في أجندة MBN لهذا الأسبوع: تحاول واشنطن تحويل الحرب مع إيران إلى معركة نفوذ اقتصادي، عبر قصف أحدث محاولات إيران لزرع الألغام في مضيق هرمز، واستخدام النفط الفنزويلي كوسيلة تحوّط في مواجهة ارتفاع أسعار البنزين، وإطلاق ما وصفته بـ«يوم الحسم الاقتصادي» لخنق قدرة طهران على الوصول إلى الدولار الأميركي. لكن أصعب نقطة ضغط تمر عبر الصين، في وقت يستميل فيه شي جين بينغ شركاء إقليميين ويتجه إلى مصر.
وفي ملفات أخرى، تنقسم دول الخليج بشأن مدى مجاراة العقوبات الأميركية على إيران، فيما تراهن الولايات المتحدة على وعود الحكومة السورية، وتتردد بيروت بشأن طرد السفير الإيراني السابق، وتواجه بغداد صعوبات في نزع سلاح الميليشيات المتحالفة مع إيران.
إشارات واشنطن
هرمز يتحول إلى محور الحرب
أمضت الحكومة الأميركية عطلة نهاية الأسبوع وهي تستهدف أوراق النفوذ الإيرانية من اتجاهين. ففي الجمعة، أعلن الرئيس دونالد ترامب عن اتفاق يمنح الولايات المتحدة حصة ضخمة في احتياطيات النفط الفنزويلية، مقدماً إياه كوسيلة لتعزيز الإمدادات الأميركية وخفض أسعار البنزين في نهاية المطاف. ثم في الأحد، قصفت القوات الأميركية مواقع إيرانية في جزيرة لارك بمضيق هرمز، بعدما قالت إن الحرس الثوري الإيراني كان على وشك زرع ألغام بحرية في المنطقة.
وتشير الخطوتان إلى بداية مرحلة جديدة من الحرب التي دخلت الآن شهرها السادس.
أعلن ترامب سياسة «عدم التسامح مطلقاً» تجاه الألغام الإيرانية، بعدما قال إن الممر الملاحي الرئيسي في هرمز جرى تطهيره بالكامل. وعندما رصدت القوات الأميركية لاحقاً ما وصفته بمحاولة وشيكة لإعادة زرع الألغام فيه، قصفت منصات إطلاق الألغام، ثم توقفت. وردت إيران بإطلاق عدد من الصواريخ على قاعدة أميركية في الأردن، لكن تبادل الضربات لم يؤدِ فوراً إلى تجدد صراع أوسع، رغم تعهد ترامب الاثنين «بضربهم بقوة » رداً على ذلك.
في الوقت الراهن، يبدو الهدف الأميركي أضيق نطاقاً مما كان عليه في مراحل سابقة من الحرب: إبقاء الملاحة في هرمز مستمرة، ومنع إيران من دفع أسعار الطاقة إلى مزيد من الارتفاع، وزيادة الضغط الاقتصادي على طهران بصورة مطردة. ويندرج الاتفاق مع فنزويلا ضمن هذه الاستراتيجية. وسيستغرق تطوير نفطها على نطاق واسع سنوات، لكن الوعد بالحصول على 65 مليار برميل يمنح ترامب، على الأقل، رداً على قدرة إيران على إجبار الأميركيين وغيرهم على دفع المزيد مقابل الوقود، وهي الورقة الأقوى التي لا تزال في يد طهران.
وفي غضون ذلك، واجه «يوم الحسم الاقتصادي» الذي وعد به وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أول اختبار كبير له الجمعة، عندما تحرك لعزل فروع بنك مصر في الإمارات عن التعاملات بالدولار الأميركي. وقالت وزارة الخزانة الأميركية إن البنك المصري عالج معاملات بقيمة نحو 1.8 مليار دولار لصالح شركات مرتبطة بالنظام المصرفي الموازي لإيران، ما جعله قناة مهمة لوصول طهران إلى الدولار.
