
تأسيسًا على خطوط العمل العامة التي بلورها الإمامان الصدر وشمس الدين من ضمن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، صاغا مشروعهما الإصلاحي وفق عشرة مرتكزات:
1) حماية استقلال لبنان وسيادته ووحدته واحترام حقيقة كيانه “وطنًا نهائيًا لجميع بنيه”، والحفاظ على العيش المشترك والحوار الدائم بين طوائفه؛
2) حماية الديموقراطية اللبنانية القائمة على التوازن والتوافق والمشاركة، وعلى صون الحريات الخاصة والعامة؛
3) حماية المواطنة السليمة، أي مساواة الأفراد في دولة تقوم على القانون والمؤسسات، إلى جانب احترام التعددية والخصوصية الطائفية من دون أن يكون ذلك على حساب حق المواطن أو فوق القانون؛
4) حماية هوية لبنان وانتمائه العربي ضمن علاقات الأخوة والتضامن مع الأطر العربية والإسلامية والدولية، وخصوصًا مع الجارة سوريا وسائر الأشقاء العرب؛
5) حماية الإجماع حول مقاومة الاحتلال والعدوان الإسرائيلي وإخراج هذا الإجماع من التجاذبات السياسية والمزايدات (ومن ذلك تشكيله “هيئة نصرة الجنوب” في 13-5-1970برئاسته ونيابة الكاردينال البطريرك خريش، وحشد كبير من رجال الدين والفكر من مختلف الطوائف)؛
6) المشاركة في تدعيم القضايا العربية والإسلامية مع الحرص التام على أمن لبنان وسيادته، فلبنان مع العرب وأمامهم في كل ما يقررونه، لا نيابة عنهم أو لحساب بعضهم؛
7) رفض الانجرار وراء دعوات الاستقواء والغلبة أو الرد بالمثل حتى إزاء أبشع أنواع الاعتداءات والمجازر، فالإمام كان صاحب مواقف الاعتدال والعفو والمصالحة ونبذ العنف بكل أشكاله رغم ما لاقاه من حملات تخوين وتشهير وتكفير أيام النبعة وتل الزعتر وحارة الغوارنة والسبت الأسود؛
8) محاربة سياسات التقسيم والإدارات المحلية الطائفية والأصولية الدينية كما العلمانية الشاملة، لا بالنكايات بل بالعمل الإصلاحي، عبر دعوات الحوار والقمم الروحية؛
9) إعادة الاعتبار للقيم والأخلاق والرشد والحكمة والعدل في العمل السياسي والاجتماعي، باعتبار أن الدين كان لأجل الإنسان لا العكس، من دون الانجرار إلى التعصب أو اعتبار الدين حزبًا خاصًا؛
10) وأخيرًا رفض الانجرار وراء الكسب الحزبي أو المذهبي أو الشعبوية الرخيصة على حساب مصالح الوطن، وفي ذلك قوله: “أنا لست لمصالح خاصة، ولا تقبلوني إن كنت كذلك… كما أن خبرتي في مجال المصالح الخاصة أقل بكثير من الزعامات السياسية الموجودة… وأنا لست أيضًا مع الأحزاب التي ترفع شعار الله أكبر واسلاماه من أجل كسب بعض الأعضاء والمقاتلين. لا! نحن فقط مع الحق وللحق”.
وقد سمح هذا المشروع للإمامين ببلورة تيار وطني شيعي معتدل ومستنير، هو “مشروع الحوار والمصالحة والسلم الأهلي والوطن النهائي ضمن العدالة والمساواة بين الجميع ومن أجل الجميع” بتعبير شمس الدين. يقول النائب السابق محمود عمار إن الإمام الصدر كان “شديد الحرص على الكيان اللبناني… ولم يكن يريد الوصول بحركته إلى المساهمة في تقويض الكيان والمجتمع اللبنانيين بل إلى تعزيز دور الشيعة في الحياة اللبنانية عبر النهوض بهم اجتماعيًا وسياسيًا” (فادي توفيق، بلاد الله الضيقة: الضاحية أهلًا وحزبًا، دار الجديد، 2005، ص96-97).
