“الترجمة ليست أداءً شكليًا هدفه تقديمُ عملٍ ما ليُنشر وحسب؛ بل هي اختيار فكري وجمالي واعٍ، فعلُ محبة، واشتغالٌ من القلب للوصول إلى قلوب الآخرين”، بهذه الرؤية يختصر المترجم والكاتب نوفل نيّوف (1948) علاقته الطويلة بالترجمة، بوصفها ممارسة ثقافية وإنسانية لا مهنة عابرة، فقد حاز “جائزة الشيخ حمد للترجمة” عن ترجمته “كل شيء عن الحب” الذي يتضمن 54 قصة للكاتبة الروسية نَديجدا طيفي، بدون أن يكون اسمها متداولًا، بل تعرّف عليها بالصدفة وتذوّق قصصها وأحبّها ونقلها إلى العربية بدافع الشغف والاختيار الجمالي والفكري كما يعبّر.
وإن كان نيّوف قد أخذت الترجمة منه حصة كبيرة من حياته، إلا أنه كتب الشعر والقصة والرواية، وكتب في النقد والفكر السياسي، ومارس التعليم الأكاديمي في جامعات روسيا وليبيا والجزائر لأكثر من 15 عامًا بعد نيله الدكتوراه في “نظرية الأدب” عام 1984 من جامعة موسكو. وكتب في الصحافة الثقافية في روسيا والعالم العربي.
من الكتب التي ترجمها: “زهرة تحت القدم” الذي جمع فيه قصصًا لستة كتّاب روس. ومن ترجماته “قلب كلب” (1992) لـ ميخائيل بولغاكوف، و”الوعي والفن” (1990) لـ غيورغي غاتشِف، و”يهوذا الإسخريوطي” (1982) لـ ليونيد أندرييف، و”الغرب (ظاهرة الغربوية)” بالاشتراك مع عادل إسماعيل (2010). كما قدّم مراجعة للعديد من الترجمات، منها “مدينة الشمس” لـ يغفيني روداشيفسكي (4 أجزاء، مشروع كلمة، 2021)، و”اعتراف – أين الله” (2008).
ومن كتبه: “آفاق الرواية” (نقد، 2007)، و”روسيا من الداخل” (سياسة، 2005)، و”تقطير الروح” (قصص، 2000)، و”أناجيل الخراب” (رواية، 1995)، و”مسودات قلب” (شعر، 1990).
هنا حوار معه:
(*) نلتَ “جائزة الشيخ حمد للترجمة” عن مختارات قصصية للكاتبة نَديجدا طيفي، وهي اسم غير متداول عربيًا مقارنةً بأسماء روسية أخرى أكثر شهرة. ما الذي دفعك لاختيارها؟ هل ترى أن دور المترجم يتضمن فتح آفاق جديدة للقارئ والتعريف بأصوات أدبية غير مألوفة في العالم العربي؟
شخصيًا، أحبّذ التعريف بأصوات أدبية وفكرية جديدة، ولا أعدّ ذلك شرطًا لاختيار الكتاب. أسماء الأديبات الروسيات وكاتبات القصة والشعر لم تكنْ متداولة (ولا أقول: ليست موجودة) في المدارس والجامعات والوسط الأكاديمي في العهد السوفياتي بعد ثورة 1917. اكتشفتُ في بداية تسعينيات القرن الماضي قصص نَديجدا طيفي (1872-1952) التي لم أكن قد سمعت باسمها من قبل. يقول معاصرها الشاعر ساشا تشورني (1880-1932):
“علّمتْنا الكاتبات من قبلُ أن نبتسم ساخرين حين نرى امرأة تمتشق القلم، ولكن أبوللو رأف بنا وأرسل لنا مكافأة هي طيفّي. إنها ليست ‘امرأةً كاتبة‘، وإنما هي كاتبٌ كبير، عميقٌ ومتميز”.