لكن الصين تمثل التحدي الأصعب أمام بيسنت. فالكيانات الصينية تشتري أكثر من 80% من صادرات إيران من النفط الخام، ما يجعل البنوك وتجار النفط الصينيين أكثر أهمية بكثير لبقاء طهران من القنوات المالية التي تعمل واشنطن الآن على إغلاقها عبر بنك مصر. وتتجلى هذه العلاقة الاقتصادية بوضوح هذا الأسبوع، إذ يلتقي الرئيس الصيني شي جين بينغ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقادة عالميين آخرين في أحدث قمة لمنظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان.
ومن هناك، يتوجه شي الثلاثاء إلى مصر، الشريك الأمني القديم للولايات المتحدة وموطن البنك الذي تستهدفه واشنطن الآن. وتعمل بكين بصورة مطردة على توسيع حضورها حول قناة السويس وتعزيز علاقاتها العسكرية مع القاهرة، بما في ذلك من خلال تدريبات جوية مشتركة. وتقول وزارة الخارجية الصينية إن العلاقات مع مصر باتت «في أفضل حالاتها في التاريخ»، في تذكير بأن الحكومات نفسها التي تضغط عليها واشنطن لعزل إيران تعمل في الوقت ذاته على تعزيز علاقاتها مع بكين باعتبارها بديلاً.
في نهاية المطاف، ثمة حدود للمدى الذي تستطيع واشنطن الذهاب إليه في استراتيجيتها من دون الاصطدام ببكين. فهي تستطيع قصف القوات الإيرانية التي تزرع الألغام، وإغلاق قنوات النظام إلى الدولار، واستخدام النفط الفنزويلي لتقليص النفوذ الاقتصادي لطهران. لكن فرض خناق كامل على النظام الإيراني سيتطلب مواجهة البنوك الصينية التي تدعم تجارة النفط الإيرانية، وهو ما من شأنه فتح مواجهة أكبر بكثير، قبل أسابيع فقط من محادثات شي المهمة مع ترامب في واشنطن يوم 24 سبتمبر/أيلول.
عامل يحمل علماً أميركياً إلى قاعة اجتماعات قبيل لقاء سابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب بقادة دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض (رويترز/ جوناثان إرنست)
تتفاوت ردود فعل دول الخليج على العقوبات الجديدة التي تفرضها واشنطن، في وقت تهدد فيه إيران بالرد على الدول التي تساعد في تطبيقها. وكانت الإمارات قد علّقت بالفعل التعاملات التجارية والمالية مع إيران قبل أن يكشف بيسنت عن الحملة الأخيرة، بينما اتخذت السعودية وقطر وعُمان والكويت والبحرين حتى الآن موقفاً أكثر حذراً إزاء الانضمام علناً إلى الهجوم الاقتصادي الأميركي.
وتختلف حسابات هذه الدول بشكل كبير. فالمسؤولون الإماراتيون يقولون إن الهجمات الإيرانية جعلت استمرار التجارة خطراً أمنياً، فيما لا تزال عُمان ترغب في الحفاظ على دورها كوسيط، وتُبقي قطر القنوات السياسية مفتوحة. لكن البنوك والشركات الخليجية تواجه قيداً أكثر صعوبة: فممارسة الأعمال التجارية مع إيران قد تكلفها الآن إمكانية الوصول إلى الدولار الأميركي والنظام المالي الدولي الأوسع.
وهذا يمنح واشنطن قدراً كبيراً من النفوذ، لكن ليس واضحاً ما إذا كان ذلك سيترجم إلى اصطفاف سياسي. فقد تلتزم الحكومات الخليجية اقتصادياً، مع استمرارها في مقاومة القطيعة الدبلوماسية الكاملة مع طهران، خصوصاً في ظل بقاء هرمز موضع نزاع واستمرار إيران في التهديد بالرد على الدول التي تنضم إلى الحملة.
تراهن إدارة ترامب على أن إنهاء عزلة سوريا الدولية التي استمرت عقوداً سيدفع دمشق إلى الابتعاد أكثر عن موسكو وطهران. وشطبت سوريا من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب الأسبوع الماضي، لكن الرئيس أحمد الشرع تحدث بعد يومين فقط مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن تعميق العلاقات والحفاظ على الوجود العسكري الروسي في سوريا.
