شكّل إغلاق مضيق هرمز صدمةً كبيرة ما زالت أصداؤها تتردد في دول الخليج العربية، ليس بسبب الخسائر الناجمة عن إغلاقه فحسب، بل ربما، وهذا الأهم، لما كشفه من خطأ التصوّرات التي حكمت نظرة هذه الدول إلى موقعها في العالم وإلى أهمية ما تمتلكه من موارد. فمنذ “حرب الناقلات”، في أثناء الحرب العراقية – الإيرانية، وزرع إيران ألغاماً في مياه الخليج عام 1987، ظل إغلاق مضيق هرمز احتمالاً حاضراً في النقاشات النظرية والتحليلات الإعلامية الرائجة، لكنه كان دائماً يمثل، بالنسبة لصانع القرار الخليجي، سيناريو “البجعة السوداء”. كان الافتراض السائد، حتى فبراير/ شباط 2026، أن الاقتصاد العالمي لا يستطيع تحمل انقطاع نفط الخليج وغازه، وأن أي محاولة لإغلاق المضيق سوف تستدعي تدخلاً دوليّاً سريعاً. كانت الفكرة ببساطة أن العالم لا يستطيع أن يعيش من دوننا.
المفارقة أن إيران نفسها لم تتصرف وفق هذه الفرضية. ففي وقت كانت فيه دول الخليج تراهن على أن العالم سيحمي حرية الملاحة في هرمز، كانت طهران تعد نفسها لاحتمالات إغلاقه. وفي يوليو/ تموز 2021 افتتحت حكومة حسن روحاني خط أنابيب غورة- جاسك، ومحطة تصدير النفط على بحر عُمان، لتقليل اعتمادها على جزيرة خرج الواقعة داخل الخليج (ما فات إيران، طبعاً، احتمال أن تفرض واشنطن عليها حصاراً من خارج المضيق، لكن هذا موضوع آخر). في المقابل، لم تتعامل دول الخليج بالجدّية نفسها مع احتمال إغلاق المضيق. فالسعودية، مثلاً، امتلكت منذ ثمانينيات القرن الماضي خط أنابيب شرق– غرب الذي يصل حقول المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، لكنها لم تجعل من الاستغناء عن هرمز محوراً لاستراتيجيتها النفطية، فلم تبادر، مثلاً، إلى تطوير شبكة خطوطها باتجاه البحر الأحمر، أو موانئها عليه. وعندما تحقق سيناريو “البجعة السوداء”، لم يعد السؤال كم برميلاً تستطيع دول الخليج إنتاجه، بل كم برميلاً تستطيع إيصاله إلى الأسواق.
لكن الصدمة الأكبر جاءت من مكان آخر، فبعد أكثر من ستة أشهر على اضطراب الملاحة في هرمز، لم يتوقف الاقتصاد العالمي، ولم تتحقق سيناريوهات “يوم القيامة”، ولم تندلع حرب عالمية ثالثة، كما قدّر مسؤول خليجي، والأهم أن أحداً لم يهرع لإعادة فتح المضيق. على العكس، يتجه العالم إلى التكيف مع انقطاع طويل لإمدادات الطاقة من الخليج، ولولا حرب أوكرانيا وانقطاع امدادات الغاز والنفط الروسية عن أوروبا، لكان شعور العالم بأزمة هرمز أقل كثيراً، وليبرز حينئذ السؤال الصعب ما إذا كان الخليج قد بالغ في تقدير نفسه وأهميته للعالم.
خلال العقدَين الماضيَين، وخصوصاً بعد ثورات الربيع العربي، نشأ في بعض دول الخليج شعور، لا يمكن توريته، بفائض القوة. فتبنّى مثقفون خليجيون تعبير “اللحظة الخليجية”، فيما ذهب آخرون حدّ القول إنّ “مصائر دمشق وبغداد والقاهرة وصنعاء باتت تُقرّر في عواصم الخليج ومجالسه”، لم يكن هذا الشعور بلا أساس. فقد تزامن تراجع الحواضر العربية التقليدية، نتيجة الحروب والانقسامات والأزمات الاقتصادية، مع صعود استثنائي في القوة المالية الخليجية. أصبحت دول الخليج تمتلك بعض أكبر الصناديق السيادية في العالم، وتحوّلت عواصمها إلى مراكز للاستثمار والطاقة والطيران، والإعلام، والدبلوماسية. كانت هناك، بهذا المعنى، لحظة خليجية فعلاً. لكن المشكلة أن الخليج تعامل مع مصادر الطاقة، والثروة التي تولدها، باعتبارها القوة، وليست باعتبارها مورداً واحداً فقط من مواردها، فالثروة لا تصبح قوة إلّا عندما تتحوّل إلى قدرات تتجسّد في بنية تحتية مستقلة، وقاعدة صناعية وتكنولوجية، وإمكانات عسكرية ذاتية، ومؤسسات إقليمية فاعلة، وقدرة على حماية طرق التجارة والطاقة. هذا لم يحصل. بدلاً من ذلك تبنّى الخليج “دبلوماسية دفتر الشيكات”، إذ كل مسألة يمكن حلّها بالمال، بما في ذلك جلب الحماية. نجحت هذه السياسة في شراء النفوذ أحياناً، وأيضاً في ترسيخ انطباع أن العالم لا يستطيع أن يمضي من دوننا، إلى أن بيّنت أزمة هرمز أن القوة لا تكمن في مقدار ما يمتلكه المرء فحسب، بل بمقدار ما يستطيع الآخرون الاستغناء عنه، أو تعويضه. السؤال الذي ينبغي أن يشغل دول الخليج الآن ليس لماذا سمح العالم بإغلاق هرمز؟ بل لماذا ركنت إلى افتراض أن العالم لن يسمح بإغلاقه أصلاً؟ ربما كان الخليج محقّاً عندما اعتقد أن لديه لحظة تاريخية، لكنه بالغ، حتماً، عندما قدّر أن المال ومصادر الطاقة كفيلة بجعل تلك اللحظة دائمة، من دون فعل ما ينبغي لجعلها كذلك.