تثير مجموعات اليمين الجديد، أو «اليمين الأكثر جدّة»، إن صح التعبير، كثيراً من الاهتمام في أوساط الباحثين في مجال الأيديولوجيا وعلم الاجتماع السياسي، إذ أن الموجات اليمينية المعاصرة تتكاثر وتتصاعد بتسارع شديد، وكل فئة تعتبر نفسها «جديدة»، تصبح فجأة «قديمة» بالنسبة للموجة التي تليها، هكذا مثلاً صار اليمين الشعبوي الاعتيادي، الذي يهدد باكتساح أوروبا، وحركات «الهوية» اليمينية، بليدة ومتحجّرة للغاية في نظر اليمين «الشاب»، الذي يتصاعد بين مؤثري الإنترنت، ممن يرفضون أن يتم تصنيفهم، أو أن يُحسبوا حتى على اليمين الشعبوي، أو المحافظ، فهم «متجاوزون لليمين واليسار» (مقولة فاشية كلاسيكية)، في ظاهرة يميل البعض إلى تسميتها، مثل الكاتب الألماني يوهانس غيك، «الفاشية الأناركية».
وهؤلاء «الفاشيون الأناركيون» الجدد (إذ وُجِد فاشيون أناركيون قدماء) ينحدرون من أوساط ودوائر متعددة، أغلبها تنمو على الإنترنت، مثل مجموعات «المانوسفير» (نمط من سياسات الهوية الذكورية المناهضة للنسوية)؛ وحركات التفوّق العرقي والجيني والديني؛ والنازيون الجدد؛ وجانب من المؤيدين العالميين (وليس فقط الأمريكيين) لحركة «الماغا» المرتبطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ والمسيحية الإنجيلية، والإسلام السياسي، والوثنية الجديدة. واللافت فيهم أنهم من كل الأعراق والأجناس، بل قد يُفاجأ المرء بتسجيلات متداولة على الإنترنت، تجمع مؤثرين من أنصار التفوّق الأبيض، مع مؤثرين سود، ومسلمين، ونساء، ومثليين، وكأن ما يجمعهم أكثر مما يفرّقهم من أيديولوجيا هوياتية؛ أو أن ما يصرّحون به من مواقف يأتي في الدرجة الثانية أو الثالثة، في لحظة استعراض نمط الحياة، والجسد، والقدرة على «تجاوز الحدود» في الكلام. كما أن لهؤلاء أدباءهم وفنانيهم، بعضهم مشاهير بوب مبتذلون، مثل الأمريكي الأسود كانيي ويست (الذي أصدر العام الماضي أغنية باسم «هايل هتلر»، تم حظرها على معظم منصات الموسيقى المشهورة)، وبعضهم روائيون لديهم كتابات مثيرة للاهتمام، مثل الأمريكيين كوستن ألاماريو ومايك ما؛ والألمانيين سباستيان شفيرتزل وجون هوفر (وهو حقوقي، خاض معارك قانونية ضد السلطات الألمانية، التي عرقلت مسيرته الحقوقية، في سعيه لنيل مناصب قضائية)، وهذا يضيف صفة أخرى لهذا النمط من اليمين، وهي أنه عابر للطبقات والمستويات الثقافية والتعليمية أيضاً.
مصانع الرجال
لتفسير هذا «التنوّع»، لا بد من إدراك أن هؤلاء لا يهتمون بالاتساق الأيديولوجي، بل كثيراً ما يعتبرون أنفسهم «متجاوزين للأيديولوجيا» نفسها. وما يجعلهم فاشيين أناركيين، حسب يوهانس غيك، هو «إضفاء الطابع الجمالي» على أفكار ومواقف تمجّد العنف، والتدمير، والعنصرية، والاستعلاء بالقوة على الضعفاء، وازدراء المؤسسات والتراتبية القائمة، والسعي إلى تحطيمها، وصولاً إلى تراتبية «طبيعية»، تنبع من التفوّق الجسدي، أو المالي، أو العرقي. «الجمالية» هنا تأتي من الأداء أساساً، أي الشكل الذي يضفونه على أفعالهم وأقوالهم، والمتناسب مع أنماط استهلاكية، أو سلوكيات عنيفة، أو أنماط من الاستعراض. وهذا يجعل الفاشية إيماءة أو موقفاً أدائياً تجاه الواقع الاجتماعي، أكثر من كونها نسقاً فكرياً؛ فيما الأناركية تأتي من كونهم يرفضون التنظيم الحزبي، وطاعة أي قائد، واحترام أي مؤسسة أو معيار اجتماعي أو نمط تواصلي قائم. وكل هذه الميول الجمالية والأدائية كانت موجودة لدى نشأة الفاشية في إيطاليا، في الربع الأول من القرن الماضي.
