إيريك إيدلمان شغل منصب وكيل وزارة الدفاع الأميركية للسياسات من عام 2005 إلى عام 2009.
والتر سلوكومب شغل منصب وكيل وزارة الدفاع الأميركية للسياسات من عام 1994 إلى عام 2001.
مترجم عن “فوربن أفيرز”، في الـ15 من سبتمبر (أيلول) 2026… اندبندنت عربية
ملخص
تتجه إدارة ترمب إلى تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، مما يهدد بإضعاف الردع التقليدي والنووي للناتو وتقويض ثقة الحلفاء بالتزامات واشنطن. ويحذر النص من أن الانسحاب قد يشجع روسيا على تصعيد تحركاتها ضد الحلف، ويدفع خصوماً آخرين إلى التشكيك في الضمانات الأمنية الأميركية، بل ويعرض الأمن الأميركي نفسه للخطر، داعياً الكونغرس إلى كبح هذا المسار.
تبدو الولايات المتحدة مستعدة لسحب جزء كبير من قواتها العسكرية من أوروبا. فقد نصت “استراتيجية الأمن القومي لعام 2025” التي وضعتها إدارة ترمب، وهي وثيقة أساس في مجال السياسات، على أن الوقت قد حان لكي “تقف القارة على قدميها” وتضطلع “بالمسؤولية الرئيسة عن دفاعها التقليدي”، أو بعبارة أخرى، عليها الاستعداد لمرحلة الانسحاب الأميركي. وفي اجتماع لوزراء دفاع حلف شمال الأطلسي عقد في يونيو (حزيران) الماضي، أعلن وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أن البنتاغون “يتحرك بسرعة وبخطوات لا رجعة فيها نحو تولي أوروبا المسؤولية الرئيسة عن الدفاع عن نفسها”. وبعد شهرين، وتحديداً في أغسطس (آب) الماضي، صرح إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الحرب للشؤون السياسية، بأن حلف الناتو سينتقل إلى ما سماه “تحالفاً أقوى وأكثر إنصافاً واستدامة”، أي تحالف تتولى فيه القارة الجزء الأكبر من مهام الدفاع عن نفسها. ثم استكملت الإدارة تحركها بإرسال استبيان إلى جميع حلفاء الناتو، في محاولة لاستطلاع مدى توافقهم مع سياسات الرئيس دونالد ترمب وأولوياته، وكان التهديد الذي لم يذكر صراحة، لكنه كان واضحاً، هو أن من لا يبدي توافقاً مع هذه السياسات سيواجه تراجعاً في مستوى الدعم الأميركي. ويقال إن البنتاغون يعمل على إعداد دراسة لتحديد المستوى الأمثل للقوات الأميركية داخل الناتو، لكن من الواضح أن مهمة هذه الدراسة ليست سوى توفير غطاء للمسار الذي اختاره ترمب وهيغسيث وكولبي بالفعل.
وبالنسبة إلى ترمب ومسؤولي إدارته، يبدو الانسحاب من أوروبا خطوة منطقية تماماً، فهم يرون أن القارة تتمتع بالثراء والقوة الكافيين للدفاع عن نفسها بالكامل، وفي المقابل، يتعين على واشنطن توجيه مواردها العسكرية إلى مواجهة التحديات المتنامية في آسيا والشرق الأوسط.
غير أن منطق الإدارة الأميركية هذا خاطئ، فالانسحاب من أوروبا لن يخدم مصالح واشنطن في أي منطقة من مناطق العالم، بل على العكس تماماً، سيؤدي إلى إضعاف حلف الناتو وشراكات الولايات المتحدة كافة، بل إنه قد يعرض الأراضي الأميركية نفسها للخطر. ولا يستند الانسحاب الذي تخطط له الإدارة إلى أي تقدير جاد لإدارة التحالفات، أو تحليل التهديدات، أو فهم التاريخ، بل هو نتاج تحيز صارخ ضد أوروبا، مما يجعلها خطوة مدانة ومستنكرة بقدر ما هي خطرة.
