*ماهين شيخاني .
” نحو مرجعية سياسية جامعة“
مدخل: هل نحتاج إلى مؤتمر جديد أم إلى طريقة جديدة في العمل السياسي؟
لم تعد الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني كوردي جامع في سوريا فكرة جديدة، فقد تكررت هذه الدعوات على امتداد سنوات، ورافقتها مبادرات ولقاءات واتفاقات وبيانات أكدت جميعها، بدرجات متفاوتة، ضرورة توحيد الصف الكوردي وتجاوز حالة الانقسام السياسي. ومع ذلك، بقيت الفجوة واسعة بين ما يُعلن من أهداف وما يتحقق على أرض الواقع.
وهنا تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها: لماذا لم تنجح المحاولات السابقة في بناء مرجعية سياسية قادرة على تمثيل الشعب الكوردي في سوريا؟ هل تكمن المشكلة في تعدد الأحزاب واختلاف برامجها، أم في غياب قواعد واضحة لإدارة الخلاف وتوزيع المسؤوليات؟ وهل يكفي أن تجتمع القوى السياسية حول طاولة واحدة كي نكون أمام وحدة حقيقية، أم أن المطلوب هو إعادة النظر في طبيعة العمل السياسي وآلياته ومفهوم التمثيل نفسه؟
إن الأزمة التي تعيشها الحركة السياسية الكوردية لا تختصرها كثرة الأحزاب أو تعدد الرؤى، فالتعدد السياسي في حد ذاته ليس عيباً، بل يمكن أن يكون مصدر غنى وحيوية. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى قطيعة، والتنافس إلى إقصاء، وتصبح المؤسسات الحزبية غايات قائمة بذاتها بدلاً من أن تكون أدوات لخدمة قضية شعب يمتلك حقوقاً قومية وسياسية وثقافية مشروعة.
من هنا، لا ينبغي النظر إلى المؤتمر الوطني الجامع باعتباره مناسبة سياسية جديدة أو صورة جماعية تُضاف إلى أرشيف اللقاءات، بل باعتباره فرصة لإعادة تأسيس العمل السياسي الكوردي في سوريا على قواعد مختلفة، تضمن التمثيل الحقيقي، وتوزيع المسؤولية، واحترام التعدد، وربط القرار السياسي بإرادة المجتمع الذي يُفترض أن تمثله هذه القوى.
أولاً: أزمة الحركة السياسية أعمق من خلافات الأحزاب
على مدى عقود، مرّت الحركة السياسية الكوردية في سوريا بمراحل متعددة، وشهدت انقسامات وتباينات في البرامج والمواقف وأساليب العمل. كما تأثرت بمحيطها الإقليمي وبالتحولات التي شهدتها سوريا والمنطقة، وبطبيعة الظروف الأمنية والسياسية التي عاشها الكورد في ظل غياب الاعتراف الدستوري بحقوقهم القومية.
لكن مرور الزمن لم يؤدِّ بالضرورة إلى نضج التجربة السياسية أو تراكم مؤسساتي يوازي حجم التضحيات والتحديات. ففي محطات كثيرة، تقدمت الحسابات الحزبية على المصلحة العامة، وغلبت الاعتبارات التنظيمية على مقتضيات العمل المشترك، وأصبحت الخلافات حول القيادة والتمثيل والحصص عائقاً أمام الاتفاق على الحد الأدنى من المواقف المشتركة.
ولا يمكن تفسير هذه الحالة بعامل واحد أو تحميل جهة واحدة مسؤوليتها. فالأزمة نتاج تراكمات طويلة، تتداخل فيها طبيعة البنية الحزبية، وضعف آليات المحاسبة، وغياب التداول الواضح للمسؤوليات، وتراجع الثقة بين القوى السياسية، فضلاً عن تأثير الظروف السورية والإقليمية.
والأخطر من ذلك أن استمرار الانقسام لا يضعف الأحزاب وحدها، بل ينعكس على ثقة المجتمع بالعمل السياسي عموماً. فعندما لا يجد المواطن الكوردي مؤسسات سياسية تعبّر عن تطلعاته، أو يرى أن الخلافات تتكرر من دون نتائج ملموسة، تتسع المسافة بين الشارع والقيادات، ويتراجع الإحساس بجدوى المشاركة السياسية.
لقد أثبتت التجربة أن الاتفاق على الشعارات أسهل بكثير من الاتفاق على قواعد العمل. فكثيرون يتحدثون عن وحدة الصف، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يتعلق الأمر بتقاسم المسؤوليات، وقبول النقد، واحترام نتائج التصويت، والتخلي عن احتكار القرار.