قد يفسّر هذا قدرة هؤلاء الفاشيين الجدد على تجاوز الحواجز العرقية والدينية والجنسية في ما بينهم، فما داموا متفقين في تلك الجماليات، وقادرين على أدائها، فهم «إخوة المشهد» المُشارَك على الإنترنت، إن صح التعبير. وبالنسبة لمؤثّر مشهور من أنصار التفوّق الأبيض، فزميله الأسود، أو المسلم، أو نظيرته الأنثى، أقرب إليه بالتأكيد من أي رجل أبيض ضعيف الأداء، أو خاضع لـ»التراتبيات الليبرالية». لا توجد هنا «مركزية غربية» بالمعنى الذي يفهمه الناشطون «اليساريون»، بل فقاعات عالمية على الإنترنت، تلتقي وتتداخل وتتبعثر، وفق السياق الاستعراضي. وبهذا المعنى فليس من المفاجئ على الإطلاق أن يشعر مؤيّد متعصب لترامب بإجلال كبير تجاه جهادي مسلم، إذا كان «فتىً قوياً جذّاباً» A young attractive tough guy.
الانبهار بالقوة «الطبيعية»، المرتبطة عادةً بالذكورية «الحقيقية»، جانب أساسي من جماليات الفاشية الجديدة هذه، وتتخذ عادةً شكلاً أدائياً مرتبطاً برياضات قتالية معيّنة، أكثر تطرّفاً مما تعترف به عادة اللجنة الأولمبية الدولية، مثل «الفنون القتالية المختلطة» MMA، وهي قتال شديد العنف، «يخلق الرجال»، وقد صارت جمهورية داغستان في روسيا الاتحادية «عاصمته الروحية»، خاصة مع «مدرسة» عبد المناف نورماغوميدوف، الذي أسس نظاماً صارماً للتدريب على تلك المعارك، يدمج التدريب البدني الشاق والمهارات القتالية مع الانضباط شبه العسكري، وقد صار ابنه خبيب نورماغوميدوف أيقونة عالمية لتلك «الرياضة»، وفي أحيان كثيرة نموذجاً لـ»الفاشيين الأناركيين»، الذين باتوا يعتبرون داغستان نقيضاً للغرب، الذي أفسدته الليبرالية، عبر «تخنيث الرجال». أيضاً يحذّر بعض الصحافيين المختصين من أن شبكات رياضة MMA صارت في دول كثيرة غطاءً لتجنيد الشباب ونشر الأفكار المتطرفة بينهم، خاصة أن أكبر اتحادات اللعبة، وهو UFC، مشهور بقربه من تيارات اليمين الجديد. الطريف أن هنالك ناشطات نساءً ضمن هذه الأوساط، يدعمن هذه الآراء، ويطالبن برجال «على النمط الداغستاني» المُتخيّل ذاك، وبعضهن دخلن بأنفسهن في أجواء الـMMA، وصرن مصارعات محترفات.
جمهورية مسلمة في روسيا؛ ناشطون غربيون وشرقيون عنصريون على الإنترنت؛ مجاهدون؛ ذكور محبطون؛ إناث يبحثن عن «رجال حقيقيين»؛ استعراض قتالي عنيف، يبدو كل هذا خليطاً غريباً، ولكنه قد يكون مُعبّراً عن طبيعة تلك الشبكة الغرائبية لـ»اليمين الأكثر جدّة». ولكن هل «الحلم الداغستاني»، عن أرض بريّة ومغايرة لفساد الغرب، أمر يقتصر على الفاشية الأناركية؟
عيادة التروما الكونية
على الرغم من السمات الجمالية/الأيديولوجية المميزة لـ»الفاشية الأناركية»، فإنها تبدو جانباً من ظاهرة أوسع، مرتبطة بالأدائية المعاصرة Performativity، التي تسود رقمياً ومؤسساتياً في «الرأسمالية المتأخّرة»، كما يفضّل بعض المفكرين اليساريين تسمية عصرنا الراهن. وتلك الأدائية متجاوزة فعلاً لليمين واليسار، ويمكن إيجاد تقارب بنيوي بين مؤديها، سواء كانوا فاشيين أناركيين أو ناشطين «يساريين».
