سوسن جميل حسن … ضفة ثالثة
في مجتمع، مثل المجتمع السوري الخارج من حرب مدمرة، فيه كثير من المكونات والثقافات، كشفت الحرب عن مشكلاته المعقدة، وعن تنامي التعصب وخطاب كراهية وانتشارهما، وتلعب في واقعه منصات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية المتنوعة والتطبيقات التي تتزايد باستمرار، يصبح السؤال الأصعب ربما: ما الأنسب لإعادة استقرار المجتمع وهدوئه، التعايش أم الاندماج؟ وهل تمتلك الدولة أدوات دعم أحدهما، في ما لو وُجدت النيّة؟ خاصة وأن التنشئة الاجتماعية لم تكن، وليست اليوم، عملية تكييف، بل هي عملية تقوم على معايير وأسس مستولدة من موروث الجماعة، أو تعتمد على الهويات الفرعية، ودون مستوى الدولة، بل إن الأفراد، بسبب تأثيرات الحرب، يطورون القواعد الاجتماعية باستمرار بالطريقة التي تجذب أفراد الجماعات وتجعلهم أكثر التصاقًا بها، ما يجعل من شبه المستحيل اعتبار الأنظمة الثقافية متماسكة، خاصة في هذه المرحلة.
تُعد المدن أكثر تزايدًا وتنوعًا سكانيًا من الأرياف، وهذا أمر معتاد ومعروف، فالمدن جاذبة حتى لسكان الأرياف، خاصة عندما تعاني المناطق الريفية والزراعية من أزمات مناخية أو شح وندرة في الأدوات اللازمة لتطوير اقتصادهم القائم على الزراعة أو الرعي وغيرهما من اقتصاد الأرياف، أو بحثًا عن فرص عمل وخدمات أوفر. وفي سنوات الحرب التي استمرت عقدًا ونصف العقد، وما يتلوها اليوم من اضطرابات وعدم استقرار سكاني – ليست المقالة بصدد مناقشته- شهدت موجات نزوح داخلي متكررة من بعض المناطق السورية باتجاه أخرى. هذا النزوح الذي جاء على شكل “تدفق مَوْجي” بسبب الحرب ساهم في زيادة وتنوّع الهويات الاجتماعية في معظم المناطق، وعمّق الفوارق بين الأفراد والمجموعات والمناطق. وأصبح من المهم ضمان التماسك الاجتماعي في مجتمعات تتميز بمثل هذا التنوع الثقافي.
في الواقع، لم يكن هناك اندماج يُبنى عليه من أجل استقرار المجتمع السوري وتطوره في ما مضى، حتى قبل الحرب، بل كانت هناك حالة من الاستقرار الوهمي هي أشبه بالاستنقاع، وتعايش مفروض من قبل سلطة شمولية وبقبضة أمنية. فالتعايش، وهو فعل السكن معًا بأبسط تعبير، يخلق ديناميكيات معقدة بين الأفراد والمجموعات البشرية داخل مساحات معينة، تبين بعد وقف الحرب وسقوط النظام البائد أنه كان تعايشَا هشًّا في غالبيته، لم يصمد أمام الهزات الارتدادية التي يعاني منها المجتمع السوري. لم يكن تعايشًا تضامنيًا، بل كانت هناك بذور صراع مضمر، لم يلبث أن خرج إلى العلن، وبدأت ملامحه تظهر على شكل عزلة، مظالم اجتماعية- مكانية، نزاعات، بل واعتداءات من قبل بعض الفئات السكانية على أخرى، بهدف تهجيرها وتملّك المكان وترسيخ هوية خاصة به.
لم تكن مجتمعاتنا مستقلة بالمعنى المرجو أو الكافي للقول إن التعايش هو خيار نابع من الإرادة أو متعمّد، بل كانت مكونات وهويات مقموعة من قبل سلطة مركزية سعت إلى تحقيق “الأمن” الذي يخدمها، وليس “الأمان” الذي يحتاج إليه المجتمع. ولم يكن لدينا ثمار من التاريخ والتقاليد المشتركة التي تُجمع طواعية أو برغبة لنتنعّم بها، ولم تكن السياسات العامة تعطيه بالًا أو تشجعه، حتى وصلنا إلى الأزمة التي أنتجت صراعات فرضت نوعًا قسريًا من التعايش مثلما لو كان فوق حقل ألغام.