وتجدر الإشارة هنا إلى نقطة أساسية لفهم تحولات المشروع لاحقًا: فقد ارتكز الإمام الصدر على طبقة وسطى مدينية وريفية حديثة التكوين، واسعة ومستقرة ومتعلمة، أفرزتها المرحلة الشهابية. وقد عاصر الإمام صعود هذه الطبقة وسقوطها معًا، إذ كان لانهيارها لاحقًا – منذ كارثة سقوط النبعة والتهجير القسري للشيعة من ضواحي بيروت الشمالية (1976)، مرورًا بمعارك الحرب الأهلية التي كان الشيعة وقودها الأساسي، ووصولًا إلى الاعتداءات الإسرائيلية المتلاحقة في جنوب لبنان، والتي أكملت تهجير وإفقار عشرات الآلاف منهم – أثر بالغ في تحولات حركة أمل لاحقًا، وهي ظاهرة لم يُدرس أثرها الكامل على الحيوية المدنية-السياسية لشيعة لبنان بعد.
المشروع الإصلاحي وتجربة الحرب الأهلية
جاءت الحرب الأهلية اللبنانية زلزالًا ضرب الكيان برمّته، وأصاب مسيرة الإمام الصدر في الصميم، وهدد بانهيار مشروعه لولا صبره ولولا مواصلة الإمام شمس الدين تطويره لاحقًا. لم يكتفِ الإمام بدعوات التهدئة، بل وجّه نداءه التاريخي في 14 نيسان 1975 “إلى اللبنانيين: احفظوا وطنكم لبنان وفي قلبه مكان للثورة الفلسطينية”، وإلى المسلمين والمسيحيين بأن “يستيقظوا جميعًا وينبذوا الدخلاء… فليسجل المسيحي اللبناني من جديد موقف الفادي، وليجدد المسلم اللبناني سلوك الرسول الكريم”، وشكّل “لجنة التهدئة الوطنية” وعقد اجتماع الـ 77 في مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بالحازمية (18 نيسان). وصاحب شعار “السلاح زينة الرجال” في مهرجان بعلبك لم يتهرّب من المسؤولية عند اندلاع الحرب، بل أوضح: “نعم السلاح زينة الرجال حين يرفع فقط ضد الاحتلال”، داعيًا إلى الحوار السلمي الديموقراطي في زمن كانت الشرعية الثورية هي المعيار السائد. وقام بخطوة غير مسبوقة تمثّلت في اعتصامه في مسجد العاملية (27-6-1975) صائمًا: “نعتصم لنفرض على المواطنين الاعتصام عن السلاح الذي يستعمل ضد اللبنانيين”. ودعا إلى حماية المسيحيين في المناطق الإسلامية وإعادة كل المهجّرين، مستذكِرًا مآسي القاع ودير الأحمر ورأس بعلبك وعيناتا وشليفا والقدام، وفي ندائه (23-1-1976) صرخ: “لقد انهار المجتمع اللبناني وانهارت الأخلاق… فتعالوا نعود إلى ضمائرنا ونرجع إلى الحق والعدالة”. وفي تأبين شهداء النبعة وتل الزعتر صرخ الإمام بجمهوره الغاضب الراغب في الثأر: “اسمعوا… اسمعوا… أنا أقول لا! كل طلقة تُطلق على دير الأحمر والقاع وشليفا تُطلق على منبري ومحرابي وصدري وأولادي”، رافضًا منطق الانتقام رغم أن الجماهير كانت – على حد وصفه – موتورة محزونة متألمة تريد أن تثأر وتحفظ كرامتها، مذكّرًا بموقف الحسين وابنه: “أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا… لا نبالي ما دمنا على الحق”. وكان يستبق مصيره بالقول إن تقارير أمنية عدة توقعت أنه سيكون هدفًا للاغتيال بعد كمال جنبلاط، من دون أن يثنيه ذلك عن قول كلمة الحق ولو أغضبت جمهوره: “أولسنا على الحق، كما قال ابن الحسين لوالده عليهما السلام، فقال له الحسين: بلى! فقال ولده: إذن لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا… نحن هذه طريقنا، هذا شرفنا، رغم كل شيء”. وقد كان بذلك، على حد وصفه لنفسه، علويًا وحسنيًا وحسينيًا بامتياز: الحق والعدل أولًا وأخيرًا، لا الرضوخ لأهواء الجماهير مهما بلغت من التوتر والانفعال، وذلك هو في نظره معنى القيادة والإمامة والتشيع الإسلامي. وقد سارع أيضًا إلى القاع ودير الأحمر لمنع الاعتداء عليهما صارخًا: “أحميكم بعمامتي وجبتي، أفديكم بنفسي وصدري”، ووقف في المجلس الشيعي (13 أيلول 1975) قائلًا: “إن انفجار الوضع يؤدي إلى سقوط لبنان. لم يتفق اللبنانيون منذ الاستقلال على مبادئ الوطنية الأساسية فاجتنبوا البحث فيها خوف الانقسام، وعوّضوا عن ذلك بالمجاملات واستعمال الكلمات ذات المعاني المتعددة”.