لذلك، فإن المطلوب ليس إلغاء الاختلافات أو صهر الأحزاب في إطار واحد، وإنما بناء صيغة سياسية تستطيع إدارة الاختلاف وتحويله من مصدر للانقسام إلى عنصر من عناصر القوة.
ثانياً: المؤتمر الجامع… من شرعية الدعوة إلى شرعية التمثيل
إن نجاح أي مؤتمر وطني كوردي لا يُقاس بعدد المشاركين فيه، ولا بعدد الأحزاب والجهات التي تعلن تأييده، بل بمدى قدرته على اكتساب شرعية حقيقية من خلال تمثيل متوازن وشفاف، وبنتائج قابلة للتنفيذ.
وهنا تكمن المسألة الأساسية: لا يجوز أن يكون المؤتمر مجرد اجتماع بين قيادات الأحزاب، ثم يُقدَّم باعتباره ممثلاً لجميع الكورد في سوريا. فالمجتمع الكوردي أوسع من أطره الحزبية، ويضم شخصيات مستقلة، ومثقفين، وكتّاباً، وأكاديميين، ونقابيين، وفعاليات اجتماعية ومدنية، وناشطين، وشباباً ونساءً، إضافة إلى شرائح واسعة لا تنتمي إلى أي تنظيم سياسي.
إن إقصاء هذه الطاقات، أو الاكتفاء بدعوتها إلى المشاركة الرمزية، يعني إعادة إنتاج الخلل نفسه تحت عنوان جديد.
ومن الضروري أن يستند المؤتمر إلى مبادئ واضحة، أبرزها:
التمثيل المتوازن: ألا تحتكر الأحزاب الكبرى أو القوى الأكثر نفوذاً القرار، وأن تكون المشاركة متناسبة مع الحضور السياسي والمجتمعي، وفق معايير معلنة ومتفق عليها.
استقلالية القرار: ألا يتحول المؤتمر إلى ساحة لتصفية الحسابات أو انعكاساً لتوازنات خارجية، وأن تكون مرجعيته نابعة من إرادة المشاركين ومصلحة الشعب الكوردي في سوريا.
احترام التعدد: الاعتراف بحق الاختلاف في الرؤى والبرامج، ما دام الجميع ملتزماً بالحقوق القومية والديمقراطية للشعب الكوردي وبالعمل السلمي والسياسي.
الشفافية: الإعلان عن آليات اختيار المندوبين، وجدول الأعمال، وقواعد التصويت، والقرارات المتخذة، والجهات المكلفة بتنفيذها.
المساءلة: ألا تتحول القيادة أو المرجعية المنبثقة عن المؤتمر إلى هيئة مغلقة لا تخضع للمراجعة والتقييم.
والأهم أن يكون المؤتمر مؤسساً على قناعة بأن الشرعية لا تُمنح بمجرد الحضور أو التوقيع، وإنما تُكتسب من خلال التفويض الواضح والتمثيل العادل والقدرة على الوفاء بالالتزامات.
ثالثاً: اللجنة التحضيرية… الاختبار الأول للجدية
قبل الحديث عن موعد المؤتمر أو مكان انعقاده، ينبغي الاتفاق على الجهة التي ستتولى التحضير له. فهذه الخطوة ليست تفصيلاً إدارياً، بل هي الاختبار الأول لمدى استعداد الأطراف للتخلي عن عقلية الاحتكار.
ومن غير المنطقي أن تنفرد جهة سياسية بتشكيل اللجنة التحضيرية، ثم تطلب من بقية الأطراف القبول بمخرجاتها. كما لا يصح أن تتحول اللجنة إلى محاصصة حزبية مصغرة، تتكرر فيها الخلافات ذاتها التي يُفترض أن المؤتمر جاء لمعالجتها.
الأفضل تشكيل لجنة تحضيرية توافقية، تضم ممثلين عن الأحزاب والقوى السياسية، إلى جانب شخصيات مستقلة ذات كفاءة وخبرة، وممثلين عن الفعاليات المدنية والنسائية والشبابية. وينبغي أن يكون اختيار أعضائها وفق معايير معلنة، وأن تُحدد مهامها وصلاحياتها ومدتها الزمنية بصورة واضحة.
وتتولى اللجنة، في مرحلة أولى، إعداد نظام داخلي يحدد:
شروط المشاركة ومعايير اختيار المندوبين.
آلية توزيع المقاعد بما يضمن التوازن وعدم الاحتكار.
