لا يملك لبنان صوتاً في الانتخابات الإسرائيليّة المقبلة، لكنّه قد يدفع جزءاً كبيراً من ثمنها. بينما ينشغل الإسرائيليّون بالسؤال عن بقاء بنيامين نتنياهو أو رحيله، وعن قدرة خصومه على تشكيل بديل، يبرز سؤال آخر يعني لبنان مباشرة: أيّ حكومة إسرائيليّة ستجلس بعد الانتخابات لتقرّر مستقبل الحدود الشماليّة، الانسحاب من الأراضي اللبنانيّة، سلاح “الحزب”، وقواعد استخدام القوّة؟
ليست الانتخابات الإسرائيليّة شأناً إسرائيليّاً فقط بالنسبة إلى لبنان. هي، بصورة غير مباشرة، محطّة أساسيّة في تحديد المرحلة المقبلة من العلاقة بين البلدين. والأهمّ أن لا يعتقد لبنان أنّ المشكلة اسمها بنيامين نتنياهو، وأنّ رحيله يعني تلقائيّاً أنّ إسرائيل ستصبح أكثر ليونة تجاه لبنان. المشكلة أكبر من نتنياهو.
نتنياهو يحتاج إلى “نصر”
يدخل نتنياهو الانتخابات المقبلة وهو يحمل تناقضاً سياسيّاً كبيراً. هو رئيس الحكومة الذي وقعت في عهده كارثة السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل، لكنّه يريد أن يكون أيضاً رئيس الحكومة الذي يقول للإسرائيليّين إنّه أعاد بناء قوّة الردع.
لذلك لن تقوم حملته على الدفاع عمّا فعله فقط، بل على إعادة كتابة الرواية كاملة: إسرائيل تعرّضت لضربة غير مسبوقة، لكنّها ضربت “حماس” بعدها، وأضعفت “الحزب”، وواجهت إيران، وغيّرت موازين القوى في المنطقة.
هنا يصبح لبنان جزءاً من الحملة الانتخابيّة. أيّ انسحاب إسرائيليّ قبل الانتخابات، من دون مقابل أمنيّ يستطيع نتنياهو تسويقه داخليّاً، قد يتحوّل إلى مادّة يستخدمها خصومه ضدّه. لذلك لا يفاوض لبنان اليوم حكومة إسرائيليّة فقط، إنّما يفاوض حكومة تخوض انتخابات أيضاً. وهذا فرق مهمّ.
لكنّ الخطأ المقابل سيكون انتظار سقوط نتنياهو باعتباره مفتاح الحلّ. خصوم نتنياهو الأساسيّون قد يختلفون معه على إدارة الحرب، العلاقة مع واشنطن، غزّة، صفقات الأسرى، المؤسّسات والقضاء، حتّى على شخصيّة نتنياهو وطريقة حكمه. لكنّ مساحة الاختلاف تضيق كثيراً عندما يتعلّق الأمر بالمفهوم الأمنيّ الجديد لإسرائيل بعد 7 أكتوبر.
ليس غادي آيزنكوت داعية سلام بالمعنى التقليديّ. هو رئيس أركان سابق وأحد أبرز أبناء المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة. وليس نفتالي بينيت يساريّاً. وحتّى القوى الأكثر اعتدالاً سياسيّاً باتت تتحرّك داخل مجتمع إسرائيليّ تغيّرت نظرته إلى المخاطر المحيطة به.
لذلك ليس السؤال بالنسبة إلى لبنان: من هو المرشّح الأكثر حبّاً للبنان؟ لا أحد يخوض الانتخابات الإسرائيليّة على هذا البرنامج. السؤال الأدقّ هو: مع أيّ حكومة إسرائيليّة يستطيع لبنان الوصول إلى معادلة أكثر قابلية للتفاوض والتنفيذ؟
هنا تظهر ثلاثة سيناريوهات:
السّيناريو الأوّل: فوز نتنياهو
إذا نجح نتنياهو في إعادة تشكيل ائتلاف يمينيّ، فسيعتبر النتيجة تفويضاً شعبيّاً لسياساته الأمنيّة. في الملفّ اللبنانيّ تحديداً، ستكون المعادلة على الأرجح واضحة: لا عودة إلى قواعد ما قبل الحرب. وهذا يعني تشدّداً في ربط أيّ انسحاب إسرائيليّ بضمانات فعليّة تتعلّق بسلاح “الحزب” وانتشار الجيش اللبنانيّ، والإصرار على آليّات مراقبة، وربّما المطالبة بحرّيّة عمل عسكريّة في حال اعتبرت إسرائيل أنّ “الحزب” يعيد بناء قدراته.
المشكلة بالنسبة إلى لبنان هنا ليست نتنياهو فقط، بل أن يكون نتنياهو المنتصر انتخابيّاً أقوى من نتنياهو الذي يفاوض اليوم. فإذا استطاع إقناع الإسرائيليّين بأنّ القوّة العسكريّة التي استخدمها منذ 7 أكتوبر أعادت الردع، سيكون من الصعب أن يتراجع بعد الانتخابات عن شروط جعلها جزءاً من تعريفه لـ”النصر”.