أمّا الاندماج فهو مصطلح يُستعمل على نطاق واسع في السياسات الاجتماعية لمكافحة الإقصاء. يهدف إدماج الأشخاص إلى تمكينهم من استعادة مكانتهم داخل المجتمع، ويغطّي واقعًا اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا في آن واحد، ويقوم على تصوّر لنظام اجتماعي أوسع، حيث تتفاعل العلاقات بين الأفراد والمجتمع، وبين الدولة والمجموعات الاجتماعية.
هذا النزوح الذي جاء على شكل “تدفق مَوْجي” بسبب الحرب ساهم في زيادة وتنوّع الهويات الاجتماعية في معظم المناطق، وعمّق الفوارق بين الأفراد والمجتمعات (حماة، Getty) ربما من أهم المشكلات التي تعاني منها الشعوب الخارجة حديثًا من حروب بينية، هي المشكلات الاجتماعية، وصعوبة التعايش، أو الاندماج، خاصة في مجتمعات متعددة الأديان والطوائف والأعراق كالمجتمع السوري، فقد خلقت الحرب أشكالًا عديدة من اللامساواة الاجتماعية، بسبب التهجير وتدمير المدن والنزوح الداخلي والحالة الاقتصادية المتردية، علاوة على شح الموارد وتردي البنية التحتية وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية، بل وكشفت الحرب مستوى مريعًا من التهتك المجتمعي والتشظي. فالأوْلى بالسلطات في هذه الحالة هو خلق بيئات ملائمة كي يعتاد الأفراد على طرائق عيش تحقق لهم، أقلّه، الحدّ الأدنى من ضرورات الحياة، إضافة إلى ترسيخ أنظمة خدمية وبنية تحتية وعمران يجعل أساليب الحياة متشابهة، أو إدارة الحياة ضمن منظومة كبيرة، فبينما تغرق شوارع وساحات كثير من المدن بالنفايات، يمكن تفعيل برامج وطرائق تُكيّف سلوك السكان وتجعلهم ماثلين أمام القانون في حال اختراق هذه الطرائق شرط تأمين السلطة للبنية التحتية والأدوات اللازمة والخدمات، كما يحصل في الدول المتحضرة، حيث أصبحت النفايات مسألة حيوية في الثقافة العامة والرسمية، بل هناك تخصصات في هندسة النفايات، وهذا مثال من بين مسائل عديدة. عندما تتوافر هذه الظروف للمواطن مع التزام الحكومة بواجباتها، فلا بد من أن تنتظم الحياة الاجتماعية مستقبلًا بعد أن تدخل هذه العادات في السلوك اليومي. كذلك العمران، خاصة في المدن، صحيح أن العشوائيات ازدادت وتكاثرت حول المدن الكبيرة، لكن أيضًا في الأحياء المنظمة هناك فوضى في العمران، فوضى جمالية وخدمية، بسبب الفساد في بلديات المدن وفي ضابطة البناء بشكل خاص في غالبية المدن، عندما تُفعّل القوانين وتجري محاسبة المخالفين ويُعاقب من ينتهك القوانين، فإن تأمين ظروف السكن الملائم واللائق بالحياة الإنسانية سوف يُفعّل سلوكيات جماعية لدى الناس. وعندما تكون المدارس، التي جرى تدمير جزء كبير منها نتيجة العمليات العسكرية، على المستوى المناسب لاستقبال الطلاب، وتتوفر فيها الخدمات الجماعية اللازمة ويستفيد الجميع منها بالتساوي، سوف يعتاد الطلاب على سلوكيات يحرصون معها على مقراتهم الدرسية، كذلك بالنسبة إلى المستشفيات والمراكز الصحية، ويمكن القياس عليها في كل المقرات الرسمية والأماكن العامة. لا يمكن التقليل من شأن هذه الإجراءات الضرورية، والتي على إدارة الدولة أن تنجزها وتتابعها، في خلق أنماط حياة يتشارك فيها كل أفراد ومكونات الشعب، وفقًا لمبدأ المواطنة وعدم التمييز، فهذه الأمور تخفف من معاناة الشعب بكل مكوناته، وبالتالي تصبح عادات سلوكية وطرائق عيش تسهّل من عملية التعايش المكاني والتي لا بد أن ينجم عنها في ما بعد أشكال أخرى من التعايش حتى لو اختلفت الثقافات، وهذا وحده كفيل مع الوقت بأن يُوصل المجتمع إلى عتبة الاندماج.