جدول الأعمال والقضايا الأساسية المطروحة للنقاش.
قواعد اتخاذ القرار، والتمييز بين المسائل التي تتطلب التوافق وتلك التي يمكن حسمها بالتصويت.
آلية فض الخلافات داخل المؤتمر.
طريقة انتخاب الهيئة السياسية أو المرجعية المنبثقة عنه.
مدة ولاية هذه الهيئة، وصلاحياتها، وآليات محاسبتها وتجديدها.
ومن الضروري أن تكون اللجنة التحضيرية مؤقتة ومحددة الصلاحيات، وألا تتحول إلى قيادة سياسية قبل انعقاد المؤتمر، أو تفرض عليه خيارات جاهزة.
إن الاتفاق على قواعد التحضير لا يقل أهمية عن الاتفاق على نتائج المؤتمر؛ بل قد يكون الضمانة الأساسية لنجاحه.
رابعاً: المرأة والشباب والمستقلون… شركاء في القرار لا واجهات للتمثيل
لا يمكن الحديث عن إعادة بناء الحركة السياسية الكوردية من دون مراجعة طبيعة المشاركة داخلها. فالمشكلة لا تكمن فقط في غياب بعض الفئات عن المؤسسات، بل في أن حضورها، حين يتحقق، لا ينعكس دائماً على صناعة القرار.
لقد أثبتت المرأة الكوردية حضوراً بارزاً في مختلف ميادين الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وكانت شريكاً في مواجهة التحديات التي مر بها المجتمع الكوردي. ومن غير المقبول أن يبقى هذا الدور أقل من مستواه الحقيقي داخل المؤسسات السياسية.
لكن مشاركة المرأة لا ينبغي أن تُختزل في تخصيص مقاعد شكلية أو إضافة أسماء إلى قوائم التمثيل. المطلوب أن تكون شريكاً فعلياً في وضع البرامج، وصياغة القرارات، وتولي المسؤوليات القيادية، والمشاركة في اللجان المتخصصة.
والأمر ذاته ينطبق على الشباب. فالشباب ليسوا مجرد طاقة انتخابية أو جمهور يُستدعى في المناسبات، بل يمتلكون أدوات ومعارف وخبرات جديدة، وهم أكثر اتصالاً بالتحولات التقنية والإعلامية والثقافية. وإذا لم تُفتح أمامهم أبواب المشاركة الفعلية، فإن الحركة السياسية ستجد نفسها مع مرور الوقت منفصلة عن جزء أساسي من مجتمعها.
أما المستقلون، فلا ينبغي النظر إليهم باعتبارهم مجرد إضافة عددية أو وسيلة لتجميل صورة المؤتمر. فبينهم أصحاب خبرات سياسية وثقافية وأكاديمية ومهنية، وقد تكون لديهم القدرة على تقديم مقاربات تتجاوز الحسابات التنظيمية الضيقة.
ولضمان هذه المشاركة، ينبغي أن يتضمن النظام الداخلي للمؤتمر قواعد واضحة تمنح المرأة والشباب والمستقلين حضوراً مؤثراً، وتضمن تمثيلهم في الهيئات القيادية واللجان المتخصصة، لا في قاعة المؤتمر وحدها.
فالمعيار الحقيقي ليس عدد المقاعد التي يحصلون عليها، بل مقدار تأثيرهم في القرار.
خامساً: استقلال القرار الكوردي في ظل التعقيدات الإقليمية والدولية
لا تعمل الحركة السياسية الكوردية في سوريا ضمن بيئة داخلية مستقرة أو بعيدة عن التأثيرات الخارجية. فالقضية الكوردية تتقاطع مع مصالح إقليمية ودولية متشابكة، كما أن موقع الكورد في سوريا يرتبط بتوازنات سياسية وأمنية تتجاوز حدود البلاد.
وقد أظهرت التجارب أن القوى الدولية تتعامل مع الملفات السياسية وفق مصالحها وحساباتها المتغيرة، وأن التحالفات التي تُبنى في مرحلة معينة قد تتبدل أولوياتها في مرحلة أخرى. لذلك، فإن التعويل الكامل على أي طرف خارجي، من دون امتلاك موقف سياسي موحد وأدوات تفاوض مستقلة، يضعف القدرة على حماية المصالح الكوردية.
ولا يعني ذلك رفض العلاقات أو التحالفات الدولية، فهي جزء من العمل السياسي والدبلوماسي، وإنما يعني ضرورة التعامل معها بواقعية، بعيداً عن الأوهام والرهانات المطلقة.
