في روايته، يكشف كريم تفاصيل محادثات ولقاءات سبقت اجتماع أربيل، وما دار حول ترشيح نوري المالكي وتشكيل الحكومة ومواقف القوى الشيعية والكردية والقائمة العراقية، كما ينقل مضموناً مما سمعه مباشرة من سليماني، في محضر يقول إنه دوّنه بخط يده. وبين ما حمله من طهران إلى دمشق، وما سمعه من الأسد وسليماني، تتكشف صورة عن الاتصالات والرسائل التي أحاطت بالمساعي الرامية إلى فك عقدة تشكيل الحكومة. ويُختتم الحلقة الثانية بمحضر دوّنه بخط يده لكلام سليماني قبيل مبادرة أربيل، ويعدّه أصرح ما يكشف حقيقة الموقف الإيراني والكيفية التي حُسمت بها ولاية المالكي الثانية خارج حدود العراق
البحث عن مخرج لحكومة المالكي
لم يقف مكوك البحث عن مخرج عند عتبة طهران، فقد كان له جناح سوري أيضا، لأن أغلب قيادات القائمة العراقية كانت على صلة وثيقة بدمشق، وهو ما نبه إليه قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني نفسه.
هناك لاحظ فخري كريم انفتاحاً عند رأس الدولة، وعقبة عند من يدير ملفها العراقي. ويقول أن ذلك عائد لصلة قديمة تربطه بالرئيس السوري السابق بشار الأسد: “زرت دمشق لأكثر من مرة، والتقيت الرئيس بشار الأسد ومسؤولين آخرين، من بينهم اللواء آصف شوكت، رئيس جهاز المخابرات، خلفا للواء حسن خليل. كنت قد تعرفت على الرئيس بشار خلال وجودي في سوريا قبل سقوط نظام البعث، في لقاء مهم”. ويصف طبيعة تلك اللقاءات: “كانت لقاءاتي معه إيجابية على الصعيد السياسي، وودية على الصعيد الشخصي”.
في المرة الأولى، التقيت الرئيس بشار، ووضعته في صورة التجاذبات السياسية والخلاف حول الكتلة الأكثر عدداً، ومواقف مختلف الأطراف والمكونات. كان رأيه “أنهم يتابعون ما يجري باهتمام، وأنهم ليسوا في وارد التقاطع مع إرادة العراقيين، غير أنهم يتوقفون عند ما يطرح من آراء ويتفاعلون معها، ويلتقون بالجميع”. وأشار، في هذا السياق، إلى “لقاءاته مع الدكتور إياد علاوي وقيادات القائمة العراقية”، وحسم موقفه بالقول: “إن سوريا ستقف مع الرأي النهائي الذي تتوصلون إليه”.
في الجولة الختامية، قبيل اجتماع أربيل في 8 تشرين الثاني 2010، قصد كريم دمشق آتياً من طهران، وقد سبقه إليها اتصال من سليماني نفسه: “سألني سليماني عما إذا كنت سأتوجه للقاء الرئيس بشار الأسد، فأكدت له ذلك، فأجرى اتصالا مباشرا مع دمشق. علمت أن المتكلم من الطرف الآخر كان اللواء محمد ناصيف خير بك (أبو وائل)، معاون نائب الرئيس السوري للشؤون الأمنية، المكلف بالملف العراقي».
عقبة اللواء ناصيف
غير أن هذا اللواء كان هو العقبة، بآرائه التي كان يضفي عليها طابعاً قومياً متشدداً، بالغ التطرف تجاه التغيير الجاري في العراق والأطراف المشاركة في العملية السياسية، وكل قياداتها كانت تقيم في دمشق وتدير علاقاتها ونشاطاتها من مكاتبها في العاصمة السورية. ويذكر فخري كريم، عن الدور السلبي لأبي وائل: “للأسف الشديد، كانت للواء آراء لا تبدو إيجابية في التفاعل مع العراقيين، فبشكل خاص كان يرى أن كل ما يجري في العراق يتعارض مع الأماني القومية العربية، ولا تتجسد فيه شرعية وطنية، وأن الدستور الذي استفتي عليه الشعب العراقي — على ما فيه من نواقص — ليس سوى وريقة أميركية لا قيمة لها، ويرى في إقليم كردستان كياناً تقسيمياً لا شرعية له. وكان يعيد هذا الكلام على جميع الوفود العراقية التي تزور دمشق وتمر عليه باعتباره المسؤول عن الملف”.