استمر اهتمامي بقصصها إلى أن بلغ ما ترجمته لها 54 قصة عام 2007، نشرتُها في كتاب تحت عنوان “كلّ شيء عن الحب”، أصدرتْه مشكورةً دار نشر “لوتُس” في سلطنة عُمان عام 2019، وفي العام نفسه نلتُ عليه المرتبة الأولى في “جائزة الشيخ حمد للترجمة” في دولة قطر.
(*) هل كان هناك نوع من التهميش للأدب الذي تكتبه النساء في روسيا؟
ليست مسألة تهميش أو تمييز إطلاقًا. فمنذ القرن التاسع عشر كان للمرأة، كاتبةً وشاعرةً وناقدةً ومفكِّرة، حضور فعلي في الثقافة الروسية والحياة العامة. أذكر من بين عشرات الأديبات، على سبيل المثال: نَديجدا دوروفا (1783-1866)، يلينا غان (1814-1842)، ألكساندرا زراجيفسكايا (1805-1867)، صوفيا كوفاليفسكايا (1850-1891)، وكارولين بافلوفا (1807-1893). لم يكن ولا يوجد منع أو محاربة لأدب كتبته أو تكتبه النساء، سواء في روسيا القيصرية أو في روسيا السوفياتية أو اليوم. “الكتابة النسوية”، بكل أنواعها الأدبية والفكرية والثقافية، لا تختلف ولا تنفصل إطلاقًا عن الكتابة عمومًا، أي ليس لها وجود مستقل في الثقافة الروسية. كانت المعايير الأيديولوجية/ السياسية القاسية، في المرحلة الستالينية خاصةً، هي التي ألقت بظلها الثقيل على مصير عدد كبير من نخبة الأدباء الروس بعد الثورة الشيوعية عام 1917، بينهم كاتبات شهيرات، أمثال آنّا أخماتوفا التي رفضت مغادرة البلاد، وعاشت ظروفًا قاسية جدًا، ومارينا تسفيتايفا التي عاشت في المهجر سبعة عشر عامًا وعادت لتنتحر في روسيا، وأديبات أخريات بينهن زيناييدا غيبيوس وإيرينا أدويفتسفا ونَديجدا طيفي وكثيرات أيضًا.
| حاز نوفل نيّوف “جائزة الشيخ حمد للترجمة” عن ترجمته “كل شيء عن الحب” الذي يتضمن 54 قصة للكاتبة الروسية نَديجدا طيفي، بدون أن يكون اسمها متداولًا |
(*) ما الأثر الذي تُحدثه الجوائز في مسيرة المترجم وفي المشهد الثقافي عمومًا؟ وهل يمكن القول إن نوفل نيّوف قبل الجائزة هو نفسه بعدها، أم أن للجائزة قدرة على إعادة تشكيل حضور المترجم وموقعه؟
هذا برأيي يتوقف على الشخص نفسه. فأنا شخصيًا لم أضع الجوائز يومًا هدفًا نُصبَ عينيّ، ولم أعمل بدافع الحصول عليها. الفوز بجائزة أمر مشجع بالتأكيد، فهي تمنح اعتبارًا معنويًا وتقديرًا، فضلًا عن أن جميع المنخرطين في المجال الثقافي ـ أدباء وفنانين ومترجمين- محتاجون ماديًا، في النهاية هذا واقع. وبهذا المعنى كان للجائزة أثر إيجابي، ولكنها، خارج هذين الاعتبارين، بالتأكيد لم تغيّرني.
(*) متى بدأ وعيك برغبتك في أن تصبح مترجمًا؟ وما الدافع الفكري أو الإبداعي الذي قادك إلى اختيار الترجمة مسارًا مهنيًا وثقافيًا؟
تعود أولى بذور اهتمامي بالترجمة إلى قراءتي كتاب ميخائيل نعيمة “الغربال” أواخر المرحلة الثانوية. هناك وقعت على مقاطع بلغة أجنبية، لم يترجمها المؤلِّف، كأنه يقول: “لا تنتظر من يترجمها لك، تعلّم لغة”. فخلق ذلك في داخلي تحديًا حقيقيًا، ترسّخ في ذاكرتي.
