عصام الياسري.. جريدة المدى
كتب لي صديق عراقي رسالة صباحية قصيرة، لكنها لم تكن في حقيقتها رسالة صباحية عابرة. كانت رسالة مثقلة بقلق واضح على وطنه، وبذلك النوع من الألم الذي لا يحتاج إلى كثير من الكلمات كي يكشف حجم ما يعتمل في داخله.
قال لي: «أرجو أن تكون بخير وصحة وعافية، واعذرني أن أكون صريحا أمام مشاعرك الوطنية حينما تكتب بألم عما يجري في بلاد الرافدين، وطننا الذي نعرفه».ثم مضى في رسالته ليقول إن العراق، في شعوره، «انتهى منذ عقود»، وإنه لم يعد يأتي منه إلا الأخبار السيئة والمحبطة والسلبية. وتحدث عن عقود البعث التي أدخلت العراق في «دهاليز مظلمة»، وعن محيط إقليمي ودولي يرى أنه لم يعد يتعامل مع العراق باعتباره دولة تمتلك قرارها ومصالحها، بل باعتباره ساحة مفتوحة لتضارب المصالح والنفوذ. ثم قال عبارته الأكثر قسوة: «للأسف بلد منزوع السيادة، لا حول ولا قوة له».
وحين قرأت الرسالة حتى النهاية، لم أفكر أولا في كيفية الرد على صديقي ـ أوافقه الرأي أو أختلف معه في بعض تشخيصاته ـ. انما توقفت عند السؤال الأهم: كيف وصل إنسان عراقي إلى هذه الدرجة من اليأس تجاه وطنه؟
ربما هنا تكمن أهمية الرسالة كلها. فهي ليست مجرد رأي سياسي لشخص غاضب أو متشائم. إنها، في جانب منها، صورة لحالة نفسية وإنسانية يعيشها عراقيون كثيرون، بدرجات مختلفة، وهم ينظرون إلى بلدهم ويتساءلون: ماذا حدث لنا؟ وكيف وصل العراق، بكل تاريخه وثقله الحضاري والبشري، إلى هذه الحال؟
قد نختلف في تفسير الأسباب، وقد تختلف مواقفنا من المسؤولين عنها، وقد نرفض بعض التوصيفات الواردة في الرسالة، لكن من الصعب أن نرفض الشعور الذي يقف خلفها. فهذا الشعور لم يولد من فراغ.
العراقي عاش عقودا طويلة من الاستبداد والحروب والحصار والاحتلال والعنف والإرهاب والانقسام السياسي والاجتماعي، ثم عاش مرحلة طويلة من الاضطراب السياسي والفساد وضعف المؤسسات وتعدد مراكز النفوذ وتراجع الثقة بالدولة. وكل مرحلة تركت في ذاكرته جرحا جديدا، حتى تراكمت الجروح إلى درجة جعلت بعض العراقيين يشعرون بأن الوطن الذي عرفوه لم يعد موجودا بالصورة التي بقيت في ذاكرتهم.
لكن هل انتهى العراق فعلا؟ لا أعتقد ذلك. فالذي يمكن أن ينتهي هو نظام سياسي، أو مرحلة تاريخية، أو مشروع سياسي، أو صورة معينة للدولة، أما العراق كبلد وكشعب وكذاكرة وحضارة فلا يمكن اختزاله في حكومات فاشلة أو أحزاب متصارعة أو مراحل مظلمة.
المشكلة أن الإنسان العراقي بدأ يفقد شيئا أخطر من الأرض: يفقد الثقة بالمستقبل. وهنا تصبح القضية أكبر من أزمة سياسية. فالإنسان يستطيع أن يتحمل الفقر فترة، وأن يتحمل نقص الخدمات، وأن يصبر على البطالة، وأن يتجاوز أزمة أمنية أو اقتصادية، لكنه يصبح في وضع أكثر خطورة حين يفقد الإيمان بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم. عندها يتحول الوطن من مشروع للمستقبل إلى مجرد ذاكرة للماضي.
ولذلك فإنني أقرأ عبارة صديقي «العراق انتهى» بطريقة مختلفة. ربما هو لا يقصد أن العراق اختفى، وإنما يقصد أن الصورة التي كان يحملها عن العراق، بوصفه دولة ذات “سيادة؟” ومؤسسات ومكانة ومستقبل، قد تعرضت إلى تصدعات عميقة. وهنا لا يمكن أن نكتفي بالقول إن الآخرين هم السبب.
