ملخص
باشرت الأوساط الثقافية الفرنسية الاحتفال بالذكرى المئوية الأولى لولادة الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي ميشال فوكو، التي تصادف الـ15 من أكتوبر الجاري.
في هذه المناسبة، تستعيد فرنسا ميشال فوكو، أحد أكثر فلاسفتها تأثيراً في الفكر والثقافة المعاصرة من خلال برنامج واسع يكشف، أن الأسئلة التي طرحها الفيلسوف لم تفقد قدرتها على فتح باب النقاش، وأن أعماله ما زالت حاضرة بقوة في الفلسفة والعلوم الإنسانية وفي التفكير في الذات والمجتمع والسلطة.
ويتصدر “الكوليج دو فرانس”، بالتعاون مع المكتبة الوطنية الفرنسية، هذا الاحتفاء من خلال سلسلة من المحاضرات والندوات والمؤتمرات والمعارض والمنشورات. واللافت أن المناسبة لا تكتفي باستعادة صورة فوكو التاريخية، بل تحاول إعادة فتح ورشته الفكرية، لا سيما في السنوات الممتدة من عام 1970 لغاية 1984 والتي قضاها في “الكوليج دو فرانس”. فقد كان انتخابه في الـ12 من أبريل (نيسان) عام 1970 لكرسي “تاريخ أنساق الفكر” بداية مغامرة فكرية استمرت قرابة 14 عاماً، كان من نتيجتها أن المحاضرات التي ألقاها هناك صارت من أكثر أجزاء أعماله دراسة وتعليقاً في العالم. ذلك أن “الكوليج دو فرانس” شكلت مختبراً حقيقياً لتكون فكره، وفضاءً لاختبار فرضياته ومراجعة مفاهيمه وتعديلها، وفتح مسارات بحثية جديدة.
ومن هذه الدروس تبلورت موضوعات أصبحت لاحقاً من أبرز معالم المشروع الفكري الفوكوي، كارتباط المعرفة بالسلطة والبنى التي تحدد الإنسان وتضبطه وتستبعد ما يخرج عن معاييرها، والجنون والمرض واللغة والعمل والعقاب والرغبة، والدعوة إلى قراءة الحضارة الغربية انطلاقاً مما همشته أو أقصته، فضلاً عن تاريخ العقل الغربي، والحدود التي رسمها لنفسه، وتتبع التحولات التي عرفها هذا العقل منذ عصر النهضة حتى الحداثة، والكشف عن أنساق المعرفة والشروط التاريخية التي حددت في كل عصر ما يمكن قوله ومعرفته والتفكير فيه، مما بين أن الإنسان الحديث هو نفسه نتاج تاريخي لشبكات متغيرة من المعرفة والسلطة والممارسات. وهذه القضايا نجدها في “حفريات المعرفة” و”المراقبة والعقاب” و”نظام الخطاب” و”تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”، وسواها من المؤلفات.
“الأمن والأرض والسكان”
وتمثل الدروس التي ألقاها فوكو في “الكوليج دو فرانس” عام 1978 حول “الأمن والأرض والسكان”، وما طرحته من تحليل لمفهوم الحكم الرشيد والحكمانية، أو تلك التي ألقاها عام 1982 حول “هرمينوطيقا” أو “تأويل الذات”، بما تضمنته من بحث في الأخلاقيات والعناية بالذات من خلال إعادة قراءة أفلاطون وماركوس أوريليوس وأبيقور وسينيكا، محطات أساسية في تطور فكره. ولم تكن هذه الدروس شأناً أكاديمياً محضاً. فقد امتلأت المدرجات، وانتشرت التسجيلات على الأشرطة الصوتية خارج جدران المؤسسة المعرفية. وبعد وفاة فوكو، نشرت هذه الدروس، وترجمت بسرعة فائقة إلى لغات عديدة، وهذا ما منح فكره استقبالاً ثانياً غير متوقع. وبدلاً من أن يؤدي غيابه إلى تراجع الاهتمام بفكره، أسهم نشر هذه الدروس في توسيع دائرة تأثيره عالمياً بعدما اكتمل نشرها عام 2015.