يضيف كريم: “كان في استقبالي في مكتبه للانتقال إلى القصر الجمهوري، وخلال الاستراحة القصيرة بادر بالسؤال عن النتائج التي تمخضت عنها المداولات والاتصالات حول تشكيل الحكومة. أجبته أن العقدة في طريقها إلى الحل قريباً. تابع تساؤله: لكن السيد مقتدى الصدر، كما علمنا، ما زال رافضاً، وهو، لعلمك، موجود الآن في ضيافتنا. أجبته أن التواصل معه مستمر، ونحن بانتظار ما تسفر عنه الجهود المبذولة معه”.
يتابع الرواية: “لاحظت أنه نهض فجأة ودخل إلى مكتبه واتصل هاتفياً، ثم جاءني معتذراً وهو يقول: الرئيس يرحب بك وسيستقبلك في منزله، وليس في القصر. واقترح أن ترتاح لبعض الوقت في الفندق، وسأمر عليك لنقلك إلى مكان الموعد”.
مواجهةٌ حاسمة تكشف تناقضات الموقف السوري
عند وصولي، يقول فخري كريم: “فوجئت باتصال من طهران، وكان على الخط أبو مهدي المهندس. سألني ـ بعد أن قال إنه لا يشكك في نواياي، وإنما يريد اليقين ـ : هل صحيح أنك أخبرت أبا وائل ناصيف أنك تحمل وثيقة فيها توقيع السيد مقتدى الصدر على ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة؟ أجبته بانزعاج شديد: هل هناك مثل هذه الوثيقة؟ أجاب: طبعاً، لا وجود لها. قلت: إذن عليك أن تتصرف”.
كانت مواجهته لناصيف صريحة وغاضبة، ثبت فيها موقعه ثم موقفه، بحسب فخري كريم الذي يقول : “بادرته غاضبا: يا سيادة اللواء، أنا أجلس معك بصفتك مستشار نائب رئيس الجمهورية، لا مسؤولاً مخابراتياً، فلا أتوقع منك أن تُقولني ما يسيء إلى العلاقات بين الأطراف العراقية. أنكر ذلك، وقال إنه فهم مني أن الأمور انحلت، والسيد الصدر نفى ذلك؛ فقلت إنني أوضحت الموقف دون أن أتحدث عن موقف السيد الصدر، ولا عن وثيقة وقعها، ولا وجود لمثل هذه الوثيقة، وهذا محض افتراء مؤسف”.
ومن العتاب انتقل فخري كريم إلى إعلان موقف: “هذه مناسبة لأقول لك بوضوح: موقفي الشخصي، وأنا ممثل الرئيس وكبير مستشاريه، كان وما يزال ضد الحرب والاحتلال، فقد كنا نريد تحرير بلادنا من (الرئيس) صدام حسين وحزب البعث بوسائلنا الوطنية، لا بالأدوات الأميركية والاحتلال، ولا بالتدخل والدبابات العربية، وأعلنت هذا من قناتكم وإذاعتكم، ومن إذاعة (بي بي سي) و(صوت أميركا). غير أنني أقول لك بوضوح أيضا: إن حاملي السلاح في وجهنا هم قطعان إرهابية قاتلة من بقايا نظام البعث الساقط، وأننا، كعراقيين، نناضل بكل الوسائل السياسية لبناء عراقنا الاتحادي الديمقراطي المدني”.
ثم واجهه بما يبثه للوفود، وختم بتحذير: “أنت تقول للوفود العراقية الزائرة إنك لا تعترف بالوضع القائم في العراق، ولا بالدستور، ولا بشرعية إقليم كردستان، فهل هذا يعبر عن رأي القيادة السياسية السورية والرئيس السوري الذي نسمع منه خلاف كلامك؟ نحن نتمنى أن يكون لغيرنا دستور مصوت عليه، وانتخابات تشريعية حرة، ورئاسات منتخبة. وإذا واصلت هذا التعامل مع ممثلينا، فسأجد نفسي مضطراً إلى تعميم تقرير سياسي بما دار بيننا، مع الطلب إلى الوفود بالرد عليك أو بمقاطعتك رسمياً”.
اللقاء مع الأسد
جاء اللقاء مع الأسد على نقيض ذلك تماماً. يقول فخري: “التقيت الرئيس بشار، وفوجئت بأن اللقاء تم في مكتب منزله من دون تغطية إعلامية كالمعتاد، فتساءلت مستغرباً: هل هذا لقاء سري، سيادة الرئيس؟ أجاب: فهمت أنك قادم من طهران تحمل رسالة خاصة منهم. قلت: وهل سمعت، سيادة الدكتور، أنني عُينت مستشاراً لإيران؟ فأبدى أسفه للالتباس، وأشار إلى أنه سيعالج هذا الخلل”.