في سورية منتصف السبعينيات لاقى ما كنت أترجمه من مقالات وقصص أدبية استقبالًا حسنًا في الصحف والمنابر الثقافية الهامة (“الملحق الثقافي” الأسبوعي في جريدة “الثورة”، ومجلّات “المعرفة” و”الآداب الأجنبية” و”الحياة المسرحية”)، فانتقلت إلى ترجمة الكتب.
كانت الترجمة لي امتحانًا وتحدّيًا من جهة، وتجربة مهمة، ومدرسةً حقيقية عزّزت معرفتي باللغة الروسية عمليًا، من جهة أخرى يدفعني إلى ممارسة الترجمة سببان:
- حبّي لكتاب ما (رواية، قصة، شعر، فكر…) وإعجابي به.
- رغبتي في تقديمه إلى المكتبة العربية، وبالتواصل مع مساحة واسعة من القرّاء.
كانت الترجمة في حسابي عملًا رديفًا، موازيًا، متعةً ومدرسةً في آن، وليس مهنة بديلة للكتابة الإبداعية والعمل الأكاديمي في الجامعة. غير أن دروب الحياة لا تخضع دائمًا للحسابات والرغبات.
(*) ما الذي تمنحه الترجمة للمترجم ذاته؟ هل من أفق إبداعي ولغوي ينفتح أمامه حين يمارس فعل الترجمة؟
لديّ تصور نابع من ممارستي الترجمةَ شخصيًّا، ومن قراءتي ترجمات عن لغات متعددة، مفاده أنّ المترجم ينبغي أن يكون، أوّلًا وأساسًا، على معرفة جيدة بلغته التي يترجم إليها، وباللغة التي يترجم عنها، وأن يتمتع بثقافة جيدة، وذائقة جمالية، ومقدرة تعبيرية؛ أي ألا يكون مجرّد ناقلٍ، عبدٍ للكلمات كمفردات في القاموس ينقلها نقلًا آليًَّا خاليًا من الروح، لا كجُمل وكنص. فالترجمة ليست أداءً شكليًا هدفه تقديمُ عملٍ ما ليُنشر وحسب؛ بل هي اختيار فكري وجمالي واعٍ، فعلُ محبة، واشتغالٌ من القلب للوصول إلى قلوب الآخرين. حين أترجم عملًا أدبيًا أو غيره، لا أفعل ذلك لمجرّد إنجاز ترجمة كتاب ما، بل لرغبتي بأن أعيش ذلك الكتاب فكرًا ولغة وخلْقًا جماليًا، كي أٌحسن نقله وأعيد خلقه، وأتعلّم منه قبل أن أقدّمه للقارئ.
أعترف بأنّ الترجمة منحتني الكثير، وأدرك أن تأثيرها عليَّ عميق وكبير في كل ماَ أترجمه وأكتبه، علَى ذائقتي الجمالية، وأسلوبي، وتنقية لغتي من كل كلمة يمكن الاستغناء عنها، وبناء الجملة كمن يزن بميزان.
