يختصر أستاذ العلاقات الدوليّة في جامعة هارفرد، ستيفن إم. والت، مقالته المنشورة في مجلّة “فورين بوليسي” في 23 أيلول 2026، بسؤال أساسيّ: “ماذا كان سيقول مكيافيلّي عن ترامب؟”، ويذكّر بالقواعد التي وضعها نيكولو مكيافيلّي في كتابه الشهير “الأمير” ليستنتج أنّ ترامب يتصرّف، في جوانب عديدة، على خلاف النصائح التي قدّمها المفكّر الفلورنسيّ للحاكم الناجح، إلى درجة تجعله نموذجاً لـ”كيف تكون حاكماً سيّئاً للغاية”.
ينطلق والت في مقالته من تدوينة نشرها الاقتصاديّ الأميركيّ الحائز جائزة نوبل عام 2008، بول كروغمان، على منصّة “سبستاك”، قال فيها إنّ دولاً أخرى بدأت تفقد بسرعة خوفها من ترامب، وبدأت تتعاون في مواجهة ما وصفه بنهجه المتقلّب والحادّ في السياسة الخارجيّة. ويستشهد في هذا السياق بواحدة من أشهر أفكار مكيافيلّي: إذا كان من الصعب على الحاكم أن يكون محبوباً ومهاباً معاً، فمن الأفضل له أن يُخشى، لأنّ الناس متقلّبون ومودّتهم غير مضمونة، بينما يستمرّ الخوف بفعل “الرهبة من عقاب لا مفرّ منه”.
الأمير يثير الخوف… لا الكراهية
هنا تبدأ المقارنة المباشرة. فالأمير الناجح عند مكيافيلّي يجب أن يكون قادراً على إثارة الخوف والحفاظ على صدقيّة تهديداته. أمّا ترامب فيرى والت أنّ قدرته على ترهيب الآخرين تراجعت بسبب أخطائه وعدم كفاءة إدارته وتقلّبها. ويتساءل: ما جدوى التفاوض مع ترامب أو إبرام اتّفاق معه إذا كان من المحتمل أن يغيّر موقفه ويمزّق الاتّفاق بعد بضعة أشهر؟
مكيافيلّي يضع حدّاً مهمّاً لاستخدام الخوف: يجب ألّا يتحوّل إلى كراهية أو احتقار
لكنّ مكيافيلّي يضع حدّاً مهمّاً لاستخدام الخوف: يجب ألّا يتحوّل إلى كراهية أو احتقار. ولتجنّب الكراهية، يحذّر الأمير من الاعتداء على ممتلكات رعاياه أو نسائهم. ويقول والت إنّ ترامب انتهك القاعدة الأولى عبر ما يصفه بإثراء نفسه على حساب المال العامّ والإضرار برفاهية كثير من الأميركيّين بسياساته الاقتصاديّة، كما يتطرّق إلى حياته الشخصيّة وعلاقته بجيفري إبستين.
الأخطر عند مكيافيلّي هو أن يصبح الأمير محتقراً بسبب ظهوره بمظهر المتقلّب أو المستهتر أو الجبان أو المتردّد. وهنا يرى والت أنّ تقلّبات ترامب وعدم ثباته باتا واضحين، وأنّ قادة أكثر صلابة، مثل الرئيس الصينيّ شي جين بينغ، أدركوا ذلك واستفادوا منه. وبالتالي، بينما يسعى أمير مكيافيلّي إلى أن يكون مهاباً من دون أن يصبح محتقراً، يرى والت أنّ ترامب يسير في الاتّجاه المعاكس: لم يعد يثير الخوف كما في السابق، ويتّجه نحو أن يصبح مكروهاً ومحتقراً في الوقت نفسه.
الأمير يحافظ على المال… وترامب ينفق
تظهر المقارنة الثانية في إدارة المال. فالأمير الحكيم، وفق الفصل السادس عشر من “الأمير”، لا يحاول شراء ولاء رعاياه بالإسراف، لأنّ الإنفاق المفرط يستنزف موارده، ثمّ يضطرّه إلى فرض ضرائب ثقيلة وانتزاع المزيد من الأموال، فتكون النتيجة إثارة كراهية الناس.