في صلب اللقاء، يؤكد كريم: “طلبت مساعيه الإيجابية مع القائمة العراقية لاعتماد المرونة، والتوصل إلى مشاركة تنسجم مع مكانتهم؛ وقلت إن الرئيس جلال طالباني والتحالف الكردستاني يدعمان المطالب المشروعة للعراقية والتكتل السني، ويؤكدان أن غيابهم سيلحق ضررا كبيرا بمستقبل البلاد، ويكرس الاصطفاف الطائفي”.
كان موقف الأسد إيجابياً، على حد قول كريم، “منذ لقائه الأول أيام المعارضة”. وعند الوداع، ترك الأسد لدى فخري كريم ملاحظة دالة. يقول: “لفت نظري، ونحن في الباب، قوله: أرجو أن تأخذ رأيي أنا، لا أي آراء أخرى تسمعها من أي كان، بالنسبة إلى سياستنا ومواقفنا”.
كلمة سليماني قبل قمة أربيل
في إحدى جلسات طهران الأخيرة، قبيل مبادرة أربيل عام 2010 التي مهدت لتشكيل حكومة المالكي الثانية، ثبت فخري كريم ما سمعه من الحاج قاسم سليماني في محضر بخط يده، عاداً إياه أصرح ما قيل في تلك الجولة وأكثره كشفاً عن حقيقة الموقف الإيراني.
جاء اللقاء مع الأسد على نقيض ذلك تماماً. يقول فخري: “التقيت الرئيس بشار، وفوجئت بأن اللقاء تم في مكتب منزله من دون تغطية إعلامية كالمعتاد
جاء ذلك ـ كما يقدم له ـ بعد أن عرض على الحاج سليماني آخر التطورات، وبخاصة معارضة المجلس الأعلى والصدر للمالكي. وفيما يلي جوهر ما قال سليماني، منقولا عنه:
“أتابع، متمنياً وقلقاً، استمرار التجاذبات السلبية التي من شأنها تصديع وحدة الشيعة. وللأسف، إن المجلس الإسلامي الأعلى يتذبذب فيما يعلن من مواقف ليست لصالح العراق. إنه يناور حين يقول إنه مع التحالف الشيعي، في حين يتصل مع اللائحة العراقية ويتحرك في المحيط العربي والإقليمي ليعلن موقفه المتميز الذي يستشف منه خلاف ذلك”
يضيف كريم ” وأرجو أن تؤكد للرئيس والإخوان أننا نواصل بذل الجهود مع قيادة المجلس لإعادته إلى جادة الصواب، وقد دخل الولي الفقيه على خط النصح لهم. وإذا واصل السيد محمد باقر الحكيم هذه السياسة المضرة، سنقف ضده بقوة، وحينذاك سترى من يقف معه. كل ما أخبرتك به في اللقاء السابق ثبتت صحته. استطعنا أن نجعل كل الشيعة يقفون مع مام جلال. صحيح أن السيد مقتدى أبلغ الدكتور إياد علاوي دعم ترشيحه للرئاسة، إلا أنه أبلغنا، عن طريق موفديه، أن ذلك كان للمجاملة. وليس لعلاوي، من وجهة نظرنا، سوى المجلس الوطني. وعليكم أن تتأكدوا أن العراقية ستشترك في نهاية المطاف في الحكومة. ولمعلوماتكم، فإن قيادات منهم كانوا عندي وأكدوا ذلك. وكل مناوراتهم تستهدف اللعب على الوقت والمراهنة على إمكانية تخريب ما تم الاتفاق عليه بين الأكراد والشيعة”.
مناورات لتفكيك التحالف وإحكام تشكيل الحكومة
يتابع كريم: “القائمة العراقية تتصور أنها تستطيع أن تمرر مَكْرها من خلال استمالة المجلس الأعلى، وإيهامه بأنها تدعم ترشيح الدكتور عادل عبد المهدي. ولكنها، دون شك، لن تدعمه، وستتمسك بمرشحها الدكتور إياد، حتى إذا تراجع المالكي. والهدف المباشر لمناورات العراقية الآن هو التحالف الشيعي الكردي، والسعي إلى شقه لإمرار مشروعهم. يتساءلون عن حقيقة إيماننا بالديمقراطية والاعتماد عليها. ونحن نقول لكم: هل إن الانتظار لحين فشل التجربة وتدمير العراق هو برهان هذا الإيمان؟ العكس هو الصحيح، يجب ألا نقبل انتظار مشاركة الجميع حتى ندمر البلد. هذا هو منطق من يقولون إنهم لن يقبلوا تشكيل الحكومة إلا بالرضوخ والقبول بالعراقية”.