(*) مع انتشار الترجمة عن الروسية، تظهر فجوات واضحة في جودة بعض الترجمات، ما ينعكس على صورة النص الأصلي لدى القارئ العربي. كيف تُقيّم هذا الواقع؟ وما العناصر الأساسية التي يرى المترجم المحترف أنها لا غنى عنها لضمان أمانة النقل ودقته؟
هذه، في رأيي، إشكالية قائمة في مجال الترجمة إلى اللغة العربية؛ إذ ليس عندنا تقييمٌ، ممارسةٌ/ قراءةٌ نقدية متصلة، بقدْر معقول من الدراية والموضوعية، إلا ما ندر، للترجمات التي باتت جزءًا عضويا من ثقافتنا تزداد أهميته باطِّراد. لا أتكلّم هنا، طبعًا، عن استراتيجيات الترجمة، ولا عمّا ينقصها من اهتمام مؤسساتي، ولا عن الفوضى المرافقة لِـ/ والناتجة عن الترجمات ومساراتها في الواقع الثقافي العربي إجمالًا… أتكلّم حصرًا عن “الخيانة في الترجمة” بالمعنى المباشر، أي عن التعثّر في “فهم معنى” المفردة أو الجملة، وأحيانًا عن فهم سياق المتن عمومًا!
هناك إقبال كبير على ترجمة الآداب العالمية إلى العربية، ولا سيّما الأدب الروسي الذي يحظى بحضور ملحوظ ومساحة واسعة من اهتمام القرّاء. ونحن اليوم شهودٌ على وجود جيل جديد ممّن يترجمون عن الروسية أعمالًا أدبية كثيرة، وهذا ـ من الناحية الكمية ـ يمثّل ظاهرة إيجابية لا شكّ فيها. وقد حظيَ بعض تلك الأعمال بأكثرَ من ترجمة، أحيانًا بأربع ترجمات وأكثر: في بلد عربي واحد أو في عدة بلدان، وفي مرحلة زمنية واحدة، قصيرة نسبيًا. ولكنْ هيهات أن تجد في معظم الترجمات المتعددة لكِتابٍ واحد ما يدل على أن المترجم قرأ ترجمة من سبقه، فأفاد منها ووقف على مواضع الخطأ أو الخلل والضعف فيها فعدّلها، أو تجنَّب الخطأ بالعودة إلى الصواب في ترجمة سلفه.
كثيرًا ما يكون القارئ النبيه قادرًا على اكتشاف الاضطراب أو الأخطاء في فهم المترجم المعنى الصحيح، من دون أن يعرف لغة الكتاب الأصل.
لا تلاقي الترجمات عمومًا، جيِّدها والرديء منها، نقدًا/ تقييمًا يشير إلى جوانب الضعف والقوة فيها. أمّا دور النشر العربية فأكثرها لا يلقي بالًا إلى نوعية الترجمة ومدى جودتها.
لا أُخفي أني بتُّ أتوجّس من الركون إلى كثير من الترجمات العربية عن أيٍّ من اللغات الأجنبية.
في معنى الأمانة في الترجمة
(*) يقول المثل الإيطالي إن الترجمة خيانة. هل تراها كذلك؟
هذه عبارة قديمة: “أيها المترجم، أيها الخائن”، ولكن كثيرًا ما يساء فهمها واستخدامها.
الخيانة، بالمعنى الحصري الضيِّق، نعم، إذا لم يستطع المترجم فهمَ المعنى. أمّا عدم مطابقة الترجمة حرفيًّا للأصل فليست خيانة، لأن أقصى ما يطالَب به مترجم الأدب عمومًا، والشعر على وجه الخصوص، هو أن تضاهي الترجمةُ الأصلَ، أن تكون مكافئة للأصل. وهذا هو معنى الأمانة في الترجمة، أو نقيض الخيانة، كما أعلم. فالأدب هو الفن الكتابي الذي لا يمكن حصره في وجه واحد. الأدب العظيم يعيش عبر الزمن: هوميروس معاصر دائمًا، مثلُه مثلُ شكسبير. الناس قادرون دائمًا أن يروا أنفسهم في نصوصهما. بينما هناك نصوص ينتهي عمرها بانتهاء زمانها. لذلك، لا ينبغي فهمُ عبارة “أيها المترجم، أيها الخائن” بالمعنى السطحي السوقي، بل بالنظر إلى أي درجة تكون الترجمة أقرب إلى صواب التعبير عن روح النص/القصيدة ونقلها حيّة إلى لغة أخرى لتعيش بدون أن تحصرها بحدّ واحد.