تحويل العالم إلى بيئة غير آمنة للديمقراطية
عندما عاد ترمب إلى البيت الأبيض، كان كثير من المسؤولين الأوروبيين يأملون أن تظل تهديداته الكلامية أشد وقعاً من أفعاله، تماماً كما كانت الحال خلال ولايته الأولى. لكن سرعان ما اتضح أن ترمب عازم بالفعل على تنفيذ تعهده بالانسحاب من القارة، ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أعلنت الإدارة سحب نحو ألف جندي بصورة دائمة من رومانيا، مما يعني تقليص حجم الوجود العسكري الأميركي على الجناح الشرقي لحلف الناتو. وفي مايو (أيار) الماضي، ألغى فريقه خطة نشر قوة مهام تابعة للجيش في أوروبا كانت مجهزة بمنظومة الأسلحة فرط الصوتية الجديدة “دارك إيغل” (Dark Eagle)، التي كان من شأنها تهديد أهداف عسكرية مهمة في روسيا، بالتالي تعزيز قدرات الردع. وفي الشهر ذاته أيضاً، ألغت إدارة ترمب نشر “فريق القتال التابع للواء المدرع الثاني” (Second Armored Brigade Combat Team) الذي كان من المفترض أن يحل محل وحدة أميركية موجودة أصلاً، مما ترك القارة مع نحو 5 آلاف جندي أميركي أقل.
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” في يونيو (حزيران) الماضي، أبلغ مكتب السياسات في البنتاغون حلفاء الولايات المتحدة بأن هناك خفوضاً أعمق مقبلة. فواشنطن تخطط لخفض عدد مقاتلات “أف-15 إي” (F-15E) و”أف-16″ (F-16) التابعة للقوات الجوية الأميركية والمتمركزة في أوروبا بمقدار الثلث، وسحب الطائرات الثماني جميعها المخصصة للتزويد بالوقود جواً العاملة هناك، ونقل إحدى مجموعتي الطائرات القاذفة المخصصتين لأوروبا إلى منطقة أو مهمة أخرى، وسحب 15 طائرة من أصل 26 طائرة للدوريات البحرية متمركزة في القارة، إضافة إلى سحب غواصة قادرة على إطلاق صواريخ كروز ومجموعة حاملة طائرات. وتعتزم أيضاً سحب جزء كبير من القوات العسكرية الأميركية من منظومة القيادة التابعة لحلف الناتو.
فعلى سبيل المثال، خفض هيغسيث في يوليو (تموز) الماضي رتبة قائد القوات البرية الأميركية في أوروبا من أربعة نجوم إلى ثلاثة نجوم، مما أدى فعلياً إلى إجبار قائد عسكري ميداني يحظى باحترام كبير، وهو الجنرال كريس دوناهو، على التقاعد. ويبدو أيضاً أن هيغسيث يخطط لاستبدال عدد كبير من الضباط الأميركيين الذين يشغلون حالياً مناصب قيادية عليا بضباط أوروبيين، بل إن البيت الأبيض يدرس في المستقبل إمكانية تعيين شخص غير أميركي في منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء في الناتو (SACEUR)، وهو أرفع منصب عسكري في الحلف (علماً أن تولي أميركي لهذا المنصب يعد مبدأً راسخاً من مبادئ القيادة الأميركية وعنصراً أساساً من عناصر تضامن الناتو ووحدة صفه، منذ تأسيس الحلف).
وإذا تحقق هذا السيناريو، فلدى أوروبا قادة أكفاء قادرون على شغل هذه المناصب، لكن الحقيقة أن القارة العجوز لا يمكنها توفير ما توفره الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، لا يمتلك أي من القادة الأوروبيين الخبرة نفسها التي يمتلكها نظراؤهم الأميركيون في قيادة تشكيلات عسكرية كبيرة في زمن الحرب، أو في تنسيق وتدريب جيوش دول متعددة. كما أن الدول الأوروبية عاجزة عن تعويض النقص الناجم عن سحب طائرات الدوريات البحرية الأميركية، مما يعني أنها ستواجه صعوبات جمة في رصد تحركات الغواصات الروسية. ومما يزيد الوضع سوءاً، أن البحرية الأميركية امتنعت، للمرة الأولى منذ عقود، في أوائل سبتمبر (أيلول) الجاري، عن المشاركة في مناورات للناتو مخصصة للحرب المضادة للغواصات في شمال المحيط الأطلسي، وهي خطوة بالغة الحماقة والخطورة، نظراً إلى أن الغواصات الروسية، المسلحة بصواريخ كروز ذات رؤوس نووية، تتخذ من تلك المياه مساراً للاقتراب من الساحل الأميركي. وفي السياق ذاته، لا يملك حلف الناتو اليوم القدرة على تعويض طائرات التزويد بالوقود جواً، أو المجموعات القتالية المرافقة لحاملات الطائرات، أو قدرات القاذفات بعيدة المدى التي يخطط البنتاغون لسحبها.
