شهد النقد الأدبي الحديث مجموعة من التحوّلات الكبرى، تجلى أهمها في ظهور خطاب نقدي يجعل من النقد نفسه موضوعًا للتفكير والتحليل، وعملت النظريات الحديثة إلى الارتقاء به ونقله إلى مصاف المجال المعرفي النوعي ضمن حقول العلوم الإنسانية. وعُرف نقد النقد بأنه نشاط علمي مستقل له منهجية خاصة تتجاوز السياق التعليمي والإرشادي إلى الاشتغال على خطاب الناقد نفسه. ويطاول ذلك المفاهيم، والأفكار، والمرجعيات، والآليات، والممارسات التطبيقية. ويمكن القول إن نقد النقد هو خطاب يشتغل على مبادئ النقد، ولغته الاصطلاحية، وآلياته الإجرائية، وأدواته التحليلية، الأمر الذي يكسبه أهمية خاصة.
وجرت في المجال العربي محاولات تأصيلية تستند إلى الخصوصية اللغوية والثقافية، واهتمت بالبحث عن جذور نقد النقد في التراث النقدي العربي القديم، لكنها غالبًا لم تتجاوز الكتب النقدية التي ألّفها أصحابها منتقدين كتبًا نقدية أخرى. ويُظهر النظر في الواقع الأدبي والنقدي العربي تحقيق قدر مهم من التراكم، لكن ما تزال هنالك ثغرة تتمثل في ضعف نقد النقد، بوصفه مشروعًا تتضافر اجتهادات نظرية عدة في بلورته، كي يغدو كيانًا معرفيًا، أو حقلًا إبستمولوجيًا.
يطمح محمد بوعزة في كتابه “نقد النقد: من النقد الأدبي إلى تحليل الخطاب” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت 2025) إلى بناء نموذج جديد في قراءة نقد النقد والنقد الأدبي، ويشدّد على أهمية خطاب نقد النقد في تطور النقد العربي الحديث والمعاصر، لأنه يمثل التجسد العملي للوعي النقدي. ويرى أن ثمة حاجة ملحة إلى تفعيل خطاب النقد النقد في قراءة منجزات النقد العربي المعاصر وتقييمها بالوضع الإشكالي للنقد العربي. فهو لا يملك نموذجه الخاص في دراسة الأدب العربي، ويستمد معظم نظرياته ومناهجه ومفاهيمه ومصطلحاته من النظريات الأدبية والمناهج النقدية الغربية، المستنبطة من تقاليد الأدب الغربي، الذي يمتد في تاريخ مختلف عن تاريخ الأدب العربي.
ينظر بوعزة في النقد العربي الحديث، الذي راكم منذ ثمانينيات القرن العشرين إنتاجًا واسعًا، بالاستناد إلى انفتاحه الكبير على النظريات والمناهج النقدية الغربية، بدءًا من الشكلانية والبنيوية وما بعدها، وصولًا إلى التأويلية والتفكيك والنقد الجديد والدراسات الثقافية ودراسات التابع. ولم يرافق ذلك تراكم مماثل في ممارسة نقد النقد القادرة على مساءلة هذا المنجز وفحص شروطه وحدوده، وإبراز دوره في خدمة الأدب العربي، وتطوير آليات القراءة النقدية. إذ عندما يستند النقد العربي إلى نظرية أو منهج من سياق ثقافي آخر، فإن السؤال لا يطرح حول كيفية تطبيقه فقط، بل يطاول سياق نشوء النظرية، ووظيفتها، وشروط انتقالها، وما الذي يحدث لها خلال انتقالها إلى الثقافة العربية؟ والمراد هنا هو أن يكون نقد النقد شكلًا من أشكال الوعي النقدي بالذات، لأن النقد حين لا يقوم بمراجعة أدواته ومفاهيمه ومسلّماته يمكن أن يتحوّل إلى مجرد مستهلك للنظريات. ولا يعني ذلك رفض الانفتاح على الآخر، لأن الخلاف يكمن في كيفية الانفتاح، وعدم اختزال التجديد النقدي في معرفة آخر النظريات الغربية، أو المبادرة إلى نقل مصطلحاتها ومفاهيمها إلى العربية. فضلًا عن أن الانفتاح المعرفي لا يعني الذوبان، والاستفادة من النظريات والمناهج الغربية لا تعني تحويلها إلى سلطة فوق تاريخية، أو معيار كوني جاهز للتطبيق والإسقاط.
