتماعية، لكن ما يمنحه بعض الاستثنائية هو أنه جاء في زمن وسائل التواصل الاجتماعي وسهولة التقاط الصور والفيديوهات. ترافقت الحرب السورية مع طفرة صناعة الأجهزة اللوحية منخفضة الكلفة، ومع انتشار الكاميرات سهلة الاستخدام، ومع سهولة نشر الأخبار وتداولها على نطاق واسع، بما يُصعِّبُ على أصحاب السلطة والمشاريع السلطوية إخفاء الأحداث التي يريدون إخفاءها من جهة، ويُسهِّلُ عليهم من جهة أخرى إنتاج «حقائق بديلة» عبر التضليل وفبركة الأخبار والتلاعب بالوقائع وخلط الحقائق بالأكاذيب لتغذية الخطابات الشعبوية، حتى إن مصطلح «ما بعد الحقيقة» بات يشيع عالمياً أكثر فأكثر منذ منتصف العقد الماضي، في إشارة إلى تراجع تأثير الأدلة والحقائق الموثوقة على تشكيل الرأي العام وبناء السياسات.
كثيراً ما يُقال إن الحرب السورية قد تكون أكثر حروب التاريخ «توثيقاً» حتى الآن، لكن العائد السياسي لهذا «التوثيق» الهائل ما يزال محدوداً بشدة، وذلك رغم التضحيات والجهود العظيمة التي قدَّمها عشرات النشطاء والإعلاميين والمواطنين الصحفيين على هذا الصعيد، ورغم الجهود الهائلة التي بذلتها منظمات التوثيق والأرشفة، والتي ساهمت في محاكمة مجرمين كبار وفي إتاحة الوقائع للمهتمين والباحثين والمساهمة بالتالي في عملية التأريخ. أقول إن العائد السياسي ما يزال متواضعاً لسببين اثنين: الأول أنه لا يبدو أن لدينا حداً أدنى من الإجماع الوطني بشأن الحقائق والوقائع بما في ذلك وقائع أساسية كبرى ومفصلية، والثاني أنه لا يجري استثمار هذا التوثيق الهائل في تكريس خطاب حقوقي وسياسي وطني يحول دون تكرار الانتهاكات.
في النقطة الأولى يجدر إعطاء أمثلة لشرح المقصود: لا يمكن الوصول طبعاً إلى إجماع تام بشأن كل واقعة كبيرة أو صغيرة، لكن القصد أن بعض الوقائع موثوقة أو موثّقة تماماً، ومع ذلك يستمر الإنكار أو التضليل بشأنها إلى درجة تعيق إمكانية الدفاع عن «الحقيقة». أُعطي مثالاً أولاً هو المجزرة الكيماوية في الغوطة الشرقية في آب (أغسطس) 2013، والتي ساهمت الماكينات الإعلامية الروسية والأسدية في التضليل بشأنها إلى حد أن شرائح واسعة في سوريا وخارجها ما تزال تُشكِّك فيها، سواء لجهة إنكار وقوعها أصلاً أو لجهة إنكار مسؤولية نظام الأسد عنها، مع أنها موثقة بشكل منهجي لا يترك مجالاً لأي شك معقول. والمثال الثاني عن سجن صيدنايا الذي شهد فظائع مروعة على يد الأسديِّين حكت عنها عشرات الشهادات والتقارير الحقوقية، إلا أن هناك من أطلق شائعةً عن مكبس بشري مزعوم فيه، وانتشرت الشائعةُ حتى باتت شرائح واسعة من السوريين تعتبرها حقيقة مؤكدة، رغم نفيها مراراً على لسان سجناء سابقين ومنظمة حقوقية موثوقة هي رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا. هذان مثالان فقط من بين أمثلة كثيرة أخرى تشير إلى صعوبة تحقيق إنجازات في معركة الدفاع عن الحقيقة اليوم، وإذا كانت نظريات المؤامرة وسياسات الإنكار والمعلومات المُضلِّلة ليست ظواهر جديدة، فأنها تصبح أكثر تأثيراً في ظلّ غياب مجال وطني سوري عام يمكن فيه الدفاع عن الحقيقة وإدراجها في ذاكرة أو معرفة جماعية مشتركة.
أمّا في النقطة الثانية فإنه يبدو جلياً كيف أن الحضور الكثيف لمشاهد وأخبار العنف والانتهاكات والجرائم لا يُستخدَم بفعالية لتكريس أن «هذا ما لا ينبغي تكراره»، بل لعلنا نلحظ جهداً معاكساً حثيثاً، إذ يتم استخدامه بشكل منظّم ومتواتر للتحريض والدفع إلى الانتقام وتبرير جرائم تحدث اليوم. من المثير للاهتمام ملاحظة كيف أن النشر على وسائل التواصل الاجتماعي كان يُقدم باعتباره وسيلة لمكافحة الانتهاكات، ثم انتهينا إلى أنه يُساهم اليوم بنشاط في تكرار الانتهاكات والتحريض على ارتكابها ربما أكثر مما يُساهم في فضحها أو وقفها. ليس هذا القول مرافعة ضد جدوى النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه يفتح سؤالاً جدياً بشأن هذه الجدوى، وبشأن مخاطر إتاحة مشاهد القتل والتنكيل والإذلال للتداول عبر الإنترنت، وتركها أداة في يد مُحرِّضين أو مجرمين كما نرى اليوم في الحالة السورية.