يحمل برنامج مئوية فوكو طابعاً استثنائياً. فقد استهل في مايو (أيار) الماضي بسلسلة من الدروس والندوات حملت عنوان “حضور فوكو” أشرف عليها الطبيب والأنثروبولوجي ديدييه فاسين، أستاذ كرسي “المسائل الأخلاقية والقضايا السياسية في المجتمعات المعاصرة” في “الكوليج دو فرانس” وفي معهد “الدراسات المتقدمة” في جامعة برينستون، الذي نشر في هذه المناسبة كتاباً بعنوان “هكذا فكر فوكو، بحث في فلسفة لعصرنا” (لا ديكوفيرت، 2026) وهو عبارة عن مجموعة من المحاضرات ألقاها في “الكوليج دو فرانس” تناولت مفاهيم فوكو كالبيوسياسة، والحكمانية، وصياغة الإشكاليات، وأنظمة الحقيقة، وتأويل الذات، والجنسانية، ونهاية الإنسان، ومساءلة الفيلسوف لكل ما يبدو بديهياً، إلى جانب منهجه النقدي وقدرته على دفع الباحثين إلى استكشاف مجالات لم يكن قد قاربها بعد، وتوقف الكتاب عند انخراط ميشيل فوكو في نضالات وقضايا عصره، مبرزاً راهنية فكره في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وملاءمته لفهم التحولات العميقة التي يشهدها العالم المعاصر.
وفي يونيو (حزيران) الماضي، استضاف “الكوليج دو فرانس” مؤتمراً دولياً بعنوان “فوكو بلا حدود”، خصص لتحليل الحضور العالمي للفكر الفوكوي ومناقشته بعيداً من الأفكار الشائعة والقراءات النمطية، سواء تلك التي تتسم بالتمجيد أو تلك التي تنطلق من النقد والاعتراض، بغية إلقاء الضوء على الكيفية التي أسهم بها فوكو في إعادة رسم الحدود الفكرية والمعرفية، وزعزعة المسلمات، واكتسابه اليوم راهنية متجددة.
وتوقف المشاركون في المؤتمر عند جوانب متعددة من مسيرة الفيلسوف الفكرية والسياسية، بدءاً من عمله في المعاهد الثقافية الفرنسية في أوبسالا ثم في وارسو، حيث أنجز أطروحته حول الجنون، مروراً بتجربته في تدريس الفلسفة في جامعة تونس، التي شكلت أيضاً مدخلاً إلى أول تجربة سياسية له، وصولاً إلى إقاماته في اليابان والبرازيل وكندا، وزياراته المتكررة للولايات المتحدة، وتناولوا انخراطه في تغطية الثورة الإسلامية في إيران، ونشاطه في المجال الإنساني، كدعمه لنقابة “التضامن” في بولندا، فضلاً عن إسهاماته في تجديد البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية وفتح آفاق جديدة لدراسة عدد كبير من الموضوعات.
استعاد المؤتمر كذلك بعض المناظرات الحادة التي خاضها فوكو مع مؤرخين أميركيين وفلاسفة ألمان، وغيرها من الجدالات التي تكشف اتساع المجال الجغرافي والفكري لتجربته، مفسراً استمرار حضوره وتأثيره في النقاشات المعاصرة.
معرض فوكو
أما الحدث الأبرز فهو، بلا أدنى شك، معرض “فوكو، مغامرة فكرية في الكوليج دو فرانس”، الذي تنظمه المؤسسة بالتعاون مع المكتبة الوطنية الفرنسية بدءاً من الـ30 من سبتمبر (أيلول) الماضي وحتى الـ15 من يناير (كانون الثاني) 2027. يضم المعرض مخطوطات نصوص غير منشورة، ووثائق أرشيفية، وأغراض شخصية، وتسجيلات صوتية ومرئية، وشهادات تتصل بمسيرة الفيلسوف في المؤسسة.