أتذكر دائمًا قول جوكوفسكي، شاعر ومترجم روسي كبير، ومعلِّم بوشكين: “مترجم النثر عبد، ومترجم الشعر غريم”. لم يقل: منافس، بل “غريم”. لأن ترجمة الشعر معركة، تتطلّب قدْرًا من الموهبة الأدبية.
(*) في أحد حواراتك قلتَ إنّ ما تتمناه للترجمة إلى العربية هو “الخروج من هذا الجحيم الدامي إلى استقرار آمن”، ووصفتَ واقعها بأنه أزمة تُسيطر عليها شروط قاسية. انطلاقًا من هذا التشخيص القاسي، ما العوامل الأساسية التي تعيق تشكّل بيئة صحية ومستدامة للترجمة في العالم العربي؟
خلال فترة خمس عشرة سنة مضت، منذ أحداث تونس 2010 التي أشعلت شرارة التغيير الحارقة في العالم العربي، دخلت المنطقة العربية مسارًا بالغ الخطورة والارتباك والتفكّك، أسفر عن شروخ اجتماعية، سياسية وثقافية عميقة وبعيدة المدى؛ لا تنحصر كارثيتها بالنزوح والهجرة، بل هي تخترق وتشمل الفرد والأسرة والنسيج الاجتماعي، دمارًا وفقرًا وانهيارًا شاملًا في العلاقات والفكر والقدرة الشرائية جملة وتفصيلًا، وإن بدرجات مختلفة نسبيًا بين بلد عربي وآخر. يجري ذلك كلّه في ظل تخبّطٍ وانكسارات، بل في ظل غيابٍ أو شبهِ غياب خطير لسياسة ثقافية واضحة، متبصِّرة داخل الدولة الواحدة، أو بين الدول العربية.
(*) في زمن الذكاء الاصطناعي، باتت أدوات الترجمة الآلية تتطور بسرعة وتقدّم نتائج تبدو احترافية في كثير من الأحيان، مما دفع البعض إلى التشكيك في جدوى المترجم. هل ترى أن الترجمة بوصفها فعلًا إبداعيًا شخصيًا مهددة بالزوال أمام هذا التطور؟
في مجال الفنون، أرى أنه مهْما بلغت الآلة من ذكاء، لا يمكنها أن تلغي دور الفنان الحقيقي، والمترجم أيضًا. خذي مثال الكاميرا، وهي أداة مذهلة ودقيقة في التقاط الضوء والظل والألوان، ومع ذلك لا يمكن أن تغني الكاميرا عن الفنان الحقيقي.
ترجمات بعض العلوم والمجالات الفكرية، بواسطة الذكاء الاصطناعي أو عبر غوغل، يمكن أن تقترب من الدقة إلى حد كبير. أما ترجمة الأدب، شعرًا كان أو رواية، فمسألة مختلفة جدًا.
ليس خطأ أن يستعين المترجم بالأدوات الإلكترونية، بل أحيانًا تكون مفيدة جدًا في البحث عن تعبير، أو مصطلح، أو صورة فنية، أو مثل شعبي تعذر العثور عليه في القواميس. حيث تعجز الآلة عن أداء المعنى الصحيح، يكون على المترجم أن يبحث ويفكر لإيجاد التعبير الأدق.
بعض المترجمين يعتمد اعتمادًا كاملًا على الترجمة الآلية ثم يضع اسمه على العمل، وكأن الآلة مجرد أداة مساعدة. الأدوات الإلكترونية مفيدة، ولا يمكن تجاهلها اليوم، لكن من الخطأ الكبير أن تتحول إلى بديل كامل عن المترجم. الترجمة الإبداعية ليست عملية ميكانيكية، بل هي فعل فهم وتذوق ومقدرة على إعادة خلق النص.