كان الإمام، في خضم الصراعات السورية-الفلسطينية والسورية-اللبنانية والفلسطينية-اللبنانية، الإنسان العربي المسلم المتألم لها من دون أن يحمل عصا سوريا ضد من عارضه وأساء إليه، ومن دون أن يستثمر علاقته بسوريا لضرب الحركة الوطنية أو منظمة التحرير، بل اشتغل دومًا على خط الحوار والمصالحة، ومن دون أن يستخدم ذلك لإضعاف الطرف المسيحي أو على حسابه، إذ أراد مصالحة شاملة تضمّ الجميع، ولذلك لجأ إلى العرب مدركًا أن وفاقًا عربيًا يليه قرار عربي على مستوى القمة هو الحل الوحيد للصراع المندلع والضمانة لتطمين كل الأطراف. سعى الإمام إلى حوار وطني شامل، فعقد أول قمة روحية جامعة (4-10-1975) أكدت على استمرار التعايش ورفض التقسيم، وأصدر مع شمس الدين “ورقة العمل الشيعية للحوار الوطني والإصلاح” (27-11-1975)، وأيّد الوثيقة الدستورية والمبادرة السورية الأخوية، من دون أن يتوقف عند مجرد التأييد؛ فقد شكّل بمساعيه أساس “طائف أول” غاب عن ذاكرة كثيرين، حين تنقّل بين مصر والسعودية والكويت وسوريا (23 آب – 13 تشرين الأول 1976) متصلًا برئيس الجمهورية وبمنظمة التحرير الفلسطينية وبالجبهة اللبنانية، سعيًا إلى وفاق عربي أفضى إلى قمتي الرياض (16-10-1976) والقاهرة (25-10-1976) اللتين قررتا إنهاء الحرب وإرسال قوات الردع العربية. وقد أثّر تدهور العلاقات العربية-العربية بعد زيارة الرئيس السادات للقدس (1977) واتفاقية كامب ديفيد (1979) في إحباط هذا المسعى، فدخل لبنان مجددًا مرحلة الخطر مع اجتياح آذار 1978. وعن تلك المرحلة روى الشيخ هاشمي رفسنجاني في مذكراته أنه كان يعرف السيد موسى الصدر من قبل، وأن مباحثاته أثّرت في تعديل بعض المواقف المتطرفة لدى شبان إيرانيين كانوا يومها في لبنان ضد الإمام الصدر، وأن النزاع بينه وبين أنصار الإمام الخميني مصدره الوحيد مسألة المرجعية، إذ لم يعلن الصدر تأييده لمرجعية الخميني (رفسنجاني، حياتي، ص170-176).
خاتمة: بعض الحقائق عن اختفاء السيد موسى الصدر في ليبيا
لفهم ظروف اختطاف وتغييب الإمام لا بد من وضع الأمور في سياقها التاريخي والسياسي الحقيقي.
مع اجتياح آذار 1978 ونشوء “دولة” سعد حداد والشريط الحدودي المحتل، أدرك الإمام أن الخطر على الجنوب مفتاح لتفجير الأوضاع اللبنانية، فركّز تحرّكه مع المسؤولين اللبنانيين والسوريين والعرب وقيادة الثورة الفلسطينية حول خطر الاحتلال، داعيًا إلى إعادة سلطة الدولة على الجنوب وضبط العمل الفلسطيني بقرار عربي جامع، بينما كانت أفواج المقاومة اللبنانية تخوض معاركها بقيادة الشهيد مصطفى شمران بالتنسيق مع القوات المشتركة. وفي نيسان 1978، وبعد وصول القوات الدولية وتمركزها في الجنوب بناء على القرار الأممي 425،، حدثت محاولة انقلابية عسكرية قادتها فصائل فلسطينية (بدعم من أنظمة عربية على رأسها ليبيا)، لتفجير الوضع في الجنوب وجر القوى المشتركة الفلسطينية اللبنانية إلى مواجهة مع القوات الدولية. في هذه المحطة الحرجة، بادر الإمام لللدعوة إلى عقد قمة عربية عاجلة، مطالبًا بإبعاد لبنان عن الصراعات العربية-العربية وفصل وضع الجنوب عن صراع الشرق الأوسط، حفاظًا على وجود لبنان، لا بالخطب الفارغة بل بمواقف تاريخية ولو على حساب الحماسة الأيديولوجية، إذ لم يكن يعتبر السيادة مسيحية أو المقاومة شيعية. وبعد حصوله على موافقة مسبقة من ياسر عرفات وخليل الوزير والرئيس إلياس سركيس وممثل لبنان في الأمم المتحدة غسان تويني، انطلق في جولة عربية من سوريا إلى الأردن فالسعودية والجزائر، ومنها إلى ليبيا التي لم تكن أصلًا على جدول زياراته، إذ كان متجهًا إلى مصر ثم روما وباريس لشرح ضرورة عقد قمة عربية لإنقاذ الجنوب. ذهب إلى ليبيا وهو يعلم خطورة الخطوة، مستعدًا للتضحية القصوى في سبيل لبنان. وكانت خطته المكتملة بقرار عربي ودعم أوروبي (توسيع قوات الأمم المتحدة ونشر الجيش اللبناني مع انسحاب القوى المسلحة إلى شمال الليطاني) هي على الأرجح سبب اختطافه وتغييبه، إذ لم تكن رؤيته للمواجهة مع إسرائيل إلا رؤية عربية شاملة تستلزم استراتيجية عربية موحدة يضطلع فيها لبنان بدوره ضمن إطار أوسع يحقق معنى السيادة ويطمئن كل اللبنانيين.