يقول فخري كريم :أريد أن أكون واضحا معكم. إن قلقي مرده إلى أن التآمر المستند إلى العرب لا يستهدف ذبح الشيعة فقط، بل والكرد أيضاً.
- لقد حصلتم على ما حصلتم عليه، إقليم كردستان، والآن عليكم تثبيت ما حققتموه. إذا لم تقوموا بتثبيته سيضيع منكم، وستواجهنا احتمالات عدة، بما في ذلك الحرب.
- هناك ثلاث شخصيات سنية كانوا معارضين.. [ويشير هنا إلى طلال الزوبعي]، وجرى تفجير ثلاث سيارات.. وما حصل في البصرة.
ـ أنا قلق من استمرار تحفظاتكم بسبب اللائحة العراقية، وكذلك من الضغط الأميركي. وهذا يعني أنكم تساعدون على المذبحة.
ـ القنصل التركي في كركوك ناضل لمنع الأكراد والشيعة.
ـ أحمد داود أوغلو أبلغني أن مسعود لن يشترك من دون العراقية.
ـ انتقدنا المالكي لأنه أعاد العسكريين البعثيين وضرب الصدريين. فماذا جرى الآن حين لا يريدونه؟
ـ الآن عادل والمجلس يريان أن ما تقوم به إيران إنما هو مؤامرة.
رأيي أن تتحركوا لإفشال المؤامرة التي تستهدفكم، بالتعجيل في تشكيل الحكومة.
غدا سألتقي السيد مقتدى، وتحديداً حول ما نشر في التلفزيون بشأن الموقف من الورقة الكردية.
عليكم أن تعلموا أن اتفاقكم مع التحالف الشيعي معناه أنكم معنا… وسنحميكم.
الأصل في كل ما أكدت عليه هو تسريعكم في تشكيل الحكومة. البدريون كانوا هنا… وهم لن يكونوا إلا مع التحالف. ولا يجب أن يؤثر فيكم كلام عادل وحمودي.
رسائل إيرانية لتثبيت التحالف وإعادة توزيع الأدوار
يضيف كريم: “سمعت كلام السفير الأميركي مع عادل عبد المهدي حول رئاسة الجمهورية؛ فقد قال إنه سوف يقنع البارزاني. وأرسلت رسالة إلى المجلس الإسلامي قلت فيها إن هذا الماء لا يصب في نهر عادل. نحن ننظر إلى المالكي والطالباني وندعمهما بالقدر نفسه. هما بالنسبة لنا توأم، ومصداق تحالف الكرد والشيعة”.
يقول: “عندما التقى القائد علي خامنئي بالمالكي مؤخراً، أبلغه أن الطالباني بالنسبة لنا بالأهمية نفسها. وتحدث بشكل مفصل عن نجابة الكرد وتاريخ العلاقات التي تربطنا بهم، وتحدث باعتزاز عما قدمه البارزاني والطالباني أيام الحرب العراقية – الإيرانية. أتعجب من إصرار الأميركان وتمسكهم بأن يكون علاوي رئيساً للعراق. الحزب الإسلامي أبلغنا: إذا أصبح إياد علاوي رئيساً، فأين يكون موقع السنة؟ أود أن تكونوا على علم بأن سوريا ستتدخل لكي يشارك السنة في الحكومة، وستسمع ذلك أثناء لقائك بالدكتور بشار الأسد. وأرجوكم أن تبلغوا الأتراك بصراحة، إذا سألوكم، عن موقف سوريا والسنة. القبانجي عضو قيادي في المجلس الإسلامي، وتكلم باسم المرجعية كما يرغب. أحمد الصافي أعلن أن للمرجعية أدواتها ووسائلها، ويخطئ من يفسر سكوتها كما يريد”.
في نهاية حديث الحاج، يسجل فخري تعقيبه الوحيد في المحضر: “عقبت على ما جاء حول موقف الأخ مسعود البارازاني، وأن ما ورد عنه وعن مواقفه خارج الإطار المعروف إنما هو من باب التشويه والشغب. وسيادتك تعرف عنه أنه يقول صراحة ما يعتقد ويؤمن به، وليس معروفاً عنه خلاف ذلك. والمشكلة الآن في العرقلة لا علاقة لها بموقف الكرد، وإنما، كما تفضلت وشرحت، بالاختلاف داخل الصف الشيعي”.
فأجابه سليماني: “أعرف. وتأكيدي من باب تنشيط دوركم بقوة للتعجيل في حسم الأمور. ومن جانبنا، كما قلت لكم، فإن القائد خامنئي دخل على الخط بقوة، وسيتابع اللقاء مع المجلس، ويتواصل السعي مع السيد مقتدى”.
*سياسي وكاتب عراقي