يشرح ما تقدَّمَ كيف أن الوقائع الموثوقة والموثّقة بشكل جيد لا تُنتِجُ بالضرورة حكايات أكثر متانة عن الماضي، وكيف أن التعامل مع تعقيدات الماضي يحتاج إلى مجال وطني ومؤسسات وطنية وسياسات وطنية، وهذا كله غائبٌ أو شبه غائب في سوريا اليوم. ولعل تكوين السلطة الحالية وتاريخها وسياساتها السلطوية الاستئثارية أمورٌ تلعب دوراً بارزاً في هذا الغياب، لكنه لم يبدأ معها ولا يقع التصدي له على عاتقها وحدها. الدور الكارثي الذي تلعبه السلطة الراهنة هو أنها لا تنتهج سياسات وطنية، وتُعيق على وجه الخصوص بناء مؤسسات وطنية مستقلة وفعّالة ذات صلة بالعدالة والحقيقة والتأريخ والأرشيف الوطني، وتُصرّ على تقديم روايات مختزلة لما جرى لا تتوافق حتى مع تاريخها وتاريخ قادتها، بينما ينشر أنصارها ومحسوبون عليها كثيراً من الأضاليل وخطابات التحريض التي تُعيق تشكيل مجال وطني.
يحمل السوريون ذاكرات متعددة ومتناقضة بشأن ما جرى منذ 2011، ويتداولون سرديات متعددة ومتناقضة أيضاً، ولا شك، كما قلتُ أعلاه، أن بعض السرديات أقرب إلى الحقيقة كثيراً أو قليلاً من غيرها، لكن لا شك أيضاً أن هذه الحكايات والذاكرات لا تتعدَّد بتعدُّد الأفراد وأهوائهم السياسية فقط، بل تتعدَّد أيضاً بتعدُّد الجماعات الأهلية التي ينحدرون منها وتعدُّد التجارب الشخصية التي خاضوها. وتشير «نسخ الحقيقة السورية» المتعددة بوضوح إلى عمق الأزمة الوطنية التي يعيشها البلد. وهي أزمة تاريخية كان يمكن أن تؤدي إلى انفراط سوريا إلى كيانات لولا الظروف الإقليمية والدولية التي تحول دون ذلك حتى الآن، ولولا تاريخ وطني يساهم في بقاء الكيان السوري رغم هشاشته وهشاشة إجماعاته الوطنية.
قد تبدو الصورة إذن بالغة التشاؤم، لكن ما يحتاجه السوريون اليوم هو إعادة الاعتبار للدفاع عن الحقيقة: أنَّ حقيقة ما جرى ممكنةُ المعرفة في أغلب الأحوال، وواجبةُ المعرفة في كل الأحوال، وواجبةُ الاعتراف بها عند معرفتها. وما يحتاجونه أيضاً هو الدفاع عن الذاكرة الفردية والجماعية، بمعنى الدفاع عن حق الأفراد والجماعات في حفظ ذاكرتهم ورويها وإحياء محطاتها البارزة، دون أن يُفهَم هذا باعتباره مطابقة بين «الذاكرة» و«الحقيقة»، ودون أن يكون التذكُّر مدخلاً لتأبيد الصراعات الاجتماعية أو لإنكار معاناة وآلام فئات من السوريين. ليست هذه معركة مستحيلة على ما فيها من مصاعب، وهي إن لم تُفلح في بناء مجال وطني يستوعب هذا التعدُّدَ في المدى المنظور، فإنها يمكن أن تُساهم في تأسيس أوضاع أقل توتراً في جغرافية وطنية واحدة نبدو جميعاً محكومين بها.
ليس مطلوباً ولا مأمولاً أن تسود حكايةٌ واحدةٌ لما جرى في سوريا منذ 2011، ولا يعني الدفاعُ عن الحقيقة أن ثمة «حقيقة» ينبغي فرضها عبر أدوات السلطة، كما لا يعني الدفاعُ عن الذاكرة التسليمَ بتطابق ما تحمله ذاكرات الأفراد والجماعات مع الوقائع التي جرت فعلاً. بل إن الدفاع عن «الحقيقة» و«الذاكرة» يعني العكس تماماً، أن يتراجع الاهتمام بفرض حكاية واحدة عبر السلطة ومؤسساتها، وأن يكون بوسعنا تصوّر مؤسسات وطنية مستقلة فعلاً تُعنى بالحقيقة والأرشيف والتأريخ، وأن ينجح السوريون في قبول تَعدُّد تأويلاتهم وحكاياتهم دون التورط في إنكار الحقائق، وأن ينجحوا في قبول الإحياء العلني للذاكرة دون توظيف ذلك لتبرير العنف أو التسلط على بعضهم بعضاً.
هذا طريق طويل، ولا يمكن أن ينجح دون سلطة تسمح ببناء مؤسسات وطنية، لكنه طريقٌ واجبُ السلوك على أي حال.
-