نعم، تعرض العراق لتدخلات خارجية كثيرة، وما زالت مصالح إقليمية ودولية تتقاطع فوق أرضه. نعم، لم تكن السياسات الأميركية والإيرانية والتركية والعربية تجاه العراق منفصلة عن مصالحها وحساباتها. ونعم، ترك الاحتلال وتفكيك مؤسسات الدولة بعد عام 2003 آثارا خطيرة لا يمكن تجاهلها. لكن السؤال الذي يجب أن نمتلك شجاعة طرحه هو: لماذا استطاعت كل هذه القوى أن تجد داخل العراق هذه المساحات الواسعة للتأثير؟
الدول الأخرى تتحرك وفق مصالحها. وهذه قاعدة في العلاقات الدولية لا تحتاج إلى كثير من التفسير. لكن الدولة التي تمتلك مؤسسات قوية، وقرارا سياسيا واضحا، وقانونا نافذا، ومجتمعا يؤمن بالمواطنة، تستطيع أن تحمي مصالحها حتى في أكثر البيئات اضطرابا. أما حين تصبح الدولة نفسها موضع تنازع، وحين تتعدد مراكز القرار، وحين يصبح السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية، وحين تتقدم الولاءات الحزبية أو الطائفية أو الفئوية على الانتماء الوطني، فإن السيادة تصبح عنوانا أكثر منها ممارسة حقيقية.
وهنا تبدأ مسؤولية العراقيين أنفسهم.
لا أقول ذلك لإعفاء السياسيين من مسؤولياتهم، ولا لأضع المواطن في موضع المسؤول الأول عن الخراب. فالسلطة تمتلك أدوات القرار، والسياسيون يتحملون المسؤولية الأكبر عن السياسات التي اتخذوها والنتائج التي ترتبت عليها. لكن الشعوب أيضا لا تستطيع أن تبقى خارج التاريخ.
إن استمرار الفشل السياسي لا يصبح ممكنا إلا عندما يجد بيئة تسمح له بالاستمرار. والفساد لا يعيش طويلًا من دون صمت أو قبول أو عجز اجتماعي عن مواجهته. والمحاصصة لا تتحول إلى نظام دائم إلا حين تتراجع فكرة المواطنة أمام الولاءات الأخرى. والاستبداد لا يستمر فقط بقوة السلطة، وإنما أيضا بضعف المجتمع وقدرته المحدودة على الدفاع عن حريته وحقوقه. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى العراقيين اليوم ليس فقط: من أوصل العراق إلى هذه الحال؟ بل أيضا: ماذا نستطيع أن نفعل حتى لا نترك هذه الحال لأبنائنا؟ إنها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سياسية. فالجيل الحالي يستطيع أن يغادر السلطة، وأن تتغير أحزابه، وأن تتبدل تحالفاته، وأن تنتهي صراعاته، لكن الأطفال الذين يولدون في العراق اليوم لن يستطيعوا مغادرة نتائج هذه السياسات. هم الذين سيرثون الاقتصاد الذي نبنيه، والتعليم الذي نهمله أو نطوره، والمؤسسات التي نحترمها أو نحطمها، والثقافة التي نرسخها، وعلاقة المواطن بالقانون، ومفهوم الدولة، ومستوى الحريات، وطبيعة العلاقة بين العراق والعالم. وهنا يصبح مستقبل الأجيال القادمة هو الاختبار الحقيقي لصدق أي حديث عن الوطنية.
ما قيمة أن نرفع شعارات الدفاع عن العراق إذا كنا نترك أبناءنا أمام دولة ضعيفة واقتصاد مأزوم وتعليم متراجع وفرص محدودة ومستقبل مجهول؟ وما قيمة الحديث عن السيادة إذا لم نتفق أولا على أن القرار الوطني يجب أن يصدر من مؤسسات الدولة، وأن السلاح ينبغي أن يكون خاضعا للقانون، وأن المواطن يجب أن يكون فوق الانتماءات الضيقة حين يتعلق الأمر بمصير وطنه؟
إن الوطنية ليست كلمات جميلة في المناسبات. الوطنية أن نضع الدولة فوق الحزب، والقانون فوق القوة، والمواطنة فوق الطائفة، والمصلحة العامة فوق المصالح الشخصية، ومستقبل الأطفال فوق حسابات السلطة الآنية. ومن هنا أيضا تأتي مسؤولية القوى المدنية والديمقراطية والمثقفين والصحفيين والنخب الاجتماعية. ليس كافيا أن نشخص الخراب. وليس كافيا أن نكتب كل يوم عن الفساد وسوء الإدارة والتدخلات الخارجية والانقسامات. المطلوب أن نساعد المجتمع على استعادة قدرته على التفكير والمساءلة والرفض.