تبدو الناشطية «اليسارية»، المرتبطة بحركات التمكين الذاتي، و»الكوير»، و»نزع الاستعمار»، و»النسوية التقاطعية»، وغيرها، مغرقة في الأداء الذي لا يمكن تعيين أيديولوجيا متسقة له، بقدر ما يهتم بـ»الإيماءة»، ولذلك يسهل أن يظهر ناشط قريب لجماعة إسلامية، مع ناشطين من الكوير والعابرين جندرياً، ونسويات تقاطعيات، وطلاب الجامعات التي تدرّس «نزع الاستعمار» و»نظرية الجندر» باللغة الانكليزية، ومناصري «السكان الأصليين» والحفاظ على البيئة، في تسجيل على الإنترنت، أو حتى مسيرة على الأرض، ترفع شعارات تبدو مناصرة لتنظيمات راديكالية مسلّحة، ذات طابع ديني وذكوري شديد العنف.
إلا أنه لا يمكن الحديث عن تلك المجموعات، من دون النظر في أصلها الفلسفي، فعلى الرغم من عدم اتساق طروحاتها، إلا أنها تقتبس دوماً من فلاسفة ومفكرين كبار، خاصة ميشيل فوكو وفرانز فانون، وربما هيغل وإيمانويل ليفيناس وأعلام مدرسة فرانكفورت، على خلاف «الفاشية الأناركية»، التي تبدو أحياناً «كارهة للكتب» بشكل استعراضي. لا يعني هذا أن الناشطية «اليسارية» تحب الكتب بالضرورة، ولكنها تجعل عناوينها وأسماء كتّابها جانباً أساسياً من رأسمالها الرمزي وأدائها الاستعراضي.
قد تكون المفكرة الأمريكية جوديت باتلر هي عقدة الالتقاء الفكرية الأساسية، التي تتجمّع حولها كثير من شبكات الناشطية «اليسارية»، بل تستثير الشبكات اليمينية (وصل الأمر إلى خروج مظاهرات يمينية لإحراق صورها في البرازيل عام 2017)، ما يجعلها ربما المثقف الحي الأكثر تأثيراً في زمننا. كثيرون من قرّاء باتلر وتلاميذها يبرّؤونها من تهمة المسؤولية عما آل إليه حال الناشطية «اليسارية» اليوم، و»ردات الفعل» اليمينة عليها. فهي أحد أهم المصادر (إلى جانب إدوارد سعيد) التي يُنسب إليها عادة جعل فكر ميشيل فوكو شعبياً في الولايات المتحدة، وخاصة في الوسط الطلابي، فضلاً عن اعتبارها من أهم مفكري «الأدائية» و»الاعتراف»، وبالطبع المؤسس الأكثر أهمية لنظرية «الكوير». إلا أنها، بنظر أنصارها، لم تسع يوماً إلى نشوء أدائية هوياتية استعراضية، تتكاثر بلا انقطاع، وتستجدي «الاعتراف» في كل مؤسسة ووسيلة إعلام، وتُشهر مظالمها وجروحها في وجه العالم أينما حلّت، وتؤيّد عدداً من أكثر التنظيمات عنفاً ورجعية، بحجة أنها تعبّر عن هوية مظلومة من «الكولونيالية الغربية»، بل على العكس تماماً، باتلر من أهم من انتقدوا الهويات، والنزعات الجوهرانية، وجعلت الأداء المناهض للهوياتية وادعاء «الطبيعيّة» أسلوباً للتغيير الاجتماعي، ومقاومة لهرمياته القائمة على «التهميش» والاستغلال.
إلا أن هذه التبرئة مشكوك بأمرها إلى حد كبير، خاصة مع مقارنة باتلر بفوكو، فالأخير كان واضحاً للغاية في موقفه من «الاعتراف» بمعنييه، اللذين يُعبَّر عنهما للمصادفة بكلمة واحدة بالعربية، أي بمعنى المصادقة والتثبيت والقبول Recognition، وبمعنى الإقرار والبوح عن الذات Confession، فضلاً عن نقده لنزعات التحليل النفسي المعاصرة. بالنسبة له فإن السلطة، التي من المفترض أنها كبتت الجنسانية، وقمعتها، لن ترفض النزعات المطالبة بالاعتراف Recognition بأنواع الجنسانية، وتعدد هوياتها الجندرية؛ كما لن تقمع رغبة من يريد الاعتراف عن ذاته Confession، بل غالباً ستحفّزه على ذلك، إذ تتكاثر نتيجة ذلك الخطابات عن الجنسانية والذاتية والجسد، وتبنى عليها المعارف، وتؤرشف، وتدمج في النظام، وتصبح عاملاً في التحكّم. وما كان سابقاً غرفة الاعتراف الكنسيّة، صار اليوم أريكة المحلل النفسي، أو «اللايف كوتش» في مختلف المجالات.
