مع تصاعد وتيرة الحرب في أوكرانيا، يتزايد التوتر بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتشنُّج وصل إلى مستويات مرتفعة، ويكاد أيّ احتكاك غير محسوب يؤدي إلى اندلاع مواجهات عسكرية.
وقد اندفع مساعدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب (جاريد كوشنير وستيف ويتكوف) لطلب موعد من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وحطَّ مدير المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف على عجل في موسكو لتهدئة الموقف وتجديد الوساطة. وقد ضاعفت عمليات الاعتراض التي استهدفت سُفناً من “أسطول الظلّ” التجاري الروسي من سخونة الوضع، وهدَّد قائد الأسطول الروسي في المحيط الهادئ بتوقيف سفن الدول التي تُقدِم على تفتيش او احتجاز ناقلات روسية، أو المُحمَّلة بموادّ تخصّها، وفي أي بقعة ترتأي البحرية الروسية أنها مناسبة. ويبدو أن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 12 آب/ أغسطس إلى جُزر الكوريل في أقصى الشرق مرتبطة بهذا التوتر، على اعتبار أن الجُزر تُجاور ممرات صيفية دولية مهمة، برغم أن اليابان لا تعترف لروسيا بالسيادة عليها.
بعد اجتماع رؤساء دول حلف الأطلسي في 7 و8 تموز/ يوليو الماضي في أنقرة، تراجع منسوب الاهتمام الأميركي بتسوية الأزمة الأوكرانية، وصدرت قرارات تدعم أوكرانيا، وهي تُحمِّل روسيا مسؤولية استمرار الحرب، في وقت كان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يعترف علناً بأن بلاده كانت وراء التصعيد لإجبار روسيا على وقف القتال، وفق ما قال. وهذه الوضعية المُستجدة انعكست قساوة في الموقف الروسي، ورفضت موسكو أي تنازلات يمكن أن تُعتبر ضعفاً في موقفها الاستراتيجي، وأجرت قواتها بعض عمليات التقدُّم على الأرض، ودخلت إلى بلدات جديدة في إقليم دونباس، وبالقرب من ساحل البحر الأسود، والهجمات تزايدت لتشمل مناطق بعيدة عن ساحة القتال، بما في ذلك مصافي النفط والموانئ والأحياء السكنية.
لكن التوتر وصل الى حدّهِ المتقدِّم بعد تكرار اختراق طائرات مُسيرة روسية أجواء بولندا ورومانيا، رغم عدم إقرار موسكو بالمسؤولية عن هذه الأعمال. وقد اجتمع مجلس حلف الناتو، وأصدر بياناً في 12 آب/ أغسطس يدين الاعتداءات الروسية – كما أسماها – مُحذّراً موسكو من مغبة تكرار هذه “الاستفزازات” التي قد تستدعي الردّ، وفق ما ورد في البيان.
سبق هذه الأجواء تشنّجات واسعة حصلت بين روسيا وبعض الدول الأوروبية على خلفية قيام هذه الدول بتفتيش سفن تجارية على صلة بروسيا، في البحر الأبيض المتوسط وفي بحر البلطيق، بحجة أنها تخرق العقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو. وروسيا تُعدّ العدة لتنفيذ مهام مشابهة ضد سُفن أيّ دولة تعترض بحريتُها ناقلاتٍ تحمل منتجات تعود لروسيا.
والهجمات على سفن روسية من قبل الأوكران، والردود الروسية على سُفن أوكرانية تتسَّع في البحر الأسود، والبحر شريان أساسي لاقتصاد كل من البلدين اللدودين. وبطبيعة الحال، فإن هذه الأعمال مجتمعة قد تتفلَّت من الضوابط في أية لحظة، وتخرج ردود الفعل عن السيطرة، وقد تحصل مواجهات عسكرية بسببها.
من جهة أخرى، فإن تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، قد تفاقِم الخلاف، لأن الحلف الأطلسي يرغب في وضع خطة لتأمين الممرات بالقوة العسكرية من دون التنسيق مع موسكو. والولايات المتحدة الأميركية وعدت روسيا بالتعويض عن تغييبها عن قضايا الشرق الأوسط، من خلال لعب دور فاعل لتسوية الأزمة الأوكرانية، بما يتوافق مع الطموحات الروسية. ولكن ذلك لم يحصل، وتراجع الاهتمام الأميركي بالملف الأوكراني بحجة الانشغال في الحرب مع إيران، وتزويد واشنطن لكييف بصواريخ باتريوت، والسماح لها بتصنيعها على أراضيها، أغضب موسكو، وذكرت بعض المصادر أن روسيا أقدمت على تزويد طهران بالمعلومات وببعض التكنولوجيا، وربما بمعدات عسكرية رداً على هذا الموقف.
التدهوُّر غير المسبوق في العلاقات بين روسيا وألمانيا قد يكون أبلغ مثال للتشنُّج القائم، بل وصلت الاتهامات المتبادلة بين الطرفين إلى حدود مُتقدمة. وتقول موسكو إن برلين أصبحت شريكاً فعلياً في الحرب الأوكرانية عليها، بينما تعمل برلين على تحشيد قوات عسكرية كبيرة عن طريق إعادة فرض نظام الخدمة الإلزامية، ولا تخفِي كون ذلك مرتبط بالخطر الروسي كما يقول عدد من المسؤولين الألمان. والبيانات الصادرة عن الكرملين تعتبر أن العلاقات مع ألمانيا تشهد انهياراً تاماً.
مع أهمية البؤر الساخنة الموجودة حالياً على المستوى العالمي، ولا سيما في الشرق الأوسط (أو غرب آسيا) لكن الاختناق الديبلوماسي الذي تعيشه العلاقات بين شرق أوروبا – خصوصاً روسيا – وغربها، له أبعاده الخطرة على الاستقرار العالمي. وروسيا تعتبر أن تنامي الهجمات بوساطة مسيرات أوكرانية ممولة من دول الاتحاد الأوروبي بمثابة عدوان عليها، بينما الاتحاد الأوروبي – خصوصاً ألمانيا – لا يخفون مساعيهم الحثيثة في اتجاه إنتاج منظومة حماية خاصة للقارة، لا تعتمد على القدرات العسكرية الأميركية.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الإعلامية