قد يؤدي انسحاب واشنطن إلى تعريض الأراضي الأميركية نفسها للخطر
قد يكون تقليص دور حلف شمال الأطلسي “الناتو” برمته موضع تساؤل كبير في الظروف العادية، لكن الظروف الراهنة لا تمت إلى العادية بصلة. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يواصل حربه على أوكرانيا.
لقد أمضى بوتين أكثر من عقد في شن ما يصفه الخبراء بـ”حرب المنطقة الرمادية” أو “الحرب الهجينة” ضد الناتو، وهي نمط من الصراع تنفذ فيه روسيا عمليات تخريبية ضد الدول الأعضاء ثم تنفي مسؤوليتها عنها. فعلى سبيل المثال، أقدمت موسكو على اغتيال مهاجرين معارضين لروسيا، وزرع أجهزة حارقة في مصانع وطائرات شحن غربية، وإرسال طائرات مسيرة متفجرة لمهاجمة مطارات داخل أراضي الحلف، وقطع كابلات بحرية في المحيط المتجمد الشمالي وبحر البلطيق، والتدخل في الانتخابات، وشن هجمات سيبرانية. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025، صرحت رئيسة جهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية “إم أي 6” بلايز مترويلي، بأن روسيا تشكل “تهديداً حاداً” للقارة، إذ إنها تخطط لعمليات حرق متعمد وتخريب وحروب سيبرانية وهجمات بطائرات مسيرة في أنحاء أوروبا.
وخلال الأشهر الـ15 الماضية، صعدت روسيا من تنفيذها لهذه الأعمال وبصورة أكثر جرأة وعلنية. ففي أغسطس الماضي وحده، رصدت أنشطة مشبوهة مرتبطة بروسيا في كل من بلغاريا وإستونيا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وسلوفاكيا. وفي أوائل سبتمبر، اعتقلت لندن مواطناً بريطانياً جندته أجهزة الاستخبارات الروسية لتنفيذ أعمال تخريب في مصنع للطائرات المسيرة في المملكة المتحدة. وعمد بوتين إلى نشر مزيد من الأصول العسكرية في المناطق الروسية المحاذية لدول الحلف، مما دفع عدداً من كبار القادة العسكريين ومسؤولي الاستخبارات في الحلف إلى التحذير من أن بوتين يخطط لتنفيذ عمليات برية محدودة ضد الناتو خلال الأعوام القليلة المقبلة.
إن تزايد النزعة العدوانية لدى بوتين، تزامناً تماماً مع انسحاب واشنطن وتقليص وجودها، ليس وليد الصدفة. ففي عالم يعج بقادة قوميين يتسمون بالعدوانية والرغبة في الثأر واستعادة ما فقدوه، وبوتين بلا شك واحد منهم، فإن التصور السائد عن ضعف الولايات المتحدة وعدم موثوقيتها يفتح الباب أمام مثل هذا السلوك (وفي المقابل، يعد الالتزام الأميركي الموثوق بالدفاع عن الأهداف الأوروبية أفضل وسيلة لردع هجمات “المنطقة الرمادية”). والواقع أن افتقار واشنطن للموثوقية في أوروبا يولد حالة كبيرة من عدم اليقين في شأن مدى التزامها بالدفاع عن مناطق أخرى، بما في ذلك منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ومن شبه المؤكد أن الزعيم الصيني شي جينبينغ والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون سينظران إلى قرارات الولايات المتحدة بالتراجع عن الدفاع عن حلفائها في الناتو باعتبارها مؤشراً إلى أن واشنطن لن تقف إلى جانب تايوان وكوريا الجنوبية. فالتعهدات الأمنية الأميركية لا يمكن فصلها عن بعض، إذ إن الانطباع بأن الولايات المتحدة تتراجع عن التزاماتها في إحدى ساحات المواجهة يثير حتماً الشكوك، لدى الحلفاء والخصوم على حد سواء، في شأن التزاماتها في ساحات أخرى.
بل إن تقليص واشنطن لوجودها قد يعرض الأراضي الأميركية نفسها للخطر، فنشر القوات الجوية والبحرية والبرية الأميركية في الخارج يساعد في إبقاء قوات العدو بعيدة من السواحل الأميركية. ويعد الانسحاب المقترح للقوات الأميركية المخصصة للحرب المضادة للغواصات، بما في ذلك طائرات الدوريات والغواصات الهجومية، مثالاً صارخاً على ذلك، إذ إنه يسهل على القوات الروسية الوصول إلى الولايات المتحدة.
