الكاتب لا يموت، بل يبقى حاضرًا في كتاباته، وفي كل مرة تصل هذه الكتابات إلى قارئ جديد. فكيف إذا حمل اسمه مكانًا مخصّصًا للقراءة والثقافة؟ عندها لا يعود حضوره مرتبطًا بالكتب وحدها، بل يصبح جزءًا من المكان وذاكرته.
المكتبة العامة التابعة لبلدية بيروت في الباشورة حملت اسم إلياس خوري تكريمًا له، ليس بوصفه كاتبًا فحسب، بل أيضًا لكونه عضوًا في أول مجلس أمناء جمعية السبيل. هكذا يلتقي اسم خوري بالمكان الذي كان جزءًا من تأسيسه، ويستمر حضوره فيه من خلال الكتب والقراء والأجيال الجديدة.
ذاكرة المكان
لم يكن حضور إلياس خوري في مكتبة الباشورة وليد التسمية التي أُطلقت عليها قبل عام، فقد كان عضوًا في أول مجلس أمناء لجمعية السبيل، التي تأسست عام 2000 لإدارة المكتبات العامة التابعة لبلدية بيروت. ومن هنا، لا يبدو إطلاق اسمه على المكتبة مجرد تكريم لكاتب ترك أثرًا في الحياة الثقافية، بل استكمالًا لعلاقة سابقة جمعته بهذه التجربة الثقافية في بداياتها.
وبعد مرور عام على إطلاق اسمه على المكتبة العامة في الباشورة، عادت هذه العلاقة إلى الواجهة مع إحياء الذكرى السنوية الأولى للتسمية. فالمكان الذي يحمل اسم خوري اليوم لا يختصر حضوره في لوحة تحمل اسمه، وإنما يستعيد جانبًا من علاقته بالمكتبات العامة وبالحياة الثقافية في بيروت. وبين رفوف الكتب ومساحة القراءة، يبقى الاسم حاضرًا أمام القرّاء، فيما تتجدد علاقته بالمكان مع كل قارئ يمر به أو يختار كتابًا من مكتبته.
إلياس خوري
يصعب فصل إلياس خوري الكاتب عن إلياس خوري الإنسان الذي عاش قضايا عصره عن قرب. وُلد في بيروت عام 1948، وفي شبابه قادته أحداث المنطقة إلى الاقتراب من التجربة الفلسطينية، فبعد هزيمة 1967 زار مخيمًا للاجئين الفلسطينيين في الأردن، ثم انخرط في العمل مع منظمة التحرير الفلسطينية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، كان حاضرًا فيها وشارك في أحداثها وأصيب خلالها. هذه التجارب لم تبقَ خارج كتابته، بل أصبحت جزءًا من نظرته إلى الإنسان والمدينة والذاكرة والحرب.
كانت فلسطين واحدة من القضايا الأساسية في حياته وكتابته، لكن اهتمامه بها لم يأتِ من بعيد. في «باب الشمس» مثلًا، عاد إلى حكايات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وجمع شهادات وقصصًا منهم على مدى سنوات، ليحوّل ذاكرتهم وتجاربهم إلى رواية تمنح أسماءً وأصواتًا لمن غالبًا ما يبقون خارج السرد الرسمي.
وبيروت أيضًا حضرت بقوة في أعماله، لا كمدينة جغرافية فحسب، وإنما كمدينة عاش الحرب وتحوّلاتها وانقساماتها. لذلك تداخل في كتابته الخاص والعام، والحب والحرب، والذاكرة والفقد، وظلت الشخصيات التي تحمل آثار الفقر والتهميش والاقتلاع جزءًا أساسيًا من عالمه الأدبي. من «الجبل الصغير» التي تدور في أجواء الحرب الأهلية، إلى «باب الشمس» وغيرها من أعماله، ظل خوري يعود إلى الأسئلة نفسها: كيف يتذكر الإنسان ما عاشه؟ وكيف يمكن للأدب أن يحفظ حكايات قد يطويها النسيان؟
لهذا، فإن استعادة اسم إلياس خوري اليوم لا تعني استعادة روائي لبناني فحسب، بل استعادة تجربة ارتبطت ببیروت وفلسطين والحرب والناس الذين عاشوا على هامش الأحداث وفي قلبها. وربما هنا تكمن أهمية أن يحمل مكان مخصص للقراءة اسمه؛ فالأفكار والحكايات التي حملها خوري طوال حياته تعود اليوم إلى القراء، ومن بينهم جيل جديد قد يتعرف إلى عالمه للمرة الأولى من خلال كتاب في رفوف المكتبة.
المكتبة العامة
تُعدّ مكتبة إلياس خوري في الباشورة أكبر مكتبة عامة في بيروت، وهي أيضًا أول مكتبة عامة في المدينة. لكن أهمية المكتبة لا تتوقف عند حجم مجموعتها أو موقعها، فهي مساحة مفتوحة للقراءة والتعلّم والعمل، ويمكن للزائر أن يقصدها ببساطة ليجلس بين الكتب ويقضي فيها ساعات في أجواء هادئة ومريحة. كما تتيح المكتبة الاشتراك مجانًا والاستفادة من خدمة استعارة الكتب، إلى جانب توفير خدمة الإنترنت المجاني.
وتضم المكتبة مجموعة واسعة من الكتب التي تناسب اهتمامات وأعمارًا مختلفة، من الروايات والأدب إلى الفلسفة والتاريخ والسياسة، إضافة إلى كتب يمكن استخدامها كمراجع للباحثين. وتتنوع الكتب بين العربية والفرنسية والإنجليزية، ما يجعلها مساحة مناسبة لقرّاء من خلفيات واهتمامات متعددة.