يقارن والت هذه القاعدة بسجلّ ترامب الماليّ، ويقرّ بأنّ ترامب ليس أوّل رئيس أميركيّ يسجّل عجزاً كبيراً أو يخفض الضرائب على الأثرياء أو يزيد الإنفاق العسكريّ والدين العامّ، وأنّ الجمهوريّين في مجلسَي النوّاب والشيوخ شاركوه المسؤوليّة. لكنّه ينتقد إنفاق المال العامّ على ما يصفه بنزوات شخصيّة، مثل ممارسة الغولف، وكذلك وعد ترامب الأميركيّين بشيكات بقيمة خمسة آلاف دولار مقابل التصويت لحزبه، معتبراً أنّ ذلك يعني عمليّاً رشوتهم بأموالهم وزيادة العجز.
بينما يدعو مكيافيلي الأمير إلى الحذر الماليّ حتّى لو أكسبه ذلك سمعة البخل، يرى والت أنّ ترامب يفتقر، بصفته رئيساً، إلى الانضباط الماليّ الذي اعتبره مكيافيلّي ضروريّاً للحفاظ على السلطة.
الأمير يتقن فنون الحرب… وترامب يسيء تقدير القوّة
يخصّص مكيافيلّي فصلاً كاملاً من “الأمير” للشؤون العسكريّة، ويحثّ الأمير على إتقان فنون الحرب. ويقرّ والت بأنّ القادة السياسيّين المعاصرين ليسوا مطالبين بمعرفة كيفيّة قيادة سرب أو سفينة أو جيش، لكنّ فهم دور القوّة العسكريّة وحدودها، والظروف التي يمكن أن تقود إلى النجاح أو الفشل في الحرب، يظلّ ضروريّاً.
يقدّم والت حرب ترامب مع إيران مثالاً على أهميّة نصيحة مكيافيلّي، وينتقد تعيين ترامب وزير دفاع يصفه بأنّه غير كفوء، ووضع قادة مطيعين في مواقع مهمّة، وإسناد أدوار دبلوماسيّة أساسيّة إلى صهره وإلى محامٍ متخصّص في العقارات لا يملك خبرة في الشؤون الدوليّة.
يقارن والت بين إصرار ترامب على إقامة عرض عسكريّ في واشنطن تزامناً مع عيد ميلاده وبين ما يعتبره فشلاً في إجراء تقويم دقيق لمزايا الحرب مع إيران ومخاطرها. ويصف الصراع بأنّه غير قابل للحسم، وأنّه يضرّ بالاقتصاد العالميّ ويقوّض موقع الولايات المتّحدة في الشرق الأوسط وخارجه. ويخلص إلى أنّ الرؤساء ليسوا مطالبين بأن يكونوا خبراء عسكريّين، لكنّ مكيافيلّي كان سينظر بعين الريبة إلى قائد يجهل فنون الحرب وحدودها.
لا للانتقام
كان مكيافيلّي يعتقد أنّ الأمير يجب أن يحكم بحزم وألّا يتردّد في فرض العقاب، بما في ذلك إزهاق الأرواح عندما يستحقّ شخص ذلك، لكنّه يشترط وجود مبرّرات وجيهة وسبب واضح. أي أنّ القسوة يجب أن تكون مبرّرة ومشروعة، لا تعسّفيّة أو شخصيّة.
يقول والت إنّ محاولات ترامب استخدام وزارة العدل ضدّ من يعتبرهم أعداء شخصيّين تتعارض مع هذا التحذير. ويذكر المدّعي الخاصّ السابق جاك سميث، ومدير مكتب التحقيقات الفيدراليّ السابق جيمس كومي، والرئيس السابق للمعهد الوطنيّ للحساسيّة والأمراض المعدية أنطوني فاوتشي، وغيرهم. ويرى أنّ هذه الممارسات تتعارض مع تحذير مكيافيلّي. فأمير مكيافيلّي قد يكون قاسياً عندما تفرض مصلحة الدولة ذلك، لكنّه لا يستخدم أجهزة الدولة لتصفية حساباته الشخصيّة، وهو يدرك أنّ القادة قد يضطرّون أحياناً إلى القيام بأفعال قاسية، لكنّه عارض القسوة التعسّفية باعتبارها خطيرة وخطأ.