(*) كتبتَ الشعر والقصة والرواية، لكن حضورك الإبداعي في هذه الأجناس يبدو محدودًا مقارنة بانشغالك بالترجمة. هل كانت الترجمة سببًا في ابتعادك عن الكتابة الأصلية؟ أم أنّ لهذا الاختيار مسارًا فكريًا وإبداعيًا خاصًا بك؟
هذه ملاحظة في مكانها، مؤلمة لكني لا أنكرها ولا أفتعل تسويغًا لها. عمومًا، انطبعت حياتي بالتشتت، وكثرة التنقّل، وعدم الاستقرار (طبعًا، هذا تقريرُ واقعٍ، عاملٌ خارجي، لا أذكره لتفسير شيء أو تسويغ شيء). لم أرهَن نفسي يومًا لأن أكون مترجمًا فقط، لكن عدد الكتب التي ترجمتُها أضعاف ما ألّفت من كتب. لديّ تجربة شعرية، لم أنشر منها شيئًا تقريبًا في الدوريات. وقد نشرتُ مجموعة أولى متواضعة جدًا، ومع ذلك لا أتنكّر لها. ما بقيَ/تجمّع لديّ من شعر لم أنشرْه، هو ما أكتبه منذ عام 2004 حتى اليوم. لم أسلك طريقًا واحدًا في حياتي… (في البال قول صديقي الشاعر الليبي عاشور الطويبي: “دائمًا، كلما مشيت تمنّيتُ أن أسير في الاتجاهين”).
كتبت النقد الأدبي، وأصدرت كتابًا واحدًا. مارستُ العمل الأكاديمي خمس عشرة سنة في جامعات ليبيا والجزائر وموسكو، تراجع خلالها اهتمامي بالترجمة. ثمّ جاءت بي الأقدار إلى كندا التي أقيم فيها منذ خمسة عشر عامًا.
كتبت رواية واحدة، نشرتُها في وزارة الثقافة عام 1995، بعد عشر سنوات من كتابتها. نشرتُ مجموعة قصصية واحدة، ومجموعة شعر واحدة، وكتابًا نقديًّا واحدًا. لذلك يمكن القول إنني لم أستطع المتابعة في خط واحد، فرجحت عندي كفّة الترجمة. إنني مقصِّرٌ، طبعًا. هكذا عشت حياتي.
(*) هل تغيير المكان يؤثر إيجابًا أم سلبًا؟
تلك مسألة فردية لا تقبل التعميم. هناك من يتأثر بذلك إيجابيًا، ومن يتأثر سلبيًا، تبعًا لاختلاف الظروف التي تقضي بالتنقل. سافرتُ إلى روسيا ثلاث مرات، مرَّتَين للدراسة، والثالثة للعمل في موسكو. كنت أدرّس في الجامعة، وأعمل في الصحافة والإعلام (إذاعة وتلفزيون)، ثمّ عدتُ إلى سورية عام 2003 لإنهاء الغربة. فأمضيتُ في دمشق ثماني سنوات، تعرّفت خلالها من جديد وعن كثَبٍ على واقع الثقافة السورية والعربية عمومًا، وعلى الأجيال الجديدة وهمومها واهتماماتها في المجالات الإبداعية. ثم جاءت زيارتي المؤقتة (كما حسبتُها) مطلع عام 2011 إلى كندا. غير أن انفجار الوضع في سورية وتطوراته الدموية حال دون عودتي؛ فانكسر مسار حياتي من جديد، وانقطعت مشاريعُ كنت أعمل عليها، وتغيّرت أشياء كثيرة في رؤيتي للأشياء وفي تعاملي معها. إذ ما معنى أن تترك فجأةً حياةً تغلي، ومكتبةً كبيرة خلفك للفراغ؟ أن تخسر مناخًا ثقافيًا حيًّا لا يُعوَّض؟ دائمًا كان هناك كتاب تقرأه، شخص تتحاور معه، مكان تذهب إليه، مقهى، أصدقاء، حركة مستمرة: فلان كتب، فلان ترجم، فلان نشر… تَجدُّدٌ يومي… وفجأة تُقتَلع! في غربتي تنوب عن المكتبة، البيتية أو العامة، كتبٌ إلكترونية. وعن الجليس شاشةُ الكومبيوتر. ليس الكتاب محاوِرًا. عالمٌ افتراضيّ كلّه. تحيط بي حزمة غيابات متشابكة. جمود يشبه الشلل. يمضي الزمن، ولا عودة إلى الخلف.