ولعل آخر دليل على دور القذافي أعطاه لنا تصريح النائب السابق في البرلمان الإيراني والمرشح السابق لرئاسة الجمهورية الإسلامية، جلال الدين الفارسي، في مقابلة مع وكالة أنباء “فارس” (7 شباط/فبراير 2018)، إذ قال “إن موسى الصدر كان يستحق الإعدام لأنه طالب بالوحدة مع المسيحيين وكان يتردد على الكنائس ودعا الآباء المسيحيين إلى الصلاة في المساجد ولهذه الأسباب كان يستحق الإعدام، ولكننا رأينا أن الرجل لا قيمة له أو لقتله، ثم قتله القذافي”. وأضاف تقديره لمعمر القذافي بوصفه “رجلًا عظيمًا وداعمًا للحركات التحررية”، معتبرًا العلاقة التي ربطته به “مدعاة للشرف”، ومبررًا القتل بأن الإمام كان يتّهم القذافي بأنه “رجل بلا دين”.
وجلال الفارسي هذا سياسي محافظ وأصولي يقيم في طهران، كان من المقربين للإمام الخميني قبل الثورة ومن الحلقة القريبة من علي خامنئي، وقضى سنوات في سجون الشاه قبل الهروب إلى بيروت عام 1975 وارتباطه ببعض أجنحة منظمة التحرير الفلسطينية. وبعد انتصار الثورة الإيرانية (1979) رشّحه الحزب الجمهوري الإسلامي للرئاسة قبل أن يُكشف عن جذوره الأفغانية فيرفض الخميني ترشيحه، ويدعم ترشيح الإصلاحي الليبرالي أبو الحسن بني صدر. ثم أصبح الفارسي نائبًا لطهران لولايتين.
جاءت تصريحات الفارسي مفاجئة ومثيرة للتساؤلات، إذ تتجه في آن واحد نحو تأكيد مقتل الإمام الصدر وتحديد هوية القاتل، ثم الدفاع عن القاتل وتبرير الجريمة عبر تكفير الإمام. وفي تقديري فإن الفارسي جزء رئيسي من “الصندوق الأسود” في قضية اختطاف الإمام، وقد نُقل عن عبد السلام جلود، رئيس وزراء القذافي، قوله: “اسألوا جلال الدين فارسي إذا كنتم تبحثون عن مصير الصدر”. ولم يكن أحد يجرؤ من قبل على اتهام الفارسي بالارتباط مع القذافي في هذه القضية، حتى كشف هو القناع عن وجهه أخيرًا عبر التعبير عن موقفه من الإمام الصدر وتأكيده أن القذافي أدى “واجبه الشرعي” بقتله. وقد أثارت هذه التصريحات امتعاضًا واسعًا في الأوساط الثقافية والإعلامية والسياسية في إيران، إذ أعادت إلى الواجهة الاصطفافات والمجابهات التي جرت في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين بين جماعة السيد موسى الصدر (الإيرانيون من أمثال آية الله طالقاني وعلي شريعتي ومصطفى شمران ومهدي بازركان وإبراهيم يزدي وصادق قطب زاده) وبين الإيرانيين الثوريين من أمثال جلال الدين الفارسي ومحمد منتظري ومحسن رفيق دوست ومحسن رضائي ومحمد صالح الحسيني، ممن كانت لهم علاقة وثيقة بأجنحة معينة من منظمة التحرير الفلسطينية وبالنظام الليبي.