أوهام نووية
تزعم إدارة ترمب أنها لا تتخلى عن أوروبا تماماً، ففي معرض الرد على المخاوف والانتقادات التي أثيرت في شأن قراراتها، أشارت الإدارة إلى أن أوروبا ستظل تحت مظلة الردع النووي الأميركي. وفي الواقع، أفادت صحيفة “فايننشال تايمز” بأن مسؤولين أميركيين صرحوا بأن الإدارة تدرس إمكانية نشر أسلحة نووية أميركية في مزيد من الدول الأوروبية، وذلك بموجب ترتيبات مماثلة لتلك التي تحكم عمليات النشر الحالية للقنابل والطائرات النووية في أوروبا.
لكن هذه الخطة تغفل بعض الإصلاحات النووية التي يرجح أن تكون أكثر قدرة على تعزيز الردع، مثل تسريع وتيرة برنامج تصنيع صواريخ كروز جديدة مزودة برؤوس نووية وتطلق من البحر. وحتى لو كان ترمب يسعى إلى تنفيذ مثل هذه الإصلاحات، فمن غير الواقعي الاعتقاد أن نشر مزيد من الأسلحة النووية الأميركية في قواعد داخل أوروبا، أو أي حل آخر قائم على العتاد النووي، سيؤدي إلى تعزيز الردع، ففي نهاية المطاف، إذا لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لنشر قوات تقليدية كبيرة للمساعدة في الدفاع عن أوروبا، فلن يكون هناك سبب وجيه يدفع بوتين (أو غيره من القادة) لأن يستنتج بأن واشنطن ستكون مستعدة يوماً لاتخاذ الخطوة الهائلة المتمثلة في استخدام الأسلحة النووية.
إن القضية الأساس المطروحة هنا هي مدى صدقية التهديدات الأميركية باستخدام القوة العسكرية، التقليدية والنووية على حد سواء، في حال تعرض حلف الناتو لتهديد صريح أو لهجوم. وكما أشار ذات مرة المتخصص البريطاني الراحل في السياسات النووية والباحث في هذا المجال السير مايكل كوينلان، فإن الحرب غير النووية هي “الطريق الأرجح إلى حرب نووية، بل إنها عملياً الطريق الوحيد المرجح… ويبلغ الخطر ذروته عندما يكون صراع مرير قد اندلع بالفعل على مستوى أدنى. لذلك، ينبغي لجهود منع الحرب أن تشمل جميع مستويات الصراع العسكري بين الدول القادرة على امتلاك السلاح النووي”.
ومن المرجح للغاية أن يظهر أي تفكير جدي في استخدام الأسلحة النووية في سياق حرب تقليدية وشيكة أو دائرة بالفعل، فالردع التقليدي والردع النووي مرتبطان ارتباطاً وثيقاً ولا يمكن الفصل بينهما. لقد كان وجود القوات النووية الأميركية على الأراضي الأوروبية خلال حقبة التنافس مع السوفيات يهدف دائماً إلى إقامة ترابط واسع بين الدفاع عن الولايات المتحدة والدفاع عن أوروبا. بالتالي، فإن تقليص مساهمة واشنطن في الدفاع التقليدي عن القارة يؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف كل من الردع التقليدي والنووي في مواجهة تجدد العدوان الروسي.
وعليه، لا يوجد أي مبرر منطقي أو عسكري يدعو الولايات المتحدة للانسحاب من أوروبا، بل إن التفسير الوحيد المعقول، هو تفسير يفتقر تماماً للمنطق، وهو أن ترمب يكره هذه القارة.
رسم الخط الأحمر
وبالنظر إلى أن هذه الإدارة، إذا تركت لأهوائها وأحكامها المسبقة الخاطئة، تعرض الأمن القومي الأميركي للخطر، فإن على الكونغرس أن يفرض حضوره ويضمن عدم وقوع مزيد من الضرر. ويجب عليه سن تشريع يتماشى مع “قانون تفويض الدفاع الوطني” لعام 2025، الذي يحظر استخدام الأموال التي أجيز إنفاقها أو خصصت لها اعتمادات، من أجل خفض أو تغيير حجم القوات الأميركية في أوروبا. بل ينبغي للكونغرس أن يحظر على أي إدارة رئاسية خفض مستويات القوات الأميركية في القارة من دون الحصول على موافقة صريحة منه، كما يجب عليه إلزام البيت الأبيض بتقديم تقارير سنوية، سواء كانت سرية أو علنية، في شأن التهديدات التي تواجه حلف الناتو وقدرة الحلف على ردع تلك التهديدات والدفاع ضدها، إلى جانب تقديم مقترحات وتوصيات حول سبل تعزيز قوة الحلف. ويجب أن يوضح التقرير كيف تسهم عمليات نشر القوات الأميركية في أوروبا في الدفاع عن الأراضي الأميركية وكيف تعزز قدرة واشنطن على تنفيذ عمليات عسكرية خارج أوروبا.