يشكل نقد النقد وفق تصور المؤلف استراتيجيا في القراءة النقدية تقوم بتفكيك الطريقة التي يُبنى وفقها الخطاب النقدي، سواء كان نقد النقد، أو خطاب النقد الأدبي، أو التنظير الأدبي، انطلاقًا من ثلاثة مستويات تحليلية ونقدية متضافرة: إبستمولوجية، وهرمونطيقية (تأويلية)، وتفكيكية، حيث يتناول المستوى الإبستمولوجي عناصر الرؤية المنهجية، أي الكيفية التي تبنى نظريًا وتتجسد إجرائيًا في قراءة النصوص، ويستقصي المستوى الهرمينوطيقي ما يشكل رؤية للعالم في الخطاب قد تكون صريحة، أو مضمرة، والتي تتحكم في تفسير الناقد للعمل المدروس وتأويلاته. ويستنطق المستوى التفكيكي نظام الحقيقة في الخطاب، كي يجري وفقه استبعاد ما يعارض هذا النظام من قضايا ومواضيع وخطابات مغايرة.
يختار بوعزة نماذج من نقد النقد والنقد الأدبي العربيين بغية تحليل رؤيتها المنهجية وتفكيك اشتغالها فيها، وذلك في ضوء تصوره لنقد النقد بوصفه استراتيجيا في القراءة النقدية، وذلك عبر ثلاثة أقسام، أولها الأيديولوجيا، وثانيها الإبستمولوجيا، وثالثها التأويلية، ثم يختم كتابه باستخلاص سياسات النظرية.
يقتضي تناول الأيديولوجيا في نقد النقد العودة إلى سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، تلك المرحلة التي هيمنت فيها المقاربات الأيديولوجية على جانب واسع من نقد النقد في المجال العربي، وكانت الأيديولوجيا بوصفها صدى ماركسيًا للدراسات الأدبية والنقدية في تلك المرحلة. وكان من نتائجها تحوّل وظيفة نقد النقد أحيانًا إلى محاكمة سياسية وأيديولوجية للنقاد، الذين قاموا باتخاذ مواقفهم النقدية انطلاقًا من مواقعهم والسياسية والفكرية، مع تراجع الاهتمام بالبنية المعرفية والمنهجية للخطاب الذي ينتقدونه. ويرى بوعزة أن نبيل سليمان في كتابه “نقد النقد الأدبي” لا يرتكز على مرجعية نظرية واضحة في منهجية نقد النقد، ويقدم مثالًا على هيمنة الأيديولوجي على الإبستمولوجي في مقاربته للمتن النقدي المدروس. وحين ينتقل إلى أعمال محمد برادة، وخاصة كتابه “محمد مندور وتنظير النقد العربي”، الذي اعتمد فيه على البنيوية التكوينية لدراسة المشروع النقدي عند مندور، فإنه يرى أن برادة تجاوز في مشروعه النقدي تجديد النقد الأدبي إلى العمل على بناء مستقبل الثقافة القومية المتأخرة والمستلبة بفعل الاستعمار، وقام بتأسيس مذهب نقدي تحت مسمى “المنهج الأيديولوجي في النقد”.
يرفض بوعزة التقليل من أهمية التحليل الأيديولوجي، أو الانتقاص من البعد الاجتماعي والسياسي للنقد، لكنه يعترض على اختزال النقد فيه، بالنظر إلى أن النقد الأدبي خطاب له شروط اجتماعية وتاريخية وأيديولوجية، ويشكل في الوقت نفسه خطابًا معرفيًا له مفاهيمه وأدواته واستراتيجياته، ويفضي غياب المسافة بينهما إلى نوع من الإرباك، وغياب الخصوصية التي يستند إليها نقد النقد.
غير أن بوعزة يستند بدوره إلى عدد من المرجعيات النظرية الغربية، ويستثمر أطروحات أبرز رموزها، بدءًا من ميشيل فوكو في تحليل الخطاب وعلاقة المعرفة بالسلطة، وإدوارد سعيد في النقد الدنيوي والكولونيالي، وجاك دريدا في نظرية النص والتفكيك، مرورًا بأطروحات تزفيتان تودوروف في نقد النقد، وما قدمه ميخائيل باختين، ورولان بارت، وسواهما، وصولًا إلى أعلام النقد ما بعد الكولونيالي ونظرية “الكاوس” أو العماء. ولا تشكل هذه المرجعيات سلطة نهائية، بل يجري العمل على إدخالها في صيرورة الممارسة النقدية نفسها.