(*) في مقدمة كتابك “آفاق الرواية حدود القصة” تتحدث عما يجب أن يتمتع به العمل الأدبي من وحدة فنية عالية الإحساس، وأن ما يفسدها شطط في الوصف، والترهل… كيف ترى المشهد الروائي والقصصي اليوم، هل لم يعد لدينا مثل ما قدّمه كبارنا، هل هذا يعود لغياب النقد الجادّ أم هي قضية الزمن السائل حتى في الإنتاجات الأدبية؟ وكيف ترى تحوّل النقد الأدبي بين زمن الروّاد الذين أسّسوا لحساسية نقدية راسخة، وبين واقع النقد اليوم؟
يصعب عليَّ إصدار أحكام دقيقة. فضاء الأدب العربي – خاصة في مجال الرواية وحتى الشعر- اتسع بشكل هائل، ولكن دون وجود تيارات نقدية موازية. يوجد نقاّد جادّون هنا وهناك، ولكن تظل الفجوة واسعة بين الإنتاج الأدبي والمتابعة النقدية، على عكس ما كان سائدًا في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات… أتساءل، مثلًا، لماذا ليس عندنا أجزاء موازية/متتالية (4،3،2 إلخ…) استكمالًا لِـ/ أو على غرار كتاب يحيى حقي “فجر القصة المصرية”؟ لا أعرف كتابًا/ كتبًا لتاريخ الرواية العربية (خلال مائة سنة، سواء أرجعنا بداية تاريخها إلى “الأجنحة المتكسرة” لجبران خليل جبران، أو إلى “زينب” لمحمد حُسين هيكل، أو إلى ما قبل ذلك).
في المقابل، هناك انفتاح كبير على الثقافات الأخرى، وانخراط بلا حدود في الكتابة الإبداعية والتجريب، أسفر عن اختراقات فنية عالية القيمة حققها كتّاب وكاتبات في بلدان عربية مختلفة؛ فطبيعي، وثمين ألا يكون المعاصرون صورة عن أسلافهم القريبين أو البعيدين. هناك في الحقيقة اختراقات في معظم الأجناس الأدبية لافتةٌ، متعددةٌ، ومتناثرة، “فمتى أراكِ وأنتِ ملتمّة؟”، كما يقول بدر شاكر السياب.
(*) عشتَ في روسيا ودرست فيها منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، وهي مرحلة مفصلية في تاريخها الثقافي والسياسي. كيف ترى التحولات التي شهدها المجتمع الروسي بين تلك الحقبة واليوم؟ وخلال هذه التجربة الطويلة، ما أبرز الملامح أو الظواهر الثقافية التي لفتت انتباهك، خصوصًا في ما يتعلق بالمثقفين الروس ومسألة القمع ودورهم في الحياة الفكرية؟
درستُ المرحلتين في الزمن السوفياتي: مرحلة الجامعة والماجستير، ومرحلة الدكتوراه. كنت شاهدًا على تلك المرحلة وما آلت البلاد إليه خلالها من فسادٍ وتردٍّ، ومن بيروقراطية وترهّل واختناق. كانت الأوضاع في مجملها مزرية. غادرت موسكو يوم وفاة أندروبوف، حين كانت البلاد على مشارف البيريسترويكا والانهيار عمليًا.
