هاشم النفاخ…جريدة المدى
ليست المجتمعات كيانات جامدة، بل هي في حالة تغير دائم، تتشكل فيها الهويات وتُعاد صياغتها بحسب التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية. فمن الطبيعي أن يضم أي مجتمع هويات متعددة؛ دينية أو قومية أو مناطقية أو ثقافية، ما دامت جميعها تجتمع تحت مظلة هوية وطنية واحدة تمثل الإطار الجامع للمواطنين. فوجود التنوع ليس مشكلة بحد ذاته، بل قد يكون مصدر قوة عندما تنجح الدولة في تحويله إلى عامل وحدة لا سبباً للانقسام
لكن المشكلة تبدأ عندما تتراجع الهوية الوطنية، وتتحول الهويات الفرعية إلى مرجعيات أعلى من الدولة نفسها. عندها يصبح الانتماء للطائفة أو الحزب أو العشيرة أو القومية أكثر حضوراً من الانتماء للوطن، وتبدأ مؤسسات الدولة بفقدان قدرتها على إنتاج مفهوم المواطنة الذي يجعل الجميع متساوين أمام القانون، بغض النظر عن انتماءاتهم الأخرى
لقد شهد العراق بعد عام 2003 واحدة من أعقد عمليات إعادة تشكيل الهوية في تاريخه الحديث. فالتغيير السياسي الذي أسقط النظام السابق فتح الباب أمام تعددية سياسية غير مسبوقة، لكنه في الوقت نفسه أفسح المجال أمام تصاعد الهويات الفرعية، سواء كانت مذهبية أو قومية أو مناطقية أو حزبية. وأصبحت هذه الهويات، في كثير من الأحيان، هي الإطار الذي يعرّف الأفراد أنفسهم من خلاله، بينما تراجعت الهوية العراقية الجامعة إلى المرتبة الثانية
وقد تناول علم الاجتماع السياسي هذه الظاهرة بوصفها نتيجة طبيعية لضعف الدولة، وغياب المشروع الوطني الجامع، ودخول الفاعلين الإقليميين والدوليين على خط تشكيل المشهد السياسي. فكلما ضعفت مؤسسات الدولة، ازداد اعتماد الأفراد على هويات بديلة تمنحهم الشعور بالأمان والانتماء
لكن ما يلفت الانتباه اليوم هو أننا قد نكون أمام مرحلة جديدة تختلف عن كل ما سبق. فالمسألة لم تعد تقتصر على الهويات المذهبية أو القومية أو المناطقية، بل بدأت تظهر مؤشرات على تشكل نمط آخر من الانتماء، يمكن وصفه – من منظور علم الاجتماع السياسي – بأنه “هوية الولاء الخارجي”. أي أن يصبح الانتماء المعنوي أو السياسي لدولة أخرى جزءاً من تعريف الإنسان لنفسه، ومصدراً للفخر، بل ومقياساً للحكم على القضايا الوطنية
قد يبدو هذا الوصف مبالغاً فيه للوهلة الأولى، لكن تأمل الخطاب العام خلال السنوات الأخيرة يكشف أن بعض المواقف لم تعد مجرد آراء سياسية مرتبطة بالعلاقات الخارجية، وإنما أصبحت تعكس حالة من الارتباط العاطفي والسياسي بدول خارج الحدود. ففي كثير من الأحيان، يتحول النقاش حول مصلحة العراق إلى نقاش حول مصلحة دولة أخرى، وكأن الدفاع عن تلك الدولة أصبح جزءاً من الهوية الشخصية أو السياسية لبعض الأفراد
ومن المعروف في علم الاجتماع أن الهوية لا تُقاس بالشعارات فقط، وإنما بالسلوك والرموز والخطاب. فالإنسان يكشف هويته من خلال ما يدافع عنه، والرموز التي يمنحها القداسة، والجهة التي يشعر بأن الإساءة إليها تمسه شخصياً، والقضايا التي يضعها فوق كل اعتبار. وعندما تصبح رموز دولة أخرى أكثر حساسية لدى البعض من الرموز الوطنية العراقية، فإن الأمر يستحق التوقف والتأمل
ولعل ما شهدته الساحة العراقية خلال السنوات الماضية من سجالات ومواقف متكررة يعكس هذه الإشكالية. ففي كل مرة يقع خلاف يتعلق بدولة من دول الجوار، يظهر من يتعامل مع المسألة وكأنها قضية شخصية أو هوية يجب الدفاع عنها، حتى لو تعارض ذلك مع المصلحة الوطنية العراقية. وفي المقابل، قد نجد قدراً أقل من الحساسية عندما يتعلق الأمر بالعلم العراقي، أو بالمؤسسات العراقية، أو بالرموز السيادية للدولة