فضلاً عن هذا يستعيد فوكو، بشكل تهكمي، الأفكار المسيحية عن «الروح»، بوصفها ضابطاً للجسد، وسجناً أخلاقياً له، ويحذّر من أشكال «التمرّد الجنساني»، التي تظن أنها ستستعيد طبيعة جسدها الحقيقية، وشهواته المكبوتة، في وجه تلك «الروح» الانضباطية؛ وأنها ستصل إلى «اكتشاف الذات»، أو «إخراجها من الخزانة»، حسب التعبير الدارج في أيامنا. كل هذه المحاولات، حسب فوكو، لن تؤدي سوى لترسيخ الطابع الهيمني لـ»الجهاز الجنساني» للسلطة The deployment of sexuality، الذي يدفع البشر لمزيد ومزيد من الحديث عن جنسانيتهم، والاعتراف عن أجسادهم، ثم يعيد «تذويتها داخلياً»، على شكل هويات قابلة للإدارة، والتصنيف والتحكّم. وهذا الكلام يبدو نبوءة مبكرة عمّا يحدث اليوم.
ربما توصلت باتلر إلى عكس ما عناه فوكو تماماً، إذ تعود في كتابها «أجساد ذات أهميّة» 1993 إلى الفكرة نفسها التي سخر منها فوكو، عن كون «الروح الانضباطية سجناً للجسد»، وتؤكّد: «لا يمكن فهم عملية تذويت الذات، ولا سيما تلك العملية التي يصبح فيها المرء مبدأً لخضوعه هو ذاته، من دون التفسير التحليلي النفسي للتأثيرات التكوينية أو التوليدية للتقييد أو الحظر»، وهذا يعني أن ذواتنا، التي فُرض عليها الأداء الجنساني المعياري سلطوياً، لا يمكن تفسيرها إلا بوصفها نتاجاً لقمع وحظر وتشويه. ولكن تشويه ماذا بالضبط؟ تفترض مقولة «التشويه» إما وجود مستوى سابق (ربما النفس، أو الجسد الطبيعي، أو أشكال حياتية أصيلة) شوّهته السلطة، وهذا غالباً سترفضه باتلر فلسفياً، باعتبارها مناهضة للجوهرانية؛ أو، وهو الأكثر احتمالاً، أننا أنفسنا ذلك «التشويه»، أي أن عمليات السلطة، وإنتاجها لـ»مادية الجسد» عبر التكرار الأدائي، حسب تعبير باتلر، خلقتنا بوصفنا كياناً مشوهاً مليئاً بالترومات (الصدمات). نحن بهذا المعنى نساوي عقدنا وتروماتنا ومظالمنا.
ومن هنا فإن الحديث عن التروما، وإشهارها بوجه السلطة، والمطالبات بالاعتراف بها، وتمكينها، تصبح طريقة «المشوّهين» بسبب السلطة لقلب ترتيباتها القمعية، بطريقة تذّكر إلى حد ما بتمرّد مسخ فرانكنشتاين على صانعه. هكذا تحوّلت أدائية وكويرية باتلر من ممارسة تمرّدية مناهضة للهوية الجنسية وغير الجنسية في تسعينيات القرن الماضي، تفكك وتعيد تركيب الرموز السلطوية، والأدوار الاجتماعية، إلى مطالبة، كاملة الجديّة، بالاعتراف بـ»حقيقية» مشاعرنا الذاتية عن هوياتنا، واحترام حساسياتنا بشكل كامل، وتغيير اللغة لأجلها، وإعطائها «مساحات آمنة»، في تكاثر لا نهائي للهويات، والأداءات الاستعراضية، التي تعتبر نفسها حقائق مطلقة، وتميّز نفسها بشكل هوسي وارتيابي عن الآخرين، وهذا ليس فقط على صعيد الهويات الجندرية، بل على كل الصعد. والسلطات غالباً ما «تعترف» بكل تلك المطالبات، بل تُصدر أحياناً كتيبات ونشرات مموّلة حكومياً، لتوضيح الفروق الهوياتية والجنسانية شديدة الدقة. بل وصل الأمر إلى صناعات متكاملة، وتدخلات في الجسد والنفس، عبر الجراحات، والعلاجات الهرمونية، وجلسات «الثيرابي»، و»إدارات التنوّع والتمكين»، و»المهارات العابرة للثقافات»، التي تحاول إعادة الهوية المحسوس بها ذاتياً إلى نصابها، وفي كل مرة تخرج باتلر لتؤكّد أنها لم تقصد هذا بالضبط، ثم تعود بتصريحات، يقتبسها أصحاب الهويات المنقسمة والمتكاثرة بالتوالد الذاتي.
