بغداد/ المدى
نظم المجلس العراقي للسلم والتضامن، صباح السبت الماضي (16/5/2026)، ندوة نوعية لمناقشة المنهاج الوزاري لحكومة علي فالح الزيدي، قدمت خلالها ثلاث أوراق تضمنت مراجعة نقدية للمنهاج، لكل من النائب السابق محمد عنوز، والاقتصادي الدكتور عبد الرحمن المشهداني، والناشط الاقتصادي ثامر الهيمص.
وتناولت الأوراق أسئلة وصفتها الندوة بأنها ملحة ومشروعة، تتصل بواقعية محاور المنهاج ومدى قابليته للإنجاز، وما إذا كان يمثل منهاج تعهدات أم وعودا، وهل امتاز بالترشيد والترشيق أم بالغ في التفاصيل، فضلا عن مدى إحاطته بالأولويات وترتيبها بحسب الأهمية وما يتطلع إليه المواطنون في هذه المرحلة الملتبسة.
وبعد مداخلات قدمتها نخبة من المهتمين والمختصين بالشأن المجتمعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، خلصت الندوة إلى مجموعة من الاستنتاجات، أشارت إلى أن المنهاج لا يخرج عن سياق المناهج الوزارية السابقة التي “وعدت” بالوصول بالبلاد والمواطنين إلى قمة التقدم والتطور، من دون أن تعالج أسباب التدهور وعلله.
ورأت الندوة أن المنهاج أشار بخجل، ولو لمرة واحدة، إلى مفردة “الفساد”، فيما تجنب الإشارة إلى مفردة “الديمقراطية”، معتبرة أن العلة الحقيقية لا تكمن في نقص الخطط أو ضعف العناوين فقط، وإنما في طبيعة النظام الأوليغارشي الذي نتج عن منهج المحاصصة المكوناتية، الذي تشكلت بموجبه الحكومات جميعها، وأقصى الكفاءات الوطنية والعناصر النزيهة من مواقع الخدمة.
وأكد المشاركون أن هذا الواقع جعل المناهج الحكومية المتعاقبة مجرد وثائق لا تحاسب عليها الحكومات بعد انتهاء مددها الدستورية، في ظل غياب المساءلة المطلوبة، وانعدام الشفافية والممارسة الديمقراطية.
وبحسب خلاصات الندوة، لم تعد البرامج الوزارية ذات قيمة حقيقية، خصوصا أنها تتعامل مع نتائج الأزمات من دون الاقتراب من أسبابها الفعلية. وحددت الندوة عددا من العوامل المتسببة في الخلل، أبرزها غياب الدولة المؤسسية لصالح مراكز النفوذ الحزبي والسياسي، وضعف التخطيط الاستراتيجي، وغياب آليات التنفيذ والرقابة والمحاسبة، وتجذر الاقتصاد الريعي، والعجز عن بناء قطاعات إنتاجية حقيقية.
كما أشارت إلى تضخم الجهاز البيروقراطي مقابل تراجع الكفاءة والخدمة العامة، وضعف وهشاشة التشريعات وعجزها عن مواكبة متطلبات الإصلاح والتنمية، واستمرار العبث بمفهوم السيادة الوطنية وارتهان القرار العام للتجاذبات الداخلية، فضلا عن النفوذ الذي تفرضه سلطة السلاح المنفلت، والعجز عن تنفيذ القانون بحق المتجاوزين على الحق العام وحقوق الأفراد.
وذكرت الندوة أن المنهاج الوزاري أورد مفردة “الفساد” بخجل شديد، من دون تقديم رؤية واضحة لتفكيك شبكاته ومصادر حمايته السياسية، كما تجاهل الحديث عن الديمقراطية بوصفها منظومة حكم ومساءلة ومشاركة، لا عملية انتخابات صورية دورية.
ودعا المشاركون الحكومة، بعد تشكيلها، إلى إعداد برنامج قابل للتنفيذ والقياس، بعيد عن اللغة الإنشائية والوعود غير القابلة للتطبيق. كما شددوا على ضرورة إصلاح الجهاز الإداري والتشريعي للدولة بما يحد من الترهل المؤسساتي، ويرفع كفاءة الأداء الحكومي وفق مدد زمنية محددة، مع الاستفادة من الرأسمال البشري والكفاءات المعروفة التي يزخر بها المجتمع.
وحذرت الندوة من الاستمرار في التوجهات والشعارات الشعبوية التي أضرت بالبلد سابقا وحاضرا، وستتسبب، بحسب المشاركين، في تعميق الأزمات مستقبلا. وخلصت إلى أن طبيعة الأزمات والمعضلات التي تواجه العراق ليست سهلة الحلول، لكنها ليست مستحيلة على من يريد معالجة التدهور بإخلاص، ومغادرة أمراض الفساد والمحاصصة والعقم الإنتاجي والعوز التشريعي والخدمي والعوق المؤسساتي والعبث بالسيادة.