غادرت آخر القوّات الأميركيّة العراق من بوّابة إربيل، فيما بقي سؤال معلّق فوق سماء كردستان: من يحمي الإقليم بعد رحيلها؟
المخاوف تتقدّم على ثلاثة محاور متشابكة: دفاعات جويّة تغادر بلا بديل، وخلايا “داعش” التي تتحرّك من جديد، وفصائل مسلّحة تؤجّل تسليم سلاحها. الاختبار الحقيقيّ يبدأ الآن: هل تستطيع بغداد حماية الإقليم وتوحيد قرار السلاح أم يفتح رحيل الأميركيّين مرحلة جديدة من الفراغ والمساومات؟
تؤكّد مصادر مقرّبة من حكومة إقليم كردستان لـ”أساس” أنّ القلق الأكبر هو ترك الإقليم من دون منظومة دفاعيّة بديلة، إذ تقع مسؤوليّة حماية الأجواء الآن على الحكومة الاتّحاديّة وحدها. ويكتسب هذا القلق وزناً إضافيّاً مع تحذير وزارة شؤون البيشمركة، في 28 أيلول، من أنّ الانسحاب لن يترافق مع توفير منظومة دفاع جوّيّ بديلة، خصوصاً أنّ أكثر من ألف مسيّرة وصاروخ باليستيّ ضربت الإقليم خلال المواجهات الأميركيّة–الإسرائيليّة مع إيران، وأصاب بعضها مناطق مدنيّة، فخلّف قتلى وجرحى وأضراراً مادّيّة.
هنا تكمن الفجوة بين إعلان المسؤوليّة وامتلاك أدواتها: فجاهزيّة القوّات البرّيّة وتنسيقها مع الجيش العراقي لا يجيبان وحدهما عن سؤال اعتراض المسيّرات والصواريخ.
في موازاة الخطر الجوّيّ، يتحدّث مصدر كرديّ لـ”أساس” عن رصد تحرّكات لخلايا نائمة خلال الأسابيع الماضية، بينها خليّة يُشتبه بتحضيرها لهجمات انتحاريّة، في معلومات تستدعي الحذر لا الجزم بعودة سيناريو سقوط الموصل، فتنظيم الدولة الإسلاميّة خسر سيطرته الواسعة على الأرض لكنّه لم يختفِ، وتجربة 2011-2014 تصلح للتحذير من الفراغ لا لافتراض تكرار التاريخ.
يأتي هذا كلّه بعد إعلان رئاسة الإقليم، في 21 أيلول، استكمال الخطوة النهائيّة في توحيد البيشمركة ضمن مسار إدماج قوّات الوحدتين 70 و80 في هيكل الوزارة، والامتحان الآن هو تحويل هذا التوحيد المعلن إلى قيادة واستجابة مشتركتين مع بغداد. وتُضاف إلى معضلة الحماية مسألة التمويل، بعد انتهاء الدعم الماليّ الأميركيّ المرتبط ببروتوكول التفاهم مع وزارة الدفاع الأميركيّة، ما دفع وزارة شؤون البيشمركة إلى مطالبة بغداد بتعويضه عبر تعديل رواتب عناصرها أسوة بالقوّات العراقيّة.
ماذا عن الوجود العسكري التركي؟
يشرح مصدر عراقيّ لـ”أساس” أنّ الانسحاب وضمّ الفصائل مساران مترابطان سياسيّاً وأمنيّاً، لكنّ اكتمال مغادرة القوّات لا يعني إنجاز الدمج أو نزع السلاح. فقد اكتمل الانسحاب، في حين أُرجئ الموعد المعلن لاستكمال تسليم سلاح الفصائل إلى 30 حزيران 2027. وبحسب المصدر، تتضمّن التفاهمات بدء دمج ألوية الفصائل داخل هيئة الحشد الشعبيّ بعد اكتمال الانسحاب، على أن يبدأ تسليم الأسلحة الاستراتيجيّة اعتباراً من آذار 2027. أمّا رئيس الوزراء عليّ الزيديّ فتحدّث عن مهلة تسعين يوماً تمتنع خلالها الفصائل عن مهاجمة المصالح الأميركيّة والدول المجاورة، مقابل ضمانات بعدم استهدافها أميركيّاً، تمهيداً لتسليم السلاح وإنهاء كياناتها المستقلّة وإدماج أفرادها في “الحشد”.
يلفت المصدر إلى فارق جوهريّ بين هذين المسارين: فدمج الألوية مع الحفاظ على تماسكها التنظيميّ يختلف عن إدماج الأفراد وإلغاء القيادة المستقلّة، وتغيير المسمّى وحده لا يوحّد قرار الحرب والسلم ما دامت الأوامر خارج سلطة الدولة.
يكشف المصدر أنّ مطالب الفصائل تتجاوز خروج الأميركيّين إلى إنهاء الوجود التركيّ في قاعدة زليكان، وإخراج مقاتلي حزب العمّال الكردستانيّ والمعارضة الإيرانيّة المسلّحة، وإقرار قانون “الحشد الشعبي”، بما يمدّ التفاوض إلى إعادة ترتيب النفوذ في شمال العراق. ويرى المصدر أنّ الانسحاب الأميركيّ قد ينزع ذريعة استمرار سلاح الفصائل، لكنّه قد يمنحها في المقابل فرصة لتقديم نفسها منتصرة وتعزيز شروطها، خصوصاً أنّ خمس جماعات موالية لإيران سبق أن رفضت المهلة السابقة لتسليم السلاح وحلّ تنظيماتها.
لذلك لا يكفي احتساب ما غادر من جنود ومعدّات، فالأهمّ هو ما يبقى من قدرة على الردع والملاحقة، وكلّ تأخير في تعويض الحماية أو ضبط الفصائل يترك مساحة لاختبار الدولة.
ترامب يغادر وبغداد تُختبر
أشاد الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب المنظّم، وأعلن دعمه لرئيس الوزراء العراقيّ، معتبراً أنّ وقت عودة الأميركيّين إلى الوطن قد حان. لكنّ الثقة السياسيّة بالزيديّ لا تُغني عن ضمانات أمنيّة قابلة للتنفيذ. ففي 30 أيلول، اختُتمت مهمّة “العزم الصلب” في العراق بمغادرة القوّات والمعدّات الأميركيّة قاعدة إربيل الجوّيّة.
أكّد البنتاغون استمرار التدريب الموجّه والدعم الاستخباريّ ضمن العلاقة الثنائيّة مع الدولة العراقيّة، مع استمرار مهمّة مكافحة “داعش” من قواعد إقليميّة قريبة. غير أنّ هذا الاستعداد لا يشكّل ضمانة لحماية أجواء كردستان: فبينما اعتبرت القيادة الأميركية القوّات العراقيّة والبيشمركة قادرة على إدارة التهديدات، شدّد الزيديّ على أنّ انتهاء مهمّة التحالف لا يعني نهاية المعركة مع الإرهاب.
تضع هذه المعطيات المشهد أمام سؤال أصعب من إعلان السيادة: ماذا يحدث خلال الفاصل الزمنيّ بين خروج القوّات وتسليم سلاح الفصائل؟ فبقاء الدفاعات بلا بديل، تحرّك الخلايا النائمة، واستمرار القيادات المسلّحة المستقلّة عوامل قد تجعل من المغادرة الأميركيّة بداية اختبار مفتوح لا نهاية مهمّة. والسيادة، في نهاية المطاف، تُقاس بقدرة بغداد على منع الهجمات وحماية بلادها، قبل أن يفرض الفراغ طلب الحماية من الخارج مجدّداً.