ومن هنا، ينبغي أن يكون المؤتمر الوطني قادراً على صياغة رؤية واضحة للعلاقات مع القوى السورية والإقليمية والدولية، تقوم على مبدأ المصالح المتبادلة، وتحفظ استقلال القرار الكوردي، وتمنع تحويل القضية إلى ورقة في صراعات الآخرين.
كما أن وحدة الموقف الكوردي لا تعني تجاهل الاختلافات بين القوى السياسية بشأن طبيعة العلاقة مع دمشق أو مع الأطراف الإقليمية والدولية، بل تعني وضع إطار مشترك لإدارة هذه الاختلافات، وتحديد الثوابت التي لا يجوز التفريط بها.
وفي مقدمة هذه الثوابت الاعتراف الدستوري بالوجود القومي للشعب الكوردي وحقوقه السياسية والثقافية واللغوية، وضمان مشاركته الحقيقية في بناء سوريا ديمقراطية تعددية، على أساس المساواة والشراكة، بعيداً عن سياسات الإنكار أو الإقصاء أو فرض الأمر الواقع.
سادساً: من القرارات إلى المؤسسات… كيف لا يتحول المؤتمر إلى محطة عابرة؟
من أبرز المشكلات التي واجهت المبادرات السياسية السابقة أن الاتفاقات والبيانات لم تتحول دائماً إلى مؤسسات فاعلة، وأن كثيراً من التعهدات بقيت رهينة الظروف أو إرادة القيادات التي وقّعتها.
ولهذا، فإن المؤتمر المقبل يجب ألا ينتهي بمجرد إعلان وثيقة سياسية أو انتخاب هيئة جديدة. بل ينبغي أن يضع تصوراً عملياً للمرحلة التي تليه، وأن يحدد مسؤوليات المؤسسات المنبثقة عنه، ووسائل تنفيذ القرارات ومراقبة الالتزام بها.
وأقترح أن يتضمن المشروع التنظيمي للمؤتمر الآليات التالية:
1. إقرار وثيقة سياسية مرجعية
تحدد الثوابت القومية والسياسية للشعب الكوردي في سوريا، وموقف الحركة من شكل الدولة السورية، والحقوق الدستورية المطلوبة، والعلاقة مع القوى الوطنية السورية، ومبادئ الشراكة والديمقراطية وحقوق الإنسان.
2. تشكيل هيئة سياسية منتخبة
تكون مسؤولة عن تنفيذ مخرجات المؤتمر وتمثيل المرجعية السياسية الكوردية في الملفات الوطنية والإقليمية والدولية، وفق صلاحيات محددة، وبعيداً عن التفرد بالقرار.
3. اعتماد نظام داخلي واضح
ينظم العلاقة بين المكونات المشاركة، ويحدد آليات اتخاذ القرار، ومدد المسؤوليات، وشروط تجديدها، وطرق معالجة الخلافات.
4. إنشاء آلية رقابة ومحاسبة
تقدم الهيئة السياسية تقارير دورية عن أعمالها وقراراتها، وتخضع للمراجعة أمام هيئة رقابية أو مؤتمر دوري، بما يمنع تحول المرجعية إلى مركز نفوذ غير قابل للمساءلة.
5. عقد مؤتمر دوري
لا ينبغي أن يبقى المؤتمر حدثاً استثنائياً يُعقد مرة واحدة ثم تنتهي مهمته. بل يجب أن يتحول إلى مؤسسة سياسية دورية تراجع الأداء، وتقيّم المتغيرات، وتعيد تجديد التفويض.
6. وضع آلية للتعامل مع الخلافات والانسحاب
من الضروري تحديد كيفية التعامل مع اعتراض أحد الأطراف على قرار معين، أو رفضه الالتزام بمخرجات المؤتمر، أو انسحابه منه. فالتوافق لا يعني أن يمتلك كل طرف حق تعطيل العمل المشترك إلى ما لا نهاية، كما أن التصويت لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لفرض إرادة الأكثرية على نحو يلغي حقوق المكونات الأخرى.
إن بناء مؤسسة سياسية حقيقية لا يتحقق بإعلانها، بل بوجود قواعد تحكمها، وصلاحيات تضبطها، وآليات تحاسبها.
سابعاً: ما الذي يجب أن يمنع إعادة إنتاج الأزمة؟
قد ينجح المؤتمر في جمع الأطراف، وقد يتمكن من إصدار وثائق وقرارات مهمة، لكن ذلك لا يكفي لضمان استمراره. فالتحدي الأكبر هو منع عودة الممارسات التي أوصلت الحركة السياسية إلى أزمتها الحالية.