تعدّ المصالحة بعد الصراع بداية مشروع الاندماج وعملية معقدة وشاقة تهدف إلى إعادة السلام والتماسك الاجتماعي في المجتمعات التي دمرتها الحروب الأهلية. والاندماج يحمل بعدين أو معنيين رئيسيين، ففي السياسة العامة يُستخدم كهدف مطلوب تحقيقه، أما بالنسبة لعلم الاجتماع، فالاندماج هو عملية اجتماعية قد تشهد، مثل أي عملية أخرى، تقدمًا أو تراجعًا أو ابتكار أساليب جديدة. أما الاندماج الثقافي، وهو الأصعب في تلك المجتمعات، فإنه يعارض الاستيعاب الثقافي كالمحاولات التي نشاهدها على مستوى المجتمع في كثير من المناطق السورية، وربما تسميته بمحاولات فرض الشمولية الثقافية وتذويب الهويات الفرعية تكون أدقّ، حيث لم يعد الشخص يتعرف على نفسه ضمن منظومته السابقة. والثقافة هي مجال يشمل كلًّا من المعتقدات والقيم والدين فضلًا عن التقاليد والعادات الغذائية أيضًا، من دون أن ننسى أنّ الطقوس والمعتقدات وبعض التقاليد الخاصة تستمر حتى بعد زوال الأسباب التي أدت إليها، بما أنها نتاج التجارب التاريخية السابقة ضمن المجموعة، وعندما يشعر أفراد مجموعة بالتهميش، أو محاولة “الإدماج” بالاستناد إلى سلطة ما، مهما كان نوعها، اجتماعية أم سياسية أم دينية إلى ما هنالك، فإن النزوع نحو التمسك بالهوية “الثقافية” الخاصة بالمجموعة يزداد، وبالتالي فإن المطالب الثقافية التي يُستهان بها قد تؤدي إلى استعار الطائفية، أو التنافر العرقي، أو حتى النزعة الانفصالية للهوية، وتصبح مبررات الفوضى، أو التمرد والثورة على الواقع، متوافرة بقوة.
لذلك فإن “الاندماج” في مراحل من هذا النوع، أمامه تحديات كبيرة كما أسلفت، كالانقسام المجتمعي الذي هو قائم بالفعل في المجتمع السوري، والخشية من تفاقمه في ازدياد، خاصة وأن تجارب الشعوب، الحديثة على وجه الخصوص، تقدم أمثلة عن هذا الموضوع، وهذا ما يرد في تقارير مراكز بحثية عديدة، منها ما يفيد بأن 50% من النزاعات تعود خلال خمس سنوات بعد حلّها، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الاستقطاب، ديني، سياسي، طائفي، أو عرقي. ومنها الفقر، الذي يتفاقم في هذه الحالة، وعدم المساواة الاقتصادية، وانهيار البنى التحتية والخدمات والمرافق. علاوة على تعثر العدالة بشكل عام، والعدالة الانتقالية بشكل خاص، هذا ما يمكن ملاحظته أيضًا في سورية، معاقبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة خلال الصراع أمر ضروري للضحايا، لكنه قد يعيد إشعال التوترات إذا كانت العدالة يُنظر إليها من قبل بعض الأطراف أنها منحازة.
كثير من الأمور تعدّ أساسية من أجل بناء الثقة بين المجموعات في المجتمع الواحد، هذه الثقة التي ستبقى تعاني لمدة طويلة بين المجموعات أو الأطراف المتصارعة أو التي شاركت في النزاع، والضرورية بشدة في الوقت نفسه من أجل إرساء سلام مستدام، كذلك الثقة بين هذه المجموعات والدولة في الوقت نفسه.
كل هذه الأمور ترجعنا إلى السؤال الأساسي: كيف يمكن الوصول بالشعب إلى العتبة الأولى من الاندماج المأمول كي يكون قادرًا على العيش في دولة مستقرة ويساهم في ازدهارها؟ إن تأمين حياة أو بيئة جغرافية ومكانية وخدمية ملائمة للعيش الإنساني، ولو بالحدود الدنيا، بالتساوي بين كل أفراد الشعب ومجموعاته، بضمانة القانون، يخفّف من “نكد” العيش وضيقه جماعيًا، وهو خطوة تأسيسية في طريق المصالحة التي تُسهّل التعايش وتَعِد بالاندماج، هذا يحتاج إلى أن يكون هدفًا وعملية مستمرة تتطلب الصبر والالتزام والإرادة الجماعية لبناء مستقبل أفضل.