لكنّ هناك وجهاً آخر لهذا السيناريو. نتنياهو الذي يربح الانتخابات قد يصبح أيضاً أكثر قدرة على توقيع اتّفاق. الرجل الذي يحتاج اليوم إلى اليمين المتطرّف للبقاء السياسيّ قد يمتلك بعد الفوز هامشاً أوسع، إذا كانت تركيبته الحكوميّة تسمح بذلك. وهذه إحدى مفارقات السياسة: أحياناً يكون السياسي القويّ أكثر قدرة على تقديم تنازل من السياسي الضعيف. لذلك لا يمكن الجزم بأنّ فوز نتنياهو يعني حكماً حرباً أطول. لكنّه يعني بالتأكيد أنّ ثمن التسوية الإسرائيليّة سيكون مرتفعاً.
السّيناريو الثّاني: خسارة نتنياهو
هذا هو السّيناريو الذي قد يبدو للبعض في لبنان الأكثر راحة. لكن يجب الحذر من المبالغة. حكومة يقودها آيزنكوت أو ائتلاف واسع من خصوم نتنياهو قد يكون مختلفاً في الأسلوب وفي علاقتها مع واشنطن، وربّما أكثر استعداداً للدخول في عملية سياسية منظّمة ومراحل متبادلة وواضحة. قد يكون من الأسهل على إدارة ترامب التعامل معها في تنفيذ صيغة تقوم على: خطوة لبنانيّة مقابل خطوة إسرائيليّة، انتشار للجيش مقابل انسحاب، تحقّق من السلاح مقابل إجراءات أمنيّة إسرائيليّة.
قد يكون التغيير في آليّة الوصول إلى الهدف، وليس بالضرورة في الهدف نفسه. فأيّ رئيس حكومة إسرائيليّ مقبل سيواجه الرأي العامّ نفسه الذي عاش 7 أكتوبر والحرب مع “الحزب”. وأيّ حكومة ستُسأل: ما الذي يمنع “الحزب” من إعادة بناء ترسانته؟ من يضمن أمن سكّان شماليّ إسرائيل؟ هل يستطيع الجيش اللبنانيّ فعلاً أن يكون القوّة المسلّحة الوحيدة جنوباً؟
لهذا السبب، قد تفتح خسارة نتنياهو نافذة سياسيّة للبنان. لكنّها لن تلغي المطالب الأمنيّة الإسرائيليّة. قد يتغيّر المفاوض. لن يتغيّر بالضرورة ملفّ التفاوض.
السّيناريو الثّالث: لا أكثريّة واضحة
ربّما هذا السيناريو الأكثر إزعاجاً للبنان. إذا جاءت النتائج من دون أكثريّة واضحة، ودخلت إسرائيل في أسابيع أو أشهر من المفاوضات لتشكيل حكومة، فإنّ الملفّ اللبنانيّ قد يدخل هو أيضاً في مرحلة انتظار. هنا تظهر مشكلة أساسيّة. تستطيع الحكومة الانتقاليّة أن تضرب. لكنها تجد صعوبة أكبر في أن تتنازل. لأنّ أيّ سياسيّ إسرائيليّ يفكر في انتخابات جديدة لن يريد أن يمنح خصمه صورة يقول فيها: “لقد انسحب أمام الحزب”.
بذلك يمكن أن نجد أنفسنا أمام معادلة غريبة: فراغ سياسي في إسرائيل، لكن ليس فراغاً عسكريّاً. وهذا قد يكون أخطر السيناريوات على المدى القصير، لأنّ العمليّات الأمنيّة يمكن أن تستمرّ فيما القرار السياسيّ الكبير يؤجَّل.
هل ترفع الانتخابات خطر التّصعيد؟
نعم، لكن ليس بالضرورة بالطريقة المبسّطة التي تقول إنّ نتنياهو يحتاج إلى حرب حتّى يفوز. ليست الحروب دائماً مفيدة انتخابيّاً. وإذا تحوّلت العمليّة العسكريّة إلى خسائر إسرائيليّة كبيرة أو حرب طويلة بلا نتيجة واضحة، فقد تصبح عبئاً على الحكومة بدلاً من أن تكون رصيداً لها. لكنّ الانتخابات تخلق مشكلة أخرى. إنّها ترفع كلفة التنازل. كلّ طرف يريد أن يدخل الصندوق وهو يقول إنّه حصل على أكثر ممّا أعطى.
هذا يعني أنّ الأشهر السابقة للانتخابات قد تكون مرحلة صعبة لإنتاج التسوية النهائيّة مع لبنان، لكنّها قد تكون مناسبة لبناء عناصرها: انتشار الجيش، آليّات المراقبة، معالجة المواقع الحدوديّة، خطوات متبادلة، وضمانات أميركيّة.
ماذا عن دونالد ترامب؟
هنا تصبح المعادلة أكثر إثارة للاهتمام لأنّ لبنان لا يتفاوض عمليّاً مع إسرائيل وحدها. هناك واشنطن بينهما. وعلاقة ترامب بنتنياهو لم تعد ببساطة علاقة رئيس أميركيّ يمنح رئيس الحكومة الإسرائيليّة ما يريد.
هناك مصالح أميركيّة أوسع: منع حرب جديدة، تثبيت الترتيبات الإقليميّة، ضبط المواجهة مع إيران، وحماية ما تعتبره واشنطن فرصة لإعادة رسم النظام الأمنيّ في المنطقة. وهذا يعني أنّ الانتخابات الإسرائيليّة ستختبر أيضاً قدرة ترامب على التأثير في السياسة الإسرائيليّة.
إذا قرّر نتنياهو أنّ إظهار استقلاله عن واشنطن يفيده انتخابيّاً، فقد يصبح رفض بعض المطالب الأميركيّة جزءاً من حملته. والمفارقة هنا كبيرة. نتنياهو الذي استخدم طوال سنوات علاقته المميّزة مع ترامب لإثبات قوّته داخل إسرائيل، قد يحتاج هذه المرّة إلى إثبات أنّه قادر على الاختلاف معه أيضاً. وقد يكون لبنان أحد الملفّات التي يظهر فيها هذا الاختلاف.
ماذا يعني كلّ ذلك للبنان؟
يعني أوّلاً أنّ انتظار الانتخابات الإسرائيليّة ليس سياسة. ارتكب لبنان تاريخياً خطأ انتظار المتغيّر الخارجيّ: الانتخابات الأميركيّة أو الحكومة الإسرائيليّة أو الاتّفاق الأميركيّ ـ الإيرانيّ أو التفاهم السعوديّ ـ الإيرانيّ أو تغيّر الظروف الإقليميّة. لكنّ الدول لا تستطيع أن تبني استراتيجيتها على نتائج صناديق الآخرين.
إذا وجدت الحكومة الإسرائيليّة المقبلة دولة لبنانيّة ضعيفة، وسلاحين، وقرارين أمنيَّين، وحدوداً قابلة للانفجار في أيّ لحظة، فسيكون من السهل عليها تبرير استمرار العمليّات العسكريّة ورفض الانسحاب.
أمّا إذا وجدت دولة تستطيع أن تقول لواشنطن والمجتمع الدوليّ إنّها نفّذت التزاماتها، ونشرت جيشها، ومنعت إعادة بناء بنية عسكريّة مستقلّة عن الدولة، فإنّ المعادلة تتغيّر. وهذه ربّما أقوى ورقة تفاوضيّة يستطيع لبنان امتلاكها. ليس لأنّ إسرائيل ستصبح فجأة أكثر ثقة بلبنان، بل لأنّ واشنطن ستصبح أكثر قدرة على الضغط عليها.
الانتخابات الإسرائيليّة مهمّة للبنان، لكنّها لن تنتج حكومة تأتي لإنقاذه. إذا فاز نتنياهو فسيواجه لبنان مفاوضاً أقوى وأكثر تشدّداً، لكنّه ربّما أكثر قدرة على اتّخاذ قرار كبير. إذا خسر فقد تأتي حكومة أكثر انسجاماً مع واشنطن وأكثر قابليّة للتسويات المرحليّة، لكنّها لن تتخلّى عن العقيدة الأمنيّة التي ترسّخت بعد 7 أكتوبر. وإذا لم تتوافر أكثريّة واضحة فقد يدخل لبنان في أشهر إضافيّة من الانتظار، فيما يبقى احتمال التصعيد قائماً.
ثلاثة سيناريوات مختلفة، لكنّ بينها ثابتاً واحداً: إسرائيل التي ستخرج من الانتخابات لن تكون إسرائيل ما قبل 7 أكتوبر. وهذا ما يجب أن يفهمه لبنان. فالتحوّل الحقيقيّ داخل إسرائيل أعمق من اسم رئيس الحكومة. هناك مجتمع أكثر قلقاً، ومؤسّسة أمنيّة أقلّ استعداداً للقبول بمخاطر مؤجّلة، وعقيدة تقوم بصورة متزايدة على منع التهديد قبل أن يصبح وشيكاً، لا انتظار تحوّله إلى حرب.
يمكن للبنان أن يرفض هذه العقيدة، وأن يعتبرها انتهاكاً لسيادته، وهذا حقّه. لكنّ رفض الواقع لا يغيّره. تغييره يحتاج إلى بناء واقع لبنانيّ آخر. ولهذا أهمّ انتخابات بالنسبة إلى لبنان ليست تلك التي ستجري في إسرائيل. إنّها الامتحان الذي يجري في لبنان نفسه: هل يستطيع أن يتحوّل، قبل أن يعرف الإسرائيليّون اسم رئيس حكومتهم المقبل، من ساحة يتفاوض الآخرون على أمنها إلى دولة تتفاوض على مصالحها؟
سيختار الإسرائيليّون حكومتهم في 27 تشرين الأوّل. أمّا لبنان فلديه حتّى ذلك الحين خيار أهمّ: أن يقرّر أيّ لبنان ستجده تلك الحكومة أمامها.