وهناك مخاطر ينبغي الانتباه إليها منذ البداية:
احتكار التمثيل: حين تتعامل جهة ما مع نفسها باعتبارها الممثل الوحيد، أو ترى أن حجمها التنظيمي يمنحها حقاً دائماً في قيادة الآخرين.
المحاصصة الحزبية: حين تصبح المقاعد والمناصب أهم من البرنامج السياسي، ويتحول المؤتمر إلى توزيع حصص بدلاً من بناء مشروع مشترك.
المشاركة الشكلية: حين تُستدعى المرأة والشباب والمستقلون لإضفاء طابع جامع على المؤتمر، من دون منحهم دوراً حقيقياً.
غياب الالتزام: حين تُوقّع الاتفاقات من دون وجود آلية لمتابعة تنفيذها أو مساءلة الجهات التي تتراجع عنها.
التأثيرات الخارجية: حين تتقدم الحسابات الإقليمية والدولية على المصلحة القومية والسياسية للكورد في سوريا.
الخطاب غير الواقعي: حين تُطرح وعود أكبر من الإمكانات، أو تُقدَّم قرارات المؤتمر وكأنها قادرة وحدها على حل جميع المشكلات.
ولعل أخطر هذه المخاطر هو أن يتحول المؤتمر إلى واجهة جديدة للأزمة القديمة؛ تتغير الأسماء والشعارات، بينما تبقى آليات التفكير والعمل كما هي.
ولذلك، فإن نجاحه يتطلب استعداداً حقيقياً للمراجعة، والاعتراف بالأخطاء، وقبول الشراكة، والتعامل مع السياسة باعتبارها مسؤولية عامة لا امتيازاً تنظيمياً.
خاتمة: الوحدة ليست صورة جماعية… بل مسؤولية مشتركة
إن الشعب الكوردي في سوريا لا يحتاج إلى مزيد من البيانات التي تؤكد أهمية الوحدة بقدر حاجته إلى عمل سياسي يترجم هذه الدعوات إلى مؤسسات ومواقف وقرارات.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن تكرار الدعوة إلى مؤتمر جامع لا يكفي، وأن الاتفاق على العناوين العامة لا يضمن تجاوز الخلافات. فالمشكلة لم تعد في غياب الفكرة، بل في غياب قواعد عادلة وملزمة تجعل المؤتمر ممثلاً حقيقياً، وتمنع إعادة إنتاج الانقسام داخله.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس مؤتمراً يجمع أكبر عدد ممكن من الشخصيات والأحزاب، بل مؤتمراً يؤسس لمرحلة سياسية مختلفة؛ مرحلة لا يحتكر فيها أحد القرار، ولا يُقصى فيها أحد بسبب اختلافه، ولا تُختزل فيها القضية الكوردية بمصالح تنظيم أو حسابات قيادة.
كما أن المسؤولية لا تقع على الأحزاب وحدها، بل تشمل المثقفين والمستقلين والفعاليات الاجتماعية والمدنية، وكل من يمتلك القدرة على الإسهام في بناء حياة سياسية أكثر نضجاً وفاعلية.
إن إعادة بناء الحركة السياسية الكوردية ليست مهمة سهلة، ولا يمكن إنجازها بقرار أو لقاء واحد، لكنها تبدأ بخطوة أساسية: الاعتراف بأن الأساليب التي لم تنتج وحدة حقيقية في الماضي لا يمكن أن تكون وحدها طريقاً إلى المستقبل.
فالوحدة ليست أن نجلس جميعاً حول طاولة واحدة، ثم نختلف على من يترأسها؛ الوحدة أن نتفق على قواعد عادلة لإدارة الطاولة، وعلى مشروع سياسي يتقدم على مصالح الجالسين حولها.
وإذا كان المؤتمر الوطني الجامع هو المدخل إلى هذه المرحلة، فإن قيمته لن تُقاس بما يصدر عنه في يوم انعقاده، بل بما يستطيع أن يؤسسه بعد ذلك من ثقة ومؤسسات وشراكة وقرار سياسي مستقل.
فالقضية أكبر من الأحزاب، وأكبر من القيادات، وأكبر من خلافات اللحظة السياسية. إنها قضية شعب يتطلع إلى الاعتراف بحقوقه القومية، وإلى أن يكون شريكاً في تقرير مستقبله، لا مجرد طرف ينتظر ما تقرره القوى الأخرى بشأنه.
*ماهين شيخاني .
20/10/2026