-1-
“تُعدّ الازدواجية اللغوية مدرسةً للتسامح وسبيلًا للبقاء”- وردت هذه الكلمات في التقديم الذي وضعه أمين معلوف لكتاب “من أجل تعليم مزدوج اللغة” للباحثة الفرنسية آنّا لياتي (صدر عن منشورات “بايو”، 1994).
وفي سياق متصل، تعرّف الباحثة الكرواتية رانكا بيجيجاك- بابيك، في فصل خاص عنوانه “ما الازدواجية اللغوية” من كتابها “الطفل المزدوج اللغة” (منشورات أوديل جاكوب، 2017)، مفهوم “ازدواجية لغوية”، أو “ثنائية لغوية”، بكونه يشير إلى ظواهر مختلفة تبعًا لما تصفه: سواء كان فردًا أو مجتمعًا أو نمطًا من أنماط التواصل. ويُعد الشخص مزدوج اللغة إذا ما كان يستخدم لغتين بانتظام؛ أما المجتمع فيُعدّ ازدواجي اللغة إذا ما كان يستخدم لغة في سياق معين ولغة أخرى في سياق مختلف. وقد يشير نمط التواصل “مزدوج اللغة” إلى التبديل بين اللغتين أو إلى إقحام مصطلحات من إحداهما في الأخرى في أثناء التخاطب. مع التركيز، في المقام الأول، على ازدواجية اللغة لدى الأفراد – وهي تشمل أيضًا أنماط التواصل المختلفة- وعلى وجه الخصوص تطور اللغة لدى الأطفال مزدوجي اللغة.
تضيف الباحثة أنه لعل أبسط تعريف لازدواجية اللغة، وهو تعريف ينطبق على ملايين المتحدثين، هو الاستخدام التبادلي للغتين على الأقل من قِبَل الفرد نفسه. غير أن ظروف مزدوجي اللغة ومستويات إتقانهم للغات قد تتفاوت، مما يجعل تعريف “مزدوج اللغة” أو تحديد وضعه أمرًا معقدًا للغاية. فقد يكون مزدوج اللغة طفلًا في الثانية من عمره يتحدث الإنكليزية مع أمه والفرنسية مع أبيه (أو العربية مع أمه والفرنسية مع أبيه، في حالة المهاجرين العرب إلى فرنسا)، أو قد يكون واحدًا من غالبية الهنود الذين يتحدثون لغة قبلية في المنزل كلغة أم، ويستخدمون لغة إقليمية كلغة ثانية، والإنكليزية والهندية كلغتين وطنيتين؛ أو قد يكون طفلًا بلجيكيًا ناطقًا بالفلمنكية يشارك في برنامج للانغماس اللغوي في الفرنسية ضمن المنهج الدراسي للمرحلة الابتدائية. وقد يكون طفلًا يتكلم الأمازيغية في البيت والعربية في الفضاء العام.
وقد ذكرت رانكا بيجيجاك- بابيك، المذكورة سالفًا، حالة نادرة كانت قد رُصدت، ولكنها مثيرة للاهتمام في بابوا غينيا الجديدة، بين قبائل كانت معادية لبعضها تقليديًا؛ إذ تتحدث هذه القبائل لغات مختلفة لكنها تحتاج إلى التفاهم فيما بينها لتسوية خلافاتها.
-2-
الباحثتان لورا آن بيتيتو، وهي عالمة أعصاب تشغل أيضًا منصب المؤسس والمدير العلمي لمختبر الدماغ واللغة للتصوير العصبي في جامعة غالوديت، ويوليا كوفرمان، الباحثة في قسم العلوم النفسية والدماغية، في كلية دارتموث، هانوفر، نيو هامبشاير في الولايات المتحدة الأميركية، قامتا بدراسة كان غرضها الإجابة عن سؤال: كيف يساعدنا الأطفال مزدوجو اللغة في الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بازدواجية اللغة، ويكشفون عن آليات الدماغ الكامنة وراء اكتساب اللغة؟ وكانت النتيجة أن الآراء تتضارب حول تطور اللغة لدى الأطفال مزدوجي اللغة؛ فمن المفارقات أن البعض يرى في اكتسابهم المبكر للغة عملية شاقة تتسم بتأخر لغوي وخلط بين اللغات، بينما يراها آخرون عملية بسيطة نسبيًا.
| إن هؤلاء الأطفال مزدوجي اللغة لم يُظهروا أي علامات على الارتباك بين اللغتين، إذ يمتلكون جميعًا عددًا كبيرًا من الكلمات التي تتطابق معانيها الدلالية في كلتا اللغتين (Getty) |
وهذا ما أطلقتا عليه “مفارقة الازدواجية اللغوية”؛ وقد سعتا لاستكشاف أصل هذا التباين من خلال دراسة حالة خمسة أطفال مزدوجي اللغة تتراوح أعمارهم بين سبعة اشهر وعشرين شهرًا، بينهم طفلتان تتمتعان بحاسة السمع وتتعلمان لغتين منذ الولادة (الإنكليزية والفرنسية)، وثلاثة أطفال (طفلتان وطفل) يتمتعون أيضًا بحاسة السمع ويتعلمون منذ الولادة لغة منطوقة (الفرنسية) ولغة إشارة. بحسب هذه الدراسة، بلغ جميع الأطفال المراحل المبكرة لاكتساب اللغة في كلتا اللغتين، وفقًا للجدول الزمني نفسه الذي يتبعه الأطفال أحاديو اللغة. في الواقع، لا يعاني هؤلاء الأطفال مزدوجو اللغة من أي تأخر لغوي.