يذكّر هذا إلى حد كبير بالرغبة بالعودة إلى «أصل» ما للهوية، شوّهته السلطة الحديثة، الذي نجده لدى الفاشية الأناركية، حتى لو اختلف الأصل واختلفت السلطة، ففي حالة الناشطية «اليسارية» الأصل هو التروما، الناتجة عن تشويه السلطة الذكورية المركزية الغربية؛ أما لدى الفاشية الأناركية فالأصل هو الطبيعة الذكورية والأنثوية، التي شوهتها الليبرالية المعاصرة. وإذا كان الأخيرون يحلمون بـ»مصنع للرجال»، يشبه داغستان البريّة القوية؛ فالناشطون «اليساريون» يحلمون أيضاً بـ»مصنع للمقاومة»، برّي ومتمرّد على المركزية الغربية، وهو غالباً أرض «السكان الأصليين»، الذين يكتسبون في مخيلتهم سمات «كويرية» أصيلة، من دون الحاجة إلى فلسفة أدائية، وإذا لم تكن تلك «الكويرية» على المستوى الجندري والجنساني، فستكون على مستوى مقاومة الترتيبات والتحديدات السلطوية الغربية. وكما قد يُعجَب يميني أمريكي جديد بمجاهد إسلامي بوصفه «جذاباً قوياً»، فقد يعجب الناشط/ة/ون اليساري بمجاهد إسلامي آخر بوصفه «مقاوماً أصلانياً».
المساحة الآمنة
من الملاحظ، في كل حالات الأداء هذه، أنها تتم دائماً في «مساحات آمنة»، فالفاشيون الأناركيون يبقون «مؤثّرين» من وراء شاشات الهواتف الذكية والكمبيوترات المحمولة، من دون أن يتحملوا مسؤولية العنف الذي يبشّرون بجمالياته، ومن دون أن يعيشوا حياة الداغستانيين الفعلية طبعاً؛ أما الناشطون اليساريون، فيطالبون حرفياً بالعيش في «مساحة آمنة»، في الأكاديميات ومواقع العمل والمؤسسات الثقافية والإعلامية، أما لقاؤهم بـ»السكان الأصليين» فغالباً يكون عبر «حملات تضامنية» محميّة، تتحول إلى تريند عالمي، إذا لاقت بعض الصعوبات، أو تمت مواجهتها ببعض العنف المحسوب.
خارج تلك الفقاعات، يوجد متطرفون فعليون، لا يطالون المساحات الآمنة، وهؤلاء قد يتابعون «المؤثرين»، من الفاشية الأناركية والناشطية «اليسارية»، ويبنون روابط معها، ويكررون حججها، ولكن لن يقتصر تأثيرهم على بعض الإزعاج الثقافي والإعلامي، بل ربما يصبح شديد الدموية.
قد يكون بحث الفقاعات الرقمية و»المساحات الآمنة» أمراً شديد الأهمية من ناحية السوسيولوجيا السياسية، بوصفها عقداً أساسية في شبكات التطرّف المعاصر، ونتيجة لاضمحلال المؤسسات الاجتماعية الوسيطة (مثل النقابات، والنوادي الاجتماعية، والمؤسسات الثقافية والرياضية العمومية غير المخصخصة أو المتعرّضة للأمولة) التي ربما رآها فوكو وخلفاؤه «انضباطية»، ولكنها تاريخياً حافظت على ملامح تحضّرية أساسية على مستوى عالمي.
بالطبع، لا يمكن إرجاع التاريخ إلى الوراء، أي إلى يوتوبيا «الثلاثين عاماً المجيدة» (1945-1975) فهي بدورها كانت عصراً مضطرباً ودموياً، ومليئاً بالمشاكل والكوارث، رغم أنها حوت فاعلين اجتماعيين وسياسيين جديين ومسؤولين، ولكن من الضرورة الملحّة تبليغ مؤثري اليمين و»اليسار» الغربي أن داغستان وأراضي «السكان الأصليين»، ليست كما تروي أسطورتهم؛ وتبليغ متطرفي المنطقة أنهم لن يكتسبوا الشرعية لمجرد أنهم يكررون عبارات مأخوذة من أوساط يمين و»يسار» غربي. نقد تلك الروابط الأسطورية، التي تنمو في شبكات وعقد النظام الدولي الحالي، مهمة لمقاومة اجتماعية جدية بهدف استمرار الحياة، لا علاقة لها لا بـ»رجال أقوياء وجذابين» ولا بـ»سكان أصليين».
كاتب سوري