ملخص
حقق “التجمع الوطني” مكاسب تاريخية في مجلس الشيوخ الفرنسي، مما عزز حضوره المؤسسي ومنحه زخماً إضافياً قبل الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027. لكن طبيعة انتخابات مجلس الشيوخ غير المباشرة تحد من اعتبار النتائج مؤشراً حاسماً إلى المزاج الشعبي، فيما تتواصل المنافسة بين لوبان وميلونشون ومرشحي الوسط على خلافة ماكرون.
حقق حزب “التجمع الوطني الفرنسي” اليميني المتطرف وحلفاؤه انتصاراً تاريخياً في انتخابات مجلس الشيوخ نهاية الأسبوع الماضي، في نتيجة ترسم ملامح باكرة للانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2027.
وانتُخب الأحد الماضي تسعة أعضاء في مجلس الشيوخ من حزب “التجمع الوطني” بزعامة مارين لوبان، فيما انتُخب عضوان آخران من حزب “اتحاد اليمين من أجل الجمهورية” المتحالف معه، وإضافة المقاعد الثلاثة التي فاز بها التجمع الوطني عام 2023، ارتفع عدد مقاعد الكتلة إلى رقم قياسي بلغ 14 مقعداً في مجلس الشيوخ.
وكتبت زعيمة الحزب ومرشحته للرئاسة على مواقع التواصل الاجتماعي إن “هذه النتائج فاقت ما كنّا نأمله، والمكاسب التي تحققت في أنحاء واسعة من البلاد تؤكد تسارع ترسخ حزب ‘التجمع الوطني’ على امتداد فرنسا”.
ويعني امتلاك حزب لوبان أكثر من 10 مقاعد أنه سيتمكن، للمرة الأولى، من تشكيل كتلة رسمية مع حزب “اتحاد اليمين من أجل الجمهورية” داخل مجلس الشيوخ، لكن كتل اليمين والوسط والاشتراكيين لا تزال الأكبر في المجلس.
ووصف محللون النتائج بأنها “محطة مهمة” للتجمع الوطني، الذي يواصل اكتساب الزخم قبل انتخابات العام المقبل، وفي ما يلي ما تعنيه هذه النتائج لفرنسا، فيما يستعد الرئيس إيمانويل ماكرون لمغادرة منصبه العام المقبل.
ماذا تعني هذه الانتخابات؟
تستمر ولاية أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي ستة أعوام، ويُنتخب نصف أعضاء المجلس، البالغ عددهم 348 عضواً، كل ثلاثة أعوام.
ويُنتخب أعضاء المجلس بصورة غير مباشرة من مسؤولين محليين منتخبين، ويشكل المجلس أحد شقي البرلمان الفرنسي، فيما تشكل الجمعية الوطنية، التي ينتخب الشعب أعضاءها، الشق الآخر.
وتعتمد الحكومة أساساً على نوابها في الجمعية الوطنية لتمرير التشريعات، لكن أعضاء مجلس الشيوخ يدققون أيضاً في مشاريع القوانين الجديدة ويناقشونها ويعدلونها.
ومن حيث الوظيفة، يشبه نواب الجمعية الوطنية أعضاء مجلس العموم البريطاني، أما أعضاء مجلس الشيوخ فقد يبدون أقرب إلى أعضاء مجلس اللوردات، لكنهم منتخبون ويمثلون السلطات المحلية في فرنسا ويتمتعون بتفويض انتخابي.
ما الذي تغير؟
نظراً إلى أن 178 مقعداً فقط من أصل 348 كانت مطروحة لإعادة الانتخاب نهاية الأسبوع الماضي، جرى التصويت في 64 من أصل 101 مقاطعة فرنسية، إضافة إلى بعض المقاعد المخصصة للفرنسيين المقيمين في الخارج.
وأظهرت النتائج الأولية التي نشرتها صحيفة “لوموند” أن حزب الجمهوريين من يمين الوسط سيحتفظ بـ128 مقعداً، انخفاضاً من 134، فيما يحصل حلفاؤه على 74 مقعداً، ارتفاعاً من 73.
ويأتي اليسار في المرتبة التالية من حيث حجم الكتلة، بعد فوزه بـ74 مقعداً، لكنه خسر أيضاً مقارنة بـ78 مقعداً حصل عليها في المرة السابقة، أما الوسط فاحتفظ بمقاعده الـ24 التي فاز بها عام 2023.
وقال أستاذ الدراسات الفرنسية المشارك في جامعة ووريك، ديفيد ليز، لـ “اندبندنت”، إنه “لا يحق التصويت إلا للمسؤولين المحليين المنتخبين، مما يعني أن هذه النتائج لا تقدم سوى صورة محدودة عن المزاج الشعبي، ومع ذلك فإن امتلاك اليمين المتطرف الآن ‘كتلة’ خاصة به داخل مجلس الشيوخ أمر مهم”.
وأضاف أن الأداء القوي لحزب الجمهوريين كان مفاجئاً في ضوء فضائح الفساد الأخيرة، ولا سيما تلك المرتبطة بالرئيس السابق نيكولا ساركوزي.