ونشير إلى أنه من النتائج الأخرى المهمة لهذه الدراسة أن أيًا من هؤلاء الأطفال مزدوجي اللغة لم يُظهر أي علامات على الارتباك بين اللغتين، إذ يمتلكون جميعًا عددًا كبيرًا من الكلمات التي تتطابق معانيها الدلالية في كلتا اللغتين (والتي أطلقت الباحثتان عليها “الكلمات المتكافئة في الترجمة”).
ما المقصود بـ “مفارقة ازدواجية اللغة”؟ إنه تعبير ابتكرته الباحثتان في سبيل الإشارة إلى ظاهرة أثارت اهتمامهما مرارًا وتكرارًا في أثناء دراستهما للأطفال الصغار الذين يتعلمون لغتين أو أكثر. فمن ناحية، أبدتا إعجابًا بتلك السهولة الظاهرة التي يكتسب بها الأطفال مزدوجو اللغة لغتين أو أكثر، شريطة أن يتعرضوا لهما في مرحلة مبكرة جدًا. ومن ناحية أخرى، كان يساورهما القلق أيضًا، فهل يمكن أن يؤدي تعريض الطفل إلى لغتين في سنّ مبكرة جدًا إلى تأخر في النمو اللغوي، أو، وهو الأسوأ، إلى حدوث خلط بين اللغات؟
إن الخوف من الازدواجية اللغوية أمرٌ واردٌ في هذه الحالة. تقول الباحثتان في عرض تفسيرهما لهذا الخوف: “غالبًا ما يتساءل الآباء الذين يزورون مختبرنا عما إذا كان من الأفضل ترسيخ لغة واحدة بقوة قبل تعريض الطفل للغة الأسرة الأخرى، وذلك تجنبًا لحدوث أي ارتباك. فهم يخشون أن يؤدي تعريض طفلهم إلى ازدواجية لغوية في مرحلة مبكرة جدًا إلى تأخر في اكتساب اللغة أو إلى قصور في مهاراته اللغوية في كلتا اللغتين، أو حتى أن تعيق هذه الثنائية المبكرة نموه المعرفي”.
-3-
توجد لدى العلماء وجهات النظر المتناقضة ذاتها التي عبّر عنها الآباء والمربون؛ إذ تسود مجموعتان من الفرضيات العلمية، إحداهما تؤيد نظامًا لغويًا “موحدًا”، والأخرى تؤيد نظامًا لغويًا “متمايزًا”. وتشير المجموعة الأولى إلى أن الأطفال المعرضين إلى لغتين يكوّنون تمثيلًا لغويًا واحدًا ومدمجًا، وأنهم لا يبدأون في التمييز بين لغاتهم الأم إلا عند بلوغهم سن الثالثة. بل إن بعض الباحثين اعتبروا ظاهرة “خلط” اللغات لدى الأطفال مزدوجي اللغة، أي ذلك الخلط الذي يجمعون فيه بين عناصر من اللغتين في أثناء المحادثة، دليلًا إضافيًا على احتمال حدوث خلط لديهم، وعلى احتمال اندماج النظامين اللغويين في نظام واحد. هكذا نقلت ل. آ. بيتيتو وإ. كوفرمان وجهة نظر العلماء والمربين.
يشكك المؤيدون لفرضية “نظام اللغة المتميز” في الدراسات السابقة؛ إذ يرون أن ظاهرة خلط اللغات لدى الطفل ثنائي اللغة تعكس وجود أنماط نحوية وتأثير عوامل اجتماعية لغوية. ومن ثم، يؤكد هؤلاء الباحثون أن الأطفال مزدوجي اللغة يمتلكون تمثيلات ذهنية متميزة لكلتا اللغتين لديهم منذ سن مبكرة. “ومع ذلك، لا تزال مسألة تحديد التوقيت الدقيق أو العمر الذي يحدث فيه ذلك أمرًا يتطلب مزيدًا من البحث”.
تؤكد الباحثتان وجود حقائق جوهرية يمكن أن تساعد في معالجة جانبين من مفارقة ازدواجية اللغة. يتمثل الجانب الأول في التوقيت الذي يصل فيه الطفل مزدوج اللغة إلى المراحل اللغوية المبكرة في كلتا اللغتين، إذ يتيح ذلك النظر في احتمالية وجود تأخر في النمو اللغوي. أما الجانب الثاني فيتعلق بالمعرفة اللغوية المبكرة لدى الطفل في كل لغة من اللغات المكتسبة، حيث يوفر ذلك مؤشرات إلى مناقشة احتمالية حدوث خلط في التمثيل الذهني أو المعنى. كما تسلط مثل هذه الدراسات الضوء على مسألة مهمة تتعلق بالعمر الذي يبدأ فيه الطفل مزدوج اللغة بالتمييز بين اللغتين.