ولا يقتصر المعرض على عرض “فوكو المفكر” في عزلة عن محيطه، بل يحاول القيمون عليه إعادة بناء العالم الذي تشكلت في داخله تجربته الفلسفية، لذلك تظهر الوثائق علاقاته بزملائه بول فاين ورولان بارت وريمون آرون، والوسط الفكري المحيط به، إلى جانب مخطوطات دروسه ومحاضراته في الخارج، ودفاتر ملاحظاته ومراسلاته. وبهذا المعنى، تقدم المئوية فوكو كنتاج مسار فردي، وكجزء من شبكة فكرية ومؤسساتية وثقافية واسعة منذ سنواته الأولى في “الكوليج دو فرانس” مروراً بأسفاره ومحاضراته ومداخلاته في بلدان عديدة. ومن خلال هذه الرحلات، نفهم كيف أخذ مشروعه الفكري يتجاوز المجال الفرنسي، صائراً جزءاً من نقاش عالمي حول الذات والسلطة والمعرفة والمجتمع.
هكذا عرف العالم الأنغلو-أميركي ما يعرف بـ”أثر فوكو”، أي ذلك الانتشار المستمر لفكر لا يستقر في صيغة واحدة ولا يقبل أن يحصر داخل تصنيف نهائي. ولعل هذه السمة هي من أكثر ما يفسر استمرار حضور الفيلسوف بعد قرن من ولادته. فميشيل فوكو لم يقدم منظومة فكرية مغلقة بقدر ما ترك أدوات وأسئلة ومفاهيم يمكن إعادة استخدامها في سياقات مختلفة. لذا تبدو عبارة “تشخيص الحاضر” التي ارتبطت بفهم فوكو للفلسفة شديدة الدلالة في هذه المئوية. فالمطلوب ليس أن نسأل فقط: ماذا قال فوكو؟ وإنما ماذا تفعل نصوصه بنا اليوم؟ وكيف يمكن أن تساعدنا على النظر إلى ما يبدو مألوفاً باعتباره تاريخياً وقابلاً للتغيير؟
إلى جانب النشاطات الأكاديمية، يترافق الاحتفال بمئوية فوكو مع إصدار عدد من الكتب الجديدة التي تعيد قراءة فكره، فضلاً عن إعادة نشر أعماله ونصوصه غير المنشورة. ومن أبرز هذه الكتب كتاب ديدييه فاسين الذي أشرت إليه أعلاه، وكتاب فريديريك غرو “قوة فوكو”، الذي يستعيد صورة الفيلسوف المزعزع للمسلمات، إلى جانب نصوص وضعها فوكو نفسه عن الثورة الإيرانية، وتصدر دار “غاليمار” ضمن سلسلة “لابلياد” العريقة مختارات من “أقوال وكتابات” تضم 55 نصاً من مقالات وحوارات ومحاضرات ومقدمات، بعضها ينشر للمرة الأولى، فيما تنشر دار “فلاماريون” كتاب “حملة الأطفال”، الذي يضم نصوصاً غير مكتملة وغير منشورة ترتبط بمشروع فوكو في “تاريخ الجنسانية”.
من “تاريخ الجنون” و”حفريات المعرفة” إلى “تاريخ الجنسانية”، ومن تحليل المجتمعات البانوبتيكية إلى دراسة أشكال إخضاع الذات وتكوينها، ظل ميشيل فوكو يشتغل على المناطق التي تتقاطع فيها المعرفة والسلطة والتجربة الإنسانية. لم يكن هدفه تقديم فلسفة منفصلة عن الواقع، بل استخدام التفكير لفهم الحاضر والكشف عن الشروط التاريخية التي تجعل بعض الأشياء تبدو طبيعية أو حتمية. ولهذا فإن عودته عام 2026 بمناسبة مئوية ولادته الأولى، ليست عودة للماضي بقدر ما هي إعادة فتح لورشة فكرية لم تغلق. فالمخطوطات الجديدة، وإعادة نشر النصوص القديمة، والأرشيفات الصوتية، والمعارض، والمؤتمرات، كلها تجعل من هذه المناسبة فرصة لإعادة قراءة هذا الفكر، من دون تحويله إلى نصب تذكاري.