وتقول واشنطن إن الشرع فعل ما يكفي لتبرير هذه المجازفة، لكن جانباً كبيراً من الرهان يستند أيضاً إلى ما تعهد القيام به مستقبلاً. وتقول وزارة الخارجية الأميركية إن دمشق قدمت ضمانات خطية بشأن الإرهاب وتعهدات إضافية تتعلق بالأولويات الأميركية في المنطقة، مع تحذيرها من أن واشنطن لا تزال «تحتفظ بخيارات عديدة، بما في ذلك صلاحيات فرض العقوبات» إذا تراجعت دمشق عن التزاماتها.
وتبقى روسيا وإسرائيل الاختبارين الأوضح. فقد قلّص الشرع المكانة المميزة التي كانت تتمتع بها موسكو ووافق على خفض واردات النفط الروسي، لكنه لم يطرد القوات الروسية بالكامل. وتراهن واشنطن عملياً على أن الانخراط مع سوريا يمكن أن يجذبها تدريجياً أكثر نحو الغرب، في عملية تأمل أن تتوج في نهاية المطاف باتفاق أمني مع القدس.
المشهد اللبناني
.
واجهت جهود لبنان للحد من النفوذ الإيراني اختباراً محرجاً. فقد أعلنت بيروت السفير الإيراني محمد رضا شيباني شخصاً غير مرغوب فيه في مارس/آذار، وجردته من صفته الدبلوماسية. لكن الحكومة اللبنانية تبدو الآن مستعدة للسماح له بالبقاء في البلاد بصفته مقيماً عادياً.
ومن شأن ذلك أن يضعف أثر قرار كان الهدف منه في الأصل إعادة تأكيد السيادة اللبنانية. فبعد اتهام شيباني بالتدخل في السياسة الداخلية وعقد اجتماعات غير مصرح بها، رفضت إيران استدعاءه، فيما عارض حزب الله وحركة أمل الشيعية طرده بشدة.
ووضع ذلك الحكومة أمام ما يراه البعض معضلة عبثية. وقال المحلل القانوني أمين محمد بشير لـ “الحرة”: “إذا كانت الدولة قد سحبت اعتماده وأعلنته شخصاً غير مرغوب فيه، فلا معنى لأن تمنحه لاحقاً إقامة في البلاد.”
ويتجاوز الخلاف مسألة الدبلوماسي نفسه. فهو اختبار آخر لمدى قدرة بيروت على ترجمة موقفها الأكثر تشدداً تجاه طهران وحزب الله إلى سلطة فعلية قابلة للإنفاذ، أو ما إذا كانت الضغوط السياسية الداخلية ستفرغ قراراتها من مضمونها.
تعارض واشنطن مساعي بغداد للتوصل إلى تسوية تحفظ ماء الوجه مع الميليشيات العديدة المتحالفة مع إيران في البلاد. وقال مسؤول أميركي لـ “الحرة” إن على الفصائل تسليم أسلحتها إلى الحكومة المركزية، لا مجرد نقلها إلى قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران.
ويضع ذلك الولايات المتحدة في مواجهة مع مقترح يكتسب زخماً في بغداد، حيث يريد بعض القادة السياسيين أن يتولى الحشد الشعبي جمع أسلحة الميليشيات وتخزينها قبل الموعد النهائي المحدد في 30 سبتمبر/أيلول لنزع السلاح والانسحاب الأميركي. ومن شأن هذا الترتيب أن يسمح للحكومة بالقول إنها أحرزت تقدماً، فيما يتيح للجماعات المسلحة تجنب الظهور بمظهر من رضخ للضغوط الأميركية.
ويضيق الموقف الأميركي هامش المناورة أمام بغداد. وفي ظل حث طهران الفصائل على مقاومة نزع السلاح الكامل، وبدء بعض المسؤولين العراقيين بالفعل مناقشة تأجيل الموعد النهائي، سيكون الشهر المقبل اختباراً لقدرة رئيس الوزراء علي الزيدي على إرضاء واشنطن من دون إثارة صراع في الداخل.