الخداع ونقض العهود
يقرّ مكيافيلّي أيضاً بالحاجة إلى الخداع، ويذكّر الأمير بأنّه قد يحتاج أحياناً إلى نقض عهده إذا أصبح ذلك مخالفاً لمصلحته. ويقول والت إنّ سجلّ ترامب في الأكاذيب والوعود الضائعة قد يوحي بأنّه أخذ هذه النصيحة على محمل الجدّ، لكنّ نصيحة مكيافيلّي أكثر دقّة. فالحاكم قد يلجأ إلى الخداع، لكنّ عليه أن يخفي ذلك ويحافظ أمام الآخرين على مظهر الرحمة والوفاء والنزاهة والإنسانيّة والتديّن. ولذلك يجب أن يكون بارعاً في التظاهر والمراوغة. أمّا إذا نقض عهوده وتصرّف بالغدر والقسوة في كلّ مناسبة، فسيدرك الآخرون أنّه خطير ولا يمكن الوثوق به.
يعترف والت بأنّ ترامب يدين بجزء كبير من نجاحه السياسيّ لقدرته على إقناع الناس بأنّه شيء مختلف عن حقيقته، ويشير إلى منشوراته على “تروث سوشيل” التي تصوّره بطلاً عسكريّاً أو شخصيّة دينيّة. لكنه يرى أنّ هذه الحيلة بدأت تفقد فاعليّتها، وأنّ القناع العامّ الذي بناه تعرّض للاهتزاز. ويرى أنّ سلوك ترامب جعل عدم الثقة به واضحاً للآخرين، ما يقلّل فاعليّة الخداع نفسه كأداة سياسيّة.
ما الذي ينبغي للأمير ألّا يفعله؟
يتوقّف والت عند الفهم الشائع لمكيافيلّي باعتباره منظّراً لفنون السياسة غير الأخلاقيّة. ويقول إنّ هذه الصورة ليست دقيقة. فعندما كتب مكيافيلّي أنّ على الأمير أن “يتعلّم كيف لا يكون صالحاً” كان أمامه هدف محدّد: نجاح الأمير في توفير النظام والاستقرار وحماية الدولة من التمرّد الداخلي أو التدخّل الخارجيّ، وليس تحقيق المتعة أو الربح أو النزوات الشخصية.
لهذا يقول مكيافيلّي إنّ على الحاكم تعلُّم كيف لا يكون صالحاً، ثمّ استخدام هذه المعرفة أو عدم استخدامها “وفقاً لما تقتضيه الضرورة”. فالغاية قد تبرّر الوسيلة، وفق قراءة والت، لكن ليست أيّ غاية، وبالتأكيد ليست نزوات الحاكم الشخصيّة.
يرى والت أنّ ترامب انتهك هذا المبدأ مراراً خلال سنواته في السلطة. فهو يعتبر أنّ رئاسته لم تجعل أميركا “أعظم”، وإنّما أصبحت البلاد أكثر انقساماً وفساداً في الداخل وأقلّ احتراماً في الخارج، وأنّ مستقبلها يتضرّر نتيجة ما يصفه بتقويض الشراكات الدوليّة والمؤسّسات العلميّة والأكاديميّة الأميركيّة. ويضيف أنّ ثروة ترامب وعائلته ارتفعت بأكثر من مليارَي دولار، فيما يعمل على بناء قاعة احتفالات جديدة في البيت الأبيض ووضع اسمه على مزيد من المباني العامّة.
يختتم والت بالقول: لو كان مكيافيلّي حيّاً اليوم، لكان سيرى في دونالد ترامب دليلاً على سبب أفضليّة “الجمهوريّة الحسنة التنظيم” على حكم حاكم متقلّب ومنشغل بذاته، ومثالاً كاشفاً على “ما ينبغي للأمير ألّا يفعله”.