ولا تقتصر وظيفة المكتبة على الكتب والقراءة، إذ تستضيف أنشطة ثقافية وفنية ومهنية وورش عمل، وتوفر مساحة للاجتماعات واللقاءات. وللأطفال أيضًا حضورهم من خلال «ساعة القصة» وغيرها من الأنشطة المخصصة لهم، إلى جانب برامج تستهدف الكبار.
أما جمهور المكتبة، فلا يمكن حصره بفئة واحدة. لها روادها وأصدقاؤها الذين اعتادوا زيارتها، كما تستقبل أشخاصًا يأتون إليها للمرة الأولى. ويختلف روادها في أعمارهم وجنسياتهم واهتماماتهم، لكن ما يجمع بينهم هو قدرتهم على استخدام المكان بالطريقة التي تناسبهم: فمنهم من يأتي للقراءة، ومنهم من يدرس أو يعمل، فيما يختار آخرون المكتبة ببساطة كمكان هادئ يقضون فيه بعض الوقت. وهذا ما يلفت النظر في المكان؛ أن ترى أشخاصًا يجلسون لساعات في هدوء وأريحية، وكأن المكتبة أصبحت جزءًا من يومهم، لا مجرد مكان يمرون به لاستعارة كتاب.
أصوات جديدة
في المكتبة التي تحمل اسمه، لم تبقَ كلمات إلياس خوري حبيسة صفحات كتبه، بل خرجت منها إلى أصوات جيل جديد. خلال النشاط، تناوبت طالبات مدرسة أمان كبّارة الرسمية على تقديم الكاتب، فكانت كل واحدة منهن تضيء جانبًا من سيرته؛ من دراسته وبداياته، إلى علاقته بالقضية الفلسطينية، والأماكن التي عاش فيها والتجارب التي مرّ بها، وصولًا إلى عمله في الصحافة والتحرير ومسيرته الأدبية والجوائز التي نالها.
ثم انتقلت الطالبات من سيرة الكاتب إلى كلماته. قرأت كل واحدة منهن مقطعًا من أحد أعماله، فحضرت «باب الشمس» و«مملكة الغرباء» و«رائحة الصابون» و«أبواب المدينة» و«أولاد الغيتو»، وغيرها من الأعمال التي تحمل جوانب مختلفة من عالمه الأدبي. وبين نص وآخر، كانت تتردد عبارات عن الوطن وفلسطين وبيروت والحرب والسلام، وعن الإنسان الذي يحاول أن يحفظ ذاكرته وسط كل ما يهددها بالنسيان.
كان لافتًا أن بعض ما اختارته الطالبات من كلماته يختصر كثيرًا من علاقته بالكتابة. ففي حديثه عن الأدب، قال خوري: «الأدب ليس لجلب الرأي العام إلينا إنما هو حلبة صراع»، معتبرًا أن القصة تستطيع أن تواجه التاريخ الرسمي وأن تمنح مساحة لأصوات الذين لا يكتبون التاريخ بأنفسهم. وفي «باب الشمس» تظهر علاقته بالذاكرة بوضوح في قوله: «نحن نتذكر لكي ننسى، هذا هو جوهر اللعبة»، في مفارقة تختصر جانبًا من عالمه الذي ظل مشغولًا بالحكاية والذاكرة والنسيان.
وحضرت فلسطين في الكلمات التي اختارتها الطالبات كما حضرت طوال تجربة خوري. ومن آخر ما كتب عن فلسطين وغزة قوله: «إنهما النموذج الذي أتعلم منه كل يوم حب الحياة»، في إشارة إلى صمود غزة وفلسطين رغم الألم. كما حضرت في النشاط صورة فلسطين من خلال بياراتها وأرضها وذاكرتها، وهي عناصر لم تكن بعيدة عن عالمه الروائي، خصوصًا في أعماله التي أعادت سرد تجربة الفلسطينيين والاقتلاع والمنفى.
هكذا، لم يكن تقديم الطالبات لإلياس خوري مجرد استعادة لسيرة كاتب راحل، بل محاولة للعبور إلى عالمه من خلال كلماته نفسها. فكل طالبة حملت جزءًا من حكايته، ثم تركت للكلمات أن تكمل ما بدأته السيرة. وبين أصواتهن ورفوف المكتبة، بدا واضحًا أن الكاتب الذي انشغل طوال حياته بالذاكرة لم يعد حاضرًا في الكتب وحدها؛ بل صار حاضرًا في أصوات قرّاء جدد، يكتشفون حكايته ويعيدون سردها بطريقتهم.
ما يبقى من الحكاية
بعد عام على إطلاق اسم إلياس خوري على المكتبة، يبدو أن حضوره في المكان يتجاوز الاسم المثبت على مدخله. فإرث الكاتب لا يبقى محصورًا في كتبه أو في ما كُتب عنه، بل يجد طريقه إلى قرّاء جدد يفتحون رواياته للمرة الأولى، وإلى طلاب يتعرفون إلى سيرته وأفكاره من خلال كلماته. وفي مكتبة عامة، حيث يلتقي القرّاء على اختلاف أعمارهم واهتماماتهم، تصبح الكتب جزءًا من حياة يومية أكثر منها مجرد مقتنيات على الرفوف. هنا، يمكن لكتاب من كتب خوري أن ينتقل من المكتبة إلى يد قارئ، ومن القارئ إلى حكاية جديدة، فيما يبقى المكان مفتوحًا للقراءة والتعلّم والعمل واللقاء. وربما في ذلك تحديدًا تكمن قيمة أن تحمل مكتبة عامة اسم كاتب؛ أن يتحول التكريم من ذكرى مرتبطة بالماضي إلى حضور متجدد، يعيش كلما فُتح كتاب، وكلما اكتشف قارئ جديد عالم إلياس خوري.