ولا يتعلق الأمر بفرد أو حادثة بعينها، بل بنمط آخذ في التكرار. فمن الصعب تفسير هذه المواقف باعتبارها اجتهادات سياسية منفردة عندما تتكرر على ألسنة سياسيين، وشخصيات اجتماعية، ورجال دين، وشيوخ عشائر، ومؤثرين في الرأي العام. إن تكرار السلوك ذاته في بيئات مختلفة يدل على أننا أمام ظاهرة اجتماعية تستحق الدراسة، لا مجرد خلاف سياسي عابر
ومن المهم هنا التمييز بين أمرين مختلفين تماماً. فليس المقصود رفض العلاقات مع دول الجوار، فالعراق بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه ومصالحه يحتاج إلى أفضل العلاقات مع جميع الدول، القائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتحقيق المصالح المشتركة. لكن العلاقات الدولية شيء، وتحول الولاء إلى دولة أخرى على حساب الوطن شيء مختلف تماماً
فالمواطن يمكن أن يعجب بتجربة دولة أخرى، أو يؤيد موقفاً سياسياً معيناً، أو يختلف مع سياسات حكومته، وهذه جميعها ممارسات طبيعية في أي مجتمع ديمقراطي. أما أن يتحول الدفاع عن مصالح دولة أخرى إلى جزء من الهوية السياسية والاجتماعية، وأن يصبح أي انتقاد لتلك الدولة سبباً للاتهام والتخوين، فهذه ليست علاقة خارجية، بل أزمة هوية وطنية
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها قد تتحول مع مرور الزمن إلى هوية فرعية جديدة داخل المجتمع العراقي، تماماً كما ترسخت هويات فرعية أخرى خلال العقود الماضية. فالأجيال الجديدة تتأثر بما تراه في الخطاب السياسي والإعلامي، وعندما تعتاد على رؤية الولاءات الخارجية أمراً طبيعياً، فإنها قد تنشأ وهي تعتبر هذا السلوك جزءاً من المشهد السياسي المعتاد، لا استثناءً يستوجب النقد
وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالدول لا تنهار فقط بسبب الحروب أو الأزمات الاقتصادية، وإنما قد تنهار أيضاً عندما يفقد مواطنوها الإيمان بأن الدولة هي مرجعيتهم الأولى. فكلما ضعفت الهوية الوطنية، ازداد نفوذ الهويات البديلة، وتراجع مفهوم المواطنة، وأصبح الانقسام أكثر عمقاً
وإذا استمرت هذه الظاهرة في الاتساع، فإن ما يبدو اليوم مستبعداً قد يتحول غداً إلى موضوع مطروح للنقاش السياسي. فالأفكار الكبيرة لا تبدأ عادةً بقرارات رسمية، وإنما تبدأ بتطبيعها في الوعي العام. وما كان يُعد قبل سنوات فكرة غير قابلة للتصور، قد يصبح مع الزمن رأياً سياسياً عادياً، ثم مطلباً تتبناه جماعات أو قوى سياسية
ومن هذا المنطلق، ليس من المستحيل أن نصل في المستقبل إلى مرحلة يظهر فيها من يدعو، تحت مبررات سياسية أو عقائدية أو اقتصادية، إلى تشريعات أو ترتيبات قانونية تمس استقلال القرار العراقي أو تربط مستقبل العراق بصورة أعمق بدولة مجاورة. وليس المقصود هنا التنبؤ بحدث معين، وإنما التنبيه إلى أن استمرار تطبيع الولاءات الخارجية قد يفتح الباب أمام أفكار كانت تبدو في السابق مستحيلة التداول، وربما نشهد يوماً ما أعضاء في البرلمان يطرحون مثل هذه المشاريع أو يدافعون عنها باعتبارها خياراً سياسياً مشروعاً
إن الحفاظ على الهوية الوطنية لا يعني إلغاء التنوع، ولا مصادرة حرية الرأي، ولا قطع العلاقات مع دول العالم. بل يعني أن تبقى مصلحة العراق هي السقف الأعلى الذي لا يعلوه أي ولاء آخر، وأن تبقى رموز الدولة وسيادتها محل احترام من الجميع، مهما اختلفت مواقفهم السياسية أو الفكرية
فالدول القوية ليست تلك التي تمنع الاختلاف، وإنما تلك التي تجعل جميع اختلافاتها تنتهي عند نقطة واحدة، هي الوطن. أما عندما يصبح الوطن نفسه موضع اختلاف، أو يصبح الولاء له أقل حضوراً من الولاء لغيره، فإننا لا نكون أمام أزمة سياسية فحسب، بل أمام أزمة هوية، وهي أخطر الأزمات التي يمكن أن تواجه أي دولة