فالتنوير في بلد مثل العراق ليس ترفا ثقافيا. إنه ضرورة سياسية واجتماعية. أن يعرف الإنسان حقوقه، وأن يدرك أن الدولة ليست ملكا للحاكم، وأن المسؤول ليس فوق القانون، وأن الاختلاف السياسي لا يعني الخيانة، وأن حرية التعبير ليست جريمة، وأن المواطنة لا تتطلب التخلي عن الهوية الدينية أو القومية أو الثقافية، وإنما تعني أن تكون كل هذه الهويات تحت سقف دولة واحدة وقانون واحد.
وربما يكون أخطر ما نواجهه اليوم هو أن يتحول اليأس إلى ثقافة عامة. حين يقول الشاب العراقي: لا مستقبل لي هنا. وحين يقول الأب: أريد أن يغادر أبنائي البلد كي يعيشوا بأمان. وحين يقول المثقف: لا فائدة من الكلام. وحين يقول المواطن: لا شيء سيتغير. عندها لا تكون الدولة قد خسرت معركة سياسية فقط، وإنما تكون قد بدأت تخسر الإنسان نفسه. وهذا أخطر من أي أزمة أخرى.
لذلك، حين عدت إلى رسالة صديقي، توقفت عند مفارقة لافتة. هو يقول إن العراق انتهى، لكنه لا يزال يتألم من أجله. والإنسان الذي لا يعني له وطنه شيئا لا يكتب عنه بهذا الألم. ربما تكون رسالته، رغم كل ما فيها من تشاؤم، دليلا على أن شيئا من العراق ما زال حيا في داخله. وهذا الشيء الحي هو الأمل، حتى لو جاء في صورة غضب. لذلك لا أريد أن أجيبه بأن العراق بخير، لأن العراق ليس بخير. ولا أريد أن أقول له إن كل شيء سيتغير قريبا، لأنني لا أملك مثل هذا الوعد. لكنني أريد أن أقول له شيئا آخر: العراق لم ينتهِ، لكن شيئا عميقا انكسر في علاقتنا به. وانكسار هذه العلاقة لا يعالج بالخطابات ولا بالشعارات، وإنما بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وبين الإنسان ووطنه، وبين الحاضر والمستقبل.
قد يكون الطريق طويلا، وقد لا نرى نحن نهايته. لكن ذلك لا يعفينا من مسؤولية البدء. فالأجيال القادمة لن تسألنا فقط: من الذي أخطأ؟ قد تسألنا سؤالا أكثر قسوة: ماذا فعلتم وأنتم ترون وطنكم يذهب إلى المجهول؟
وعندها لن يكون كافيا أن نقول إن الظروف كانت صعبة، وإن الخارج تدخل، وإن السياسيين أخطأوا، وإن الزمن كان قاسيا.
انما، سيكون علينا أن نجيب عن السؤال الذي يخصنا نحن. هل اكتفينا بالبكاء على العراق الذي فقدناه؟ أم حاولنا أن نمنح أبناءنا عراقا آخر، عراقا يستطيعون أن يعيشوا فيه مواطنين أحرارا، في دولة تحميهم، وقانون يساوي بينهم، ومستقبل لا يكون فيه الوطن سببا للهجرة، ولا السيادة مجرد كلمة، ولا الديمقراطية مجرد شعار؟ ذلك، في تقديري، هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا. فالعراق لا يحتاج اليوم إلى من يقول له إنه مات. إنه يحتاج إلى من يمتلك الشجاعة ليقول: لقد أخطأنا كثيرا، لكننا لن نسمح بأن يرث أبناؤنا أخطاءنا إلى الأبد.