ورأى أن يمين الوسط ربما لا يزال قوة سياسية على المستوى المحلي، لكن من غير المرجح أن يترجم ذلك إلى المستوى الوطني، في ظل تراجع مرشحه الرئاسي برونو ريتايو في استطلاعات الرأي.
وأضاف “من المهم أيضاً أن حزب ‘فرنسا الأبية’ اليساري المتطرف، بقيادة جان لوك ميلونشون، الذي سيخوض بدوره انتخابات الرئاسة عام 2027، فاز بأول مقعد له في مجلس الشيوخ”.
وتابع “حقق الوسط والحزب الاشتراكي المنتمي إلى يسار الوسط أداء معقولاً، لكنه لم يكن بمستوى أداء يمين الوسط، وإذا كان مرشح من الوسط، كما هو متوقع، هو الأقدر على مواجهة لوبان وميلونشون في الانتخابات الرئاسية، فقد تكون هذه إشارة إيجابية”.
أما “التجمع الوطني” فستمنحه النتائج دفعة قوية، بعدما ارتفع عدد مقاعده من مقعدين عند دخوله مجلس الشيوخ عام 2014، إلى ثلاثة عام 2023، ثم إلى 12 مقعداً بعد الانتخابات الأخيرة.
وقال رئيس الحزب، جوردان بارديلا، إن حزبه سيشكل كتلة مع حزب “اتحاد اليمين من أجل الجمهورية” بزعامة إريك سيوتي، الذي فاز بمقعدين آخرين خلال عطلة نهاية الأسبوع، ليصل مجموع مقاعد الحزبين إلى 14.
ماذا يعني ذلك لفرنسا؟
لا تغير هذه النتائج شيئاً في الجمعية الوطنية، حيث تُسن القوانين، ولن تقلب موازين القوى في مجلس الشيوخ بصورة كبيرة، لكنها تدل على تحول في مستوى تأييد اليمين المتطرف بين المسؤولين المنتخبين، قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل (نيسان) المقبل.
وتتألف الهيئة الانتخابية التي تختار أعضاء مجلس الشيوخ من 172600 مسؤول منتخب محلياً، بينهم أعضاء مجلسي البرلمان، وأعضاء المجالس الإقليمية ومجالس المقاطعات والمجالس البلدية.
ويتناسب عدد أعضاء مجلس الشيوخ المخصصين لكل مقاطعة مع عدد سكانها، لكن صحيفة “لوموند” تحذّر من أن خريطة توزيع المقاعد لم تُحدّث منذ عقدين، مما يمنح باريس والمناطق الريفية وزناً أكبر من المناطق التي نما عدد سكانها بسرعة منذ ذلك الحين.
وحذر ليز قائلاً “نظراً إلى أن انتخابات مجلس الشيوخ تجمع بين نظام الجولتين في بعض المقاطعات، عندما لا يحصل أي مرشح على غالبية مطلقة في الجولة الأولى، والتمثيل النسبي في مقاطعات أخرى، وتجري العملية كلها في يوم واحد، فعلينا توخي الحذر قبل استخلاص استنتاجات واسعة من هذه النتائج”.
وأضاف “مع ذلك لا تزال النتائج توحي بأن الأحزاب المتطرفة تكتسب زخماً”.
وأظهر استطلاع للرأي نُشر قبل أسبوعين أن لوبان حافظت على تقدمها في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، فيما حلّ منافسها اليساري المتطرف ميلونشون ثانياً في معظم السيناريوهات التي شملها الاستطلاع.
وكان رئيس الوزراء السابق في عهد ماكرون، إدوار فيليب، المرشح الوحيد من يمين الوسط الذي تقدم على ميلونشون في أحد السيناريوهات التي شملها الاستطلاع، وتعادل معه في سيناريو آخر، فيما حلّ جميع المرشحين الآخرين خلف ميلونشون في كل السيناريوهات.
وقال الرئيس الاشتراكي الفرنسي السابق، فرانسوا هولاند، أول من أمس الإثنين، إنه قد يقرر خوض انتخابات الرئاسة عام 2027، لكن فقط إذا رأى أن لديه فرصة حقيقية للفوز.
وقال هولاند لصحيفة “لا ريبوبليكا” الإيطالية، إن “الترشح للرئاسة ليس قراراً يمكن اتخاذه باستخفاف، ولا سيما بالنسبة إلى رئيس دولة سابق مثلي”.
ورجح ليز أن يبرز فيليب بوصفه مرشح الوسط لمواجهة لوبان أو ميلونشون، مشيراً إلى أن سمعة هولاند لا تزال متضررة من ولاية رئاسية مخيبة للآمال، فشل خلالها في معالجة المشكلات البنيوية في الاقتصاد.
وأضاف “في هذه المرحلة، سيتعين على هولاند خوض الانتخابات مرشحاً مستقلاً من خارج مظلة الحزب الاشتراكي، وهو ما قد يشكل تحدياً كبيراً”.