القيود التي كانت مفروضة على الأدب والفكر والثقافة عمومًا باسم الواقعية الاشتراكية والأيديولوجيا الجامدة تزعزعت وانهارت، فانفتحت أبواب عالم الفلسفة، والفكر، والتعبير، وجميع أنواع الفنون الإبداعية، واختلط الغثّ بالسمين، وساد قدْر كبير من الفوضى وحرية التعبير لم يعرفه الروس من قبل. التغيّر الجذري الذي حصل كان بالدرجة الأولى تغيّرًا أيديولوجيًا متلونًا.
رغم قسوة الرقابة والقمع وخنق الحريات الإبداعية في الحقبة السوفياتية حصلت اختراقات هامة. كنا نتصور أنّ الأدراج مليئة بالنصوص الممنوع نشرها خوفًا من الرقابة، لكن حين انكشف الستار أثير ضجيج مفتعل حول أعمال أدبية متوسطة المستوى في أحسن الأحوال، وبقي في الظل، إلى حين، ما هو ثمين، ممنوع ومخفي، كأعمال أندريه بلاتونوف الذي كان شيوعيًا دفع ثمنًا غاليًا، وكتب ستالين نفسه على هامش إحدى قصصه الباكرة نسبيًا: “عبقريّ، لكنه وغد”.
(*) في كتابك “روسيا من الداخل”، تستشهد بالفيلسوف ألكسندر زينوفييف بقوله إن الرأسمالية والشيوعية وجهان للغرب، وأن روسيا تسعى للحاق باتجاه الغرب الحقيقي وهو غرب مهموم، وأن الشعب الروسي ينتحر حين يسعى للّحاق بالغرب، إلى أي مدى تبدو لك هذه الرؤية قادرة على تفسير التحولات في روسيا؟ وكيف تفهم “الهوية الحضارية” الروسية في ضوء هذا الطرح؟
زينوفييف شخصية إشكالية للغاية. ترجمت مع الزميل د. عادل إسماعيل كتابه “ظاهرة الغربوية” وصدر عن المجلس القومي للترجمة في مصر. كان زينوفييف يدرّس الفلسفة في جامعة موسكو الحكومية، ورُحِّل قسرًا على متن طائرة إلى ميونيخ عام 1978. وافتتح أحد كتبه بجملة لافتة يقول فيها: “يسألوننا، نحن الشيوعيين، هل تؤمنون بالله؟ فنجيب: نعم، نحن لا نؤمن بالله”.
ناقش في كتابه “ظاهرة الغربوية” كإشكالية حضارية، وقدّم مقارنات عميقة بين الشرق السوفياتي والغرب. ولاقى هذا الكتاب تقديرًا كبيرًا في فرنسا. أمضى زينوفييف في الغرب 25 عامًا، وحين عاد إلى موىسكو في تسعينيات القرن الماضي ربطته بالزعيم الشيوعي زوغانوف صداقة قوية، فهو لم يعتبر نفسه منشقًا، وكان يكره المنشقين، وخاصة سولجينيتسِن!
وقد طرد زينوفييف صحافيًا روسيًا جاء لمقابلته في ألمانيا، قائلًا له ما معناه: نحن الروس سمكٌ في الماء، وأهلُ الغرب طيورٌ تُغرّد في السماء. إذا هم هبطوا إلينا ماتوا، ونحن إذا صعدنا إليهم نموت (..). لو انتقلت ألمانيا إلى روسيا ستبقى ألمانيا، ولو انتقلت روسيا إلى ألمانيا ستبقى روسيا.
هذه الإشكالية ليست جديدة في الثقافة الروسية، بل عمرها قرون عديدة. الشعار القيصري نفسه، النسر ذو الرأسين، يعكس إدراك الروس كونهم أمة تقف بين عالمين: جزء في آسيا وجزء في أوروبا. إنهم يدركون جيّدًا هذه الإشكالية: الروس والغرب يشتركون في مسار حضاري واحد لتحقيق أهداف مختلفة.