بالانتقال من الأيديولوجي إلى الإبستمولوجي، يتناول بوعزة عناصر الرؤية المنهجية، من حيث كيفية تشكّلها نظريًا وتحققها إجرائيًا في قراءة النصوص. ويتخذ مثالًا هو كتاب “نقد النقد وتنظير النقد الأدربي المعاصر”، للناقد محمد الدغمومي، الذي يتناول الأدوات المعرفية والمنهجية التي ترقى إلى أن تشكل طموحًا إبستمولوجيًا كبيرًا، ويسعى إلى وضع خارطة للنقد الأدبي العربي تمكنه في ممارسته النقدية إلى مستوى العلم، بغية بناء إبستمولوجيا خاصة بالنقد الإدبي، من خلال التركيز على آليات إنتاج المعرفة في الخطاب النقدي ونظامه الحجاجي الاستدلالي. لكن الدغمومي في سياق اهتمامه بالنسق حاول الوصول إلى كليات تقعيدية عليا، يتوارى في داخلها كل مغاير، أو مقلق، لسلطة وديمومة النسق وفاعليته. ولذلك يدعو بوعزة إلى تجاوز ثنائية الأيديولوجي والإبستمولوجي الجامدة، والبحث عن علاقة أكثر تركيبًا بينهما، بحيث يمكن رؤية كيفية تداخل المعرفة مع المجتمع، وكيفية تأثير المواقف الأيديولوجية في اختيار المنهج، من دون أن تختزل المنهج نفسه في الأيديولوجيا. ثم ينتقل إلى العلاقة بين النص والتأويل، التي يضعها في سياق التحولات التي عرفها النقد العربي بعد هيمنة المناهج البنيوية عليه. ويتساءل حول حدود التأويل، من جهة انفتاح النص، وما يعنيه من إمكانية إنتاج عدد لا نهائي من التأويلات، والنظر في الكيفية التي تمكن أن يبقى وفقها التأويل نقديًا من دون أن يتحول إلى إطلاق كامل للمعنى.
يقتضي التأويل استقصاء ما يشكّل رؤية للعالم في الخطاب، سواء أكانت صريحة، أم ضمنية، بوصفها الرؤية التي تتحكم في تفسير الناقد للعمل المدروس وتأويلاته. في حين يُعنى المستوى التفكيكي باستنطاق نظام الحقيقة في الخطاب، أي ما يعدُّ صحيحًا داخل نسق من القواعد لخطاب بعينه، ويُستَبعد بموجبه ما يعارض هذا النظام من موضوعات وقضايا وخطابات مغايرة. ويصبح التفكيك جزءًا من عملية مراجعة مفهوم النسق نفسه. فإذا كانت البنيوية قد سعت إلى اكتشاف الأنظمة التي تمنح النص تماسكه، فإن التفكيك يكشف التوترات والتناقضات التي تجعل هذا التماسك أقل استقرارًا مما يظهر عليه.
أما سياسات النظرية، فيجري تناولها من جهة أن النظرية ليست صندوق أدوات يسبق القراءة، بل تتحدد قيمتها داخل فعل القراءة والممارسة النقدية. فالناقد العربي، حين يستعير نظرية غربية، لا يتعامل مع أداة معرفية غير محايدة تمامًا، لأنها وُلدت في سياق تاريخي وثقافي معين، وتشكلت ضمن مؤسسات معرفية ولغوية وأكاديمية محددة، وربما تحمل في داخلها تصورات معينة عن الإنسان والمجتمع والتاريخ والثقافة، وبالتالي، فإن انتقالها إلى الثقافة العربية ليس عملية بريئة، أو محايدة، لذا يتوجب على الناقد مواجهة مشكلات حقيقية في السياق الثقافي والمعرفي الذي تعمل فيه النظرية، وابتكار مفاهيم، أو إعادة تشكيلها بحيث تستجيب لهذه المشكلات. ويطرح بوعزة مفهوم “التنظير التابع” باعتباره محاولة لبناء وعي نظري ينطلق من موقع الثقافات التي عانت من الاستعمار، وما تزال تواجه هيمنة معرفية وثقافية. ولا يفصل في طرحه بين البعد المعرفي والبعد السياسي، حيث يعمل التنظير التابع في اتجاهين متداخلين، أولهما يتجسد في بناء نماذج تفكير وقراءة أكثر ملاءمة لأنساق التمثيل المحلية، وثانيهما يتجلى في إنتاج معرفة أكثر تحرّرًا من المركزية الثقافية الغربية. ويقترب بذلك من أدبيات النقد ما بعد الكولونيالي.