وسيتعين على الكونغرس أيضاً حماية البنية الأساس للناتو من سوء تقدير ترمب. فينبغي على الكونغرس، على سبيل المثال، أن يشترط في قوانين تفويض الدفاع المستقبلية، أن يشغل منصب “القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا” ضابط عسكري أميركي برتبة “أربعة نجوم”، وذلك للحيلولة دون تخلي ترمب أو أي رئيس مستقبلي عن هذا المنصب. ولن تضمن هذه الخطوة أن يكون الحلف على أعلى قدر من الفاعلية فحسب، بل ستحمي أيضاً “سلسلة الإذن بإطلاق الأسلحة النووية”، أي ترتيبات القيادة التي تضمن، كما فعلت منذ خمسينيات القرن الماضي، عدم استخدام الأسلحة النووية الأميركية في القتال إلا بموجب تفويض صريح من الرئيس. وأخيراً، ستساعد هذه الخطوة في ضمان بقاء الردع النووي الأميركي موثوقاً وذا صدقية.
ومن اللافت، في ضوء تهديدات ترمب ضد كندا وغرينلاند، أن الكونغرس سيضطر أيضاً إلى حظر استيلاء الولايات المتحدة بالقوة على أراضي أي دولة عضو في الناتو بصورة صريحة. ولتعزيز هذا المبدأ، ينبغي للكونغرس أن يمنع أي إدارة أميركية من نقل قوات إلى دولة حليفة في وقت السلم ما لم تطلب الدولة المعنية ذلك أو توافق عليه.
واستطراداً، يجب على واشنطن أيضاً أن تولي اهتماماً أكبر بالتخطيط في أوقات السلم عموماً. فإذا كانت الولايات المتحدة تعتزم الدفاع عن أوروبا وعن نفسها، فلا يكفي أن تمتلك الأدوات العسكرية وغيرها من الوسائل اللازمة للنجاح في الحرب فحسب، بل عليها أيضاً أن تقنع أصدقاءها وخصومها المحتملين بأنه يمكن الاعتماد عليها للقتال إلى جانب حلفائها عند الضرورة.
لقد حافظت الولايات المتحدة، منذ عام 1949، على التزامها بأنجح تحالف عسكري في التاريخ الحديث، وقد فعلت ذلك على رغم المخاوف العميقة من أن الاتحاد السوفياتي قد يطغى على الحلف ويتفوق عليه، وعلى رغم النقاشات الداخلية المتكررة، بما في ذلك النقاشات المتعلقة بغاية الحلف ودوره. وقد نجحت الولايات المتحدة في بناء ثقة الحلفاء في الضمانات الأمنية الأميركية وحافظت على هذه الثقة. وبفضل إدارة الولايات المتحدة للحلف وقيادتها له، حافظ حلف الناتو على السلام في أوروبا، وأسهم في إنهاء الحرب الباردة التي استمرت أربعة عقود، وجعل من أوروبا قارة موحدة وحرة. والتفريط في هذا التحالف وفي ثقة شركاء الولايات المتحدة بسبب نظريات لم تثبت صحتها ومآخذ تافهة، سيكون أقصى أشكال الإضرار بالذات، إذ سيعرض السلام والازدهار اللذين ينعم بهما الشعب الأميركي للخطر.
فرانكلين ميلر شغل على مدى ثلاثة عقود منصباً رفيعاً في مجال سياسات الأسلحة النووية والحد من التسلح في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، ثم عمل في هيئة موظفي مجلس الأمن القومي خلال إدارة جورج دبليو. بوش. وهو حالياً شريك رئيس في مجموعة سكوكروفت.
إيريك إيدلمان شغل منصب وكيل وزارة الدفاع الأميركية للسياسات من عام 2005 إلى عام 2009.
والتر سلوكومب شغل منصب وكيل وزارة الدفاع الأميركية للسياسات من عام 1994 إلى عام 2001.
مترجم عن “فوربن أفيرز”، في الـ15 من سبتمبر (أيلول) 2026