اسماعيل القصير
لم تكن جريمة استهداف الحافلة قرب مصياف، التي أودت بحياة سبعة أشخاص وأصابت آخرين، مجرد حادث أمني ينبغي أن يمرّ كغيره من الحوادث. فحين يكون جميع الضحايا، وفق ما أوردته مصادر حقوقية، من أبناء الطائفة العلوية، يصبح من المشروع أن نسأل: هل نحن أمام جريمة عابرة، أم أمام مؤشرات على عودة العنف ذي الطابع الطائفي؟
وخصوصا بعد تكرار، مثل هذه الحادثة، اكثر من مرة!
لا نملك، حتى الآن، دليلاً حاسماً يثبت أن الدافع وراء هذه الجريمة كان طائفياً، كما أن هوية المسلحين ما تزال مجهولة. ولذلك فإن إطلاق الأحكام قبل اكتمال التحقيق قد يكون خطيراً بقدر خطورة الجريمة نفسها.
لكن في الوقت ذاته، لا يجوز أن يتحول غياب الدليل النهائي إلى ذريعة لتجاهل المؤشرات المقلقة.
فالطائفية لا تبدأ دائماً بخطاب سياسي معلن(رغم توفره، عموما)، أحياناً تبدأ بالقتل على الهوية، ثم بالصمت، ثم بالخوف، ثم بالشائعات، ثم بتحول الخوف إلى رغبة في الانتقام، وصولاً إلى انغلاق كل جماعة على نفسها والبحث عن الحماية خارج السلطة.
وهنا تقع المسؤولية الأكبر على عاتقها.
السلطة لا تستطيع أن تطلب من المواطنين أن يثقوا بها، بينما يشعر بعضهم أن دماءهم يمكن أن تُراق دون أن يعرفوا من قتلهم ولماذا.
المطلوب ليس فقط إصدار بيان إدانة. المطلوب تحقيق مهني وشفاف، والوصول إلى المنفذين، ومعرفة دوافعهم، وإعلان الحقيقة للرأي العام، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان انتماؤه.
وفي المقابل، فإن مواجهة الطائفية لا تكون بتحويل كل جريمة تستهدف أبناء طائفة إلى اتهام لطائفة أخرى. فليس من العدل ولا من الحكمة أن يتحول المجرم إلى ممثل لجماعة بأكملها.
المجرم فرد أو جماعة محددة، وليس طائفة.
لقد دفع السوريون، من مختلف مكوناتهم، ثمناً هائلاً نتيجة تحويل الاختلافات الدينية والمذهبية والقومية إلى أدوات للصراع السياسي والأمني. ولذلك فإن الخروج من هذه الدائرة يتطلب الانتقال من منطق “الأكثرية والأقلية” إلى منطق المواطنين المتساوين أمام القانون.
فالعلوي الذي يُقتل لأنه علوي ليس ضحية العلويين وحدهم، كما أن السني أو المسيحي أو الدرزي أو الكردي الذي يُقتل بسبب هويته ليس ضحية جماعته وحدها.
إنه اعتداء على فكرة سوريا نفسها.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه السلطة والمجتمع معاً ليس فقط: من قتل هؤلاء؟
بل أيضاً:
كيف نمنع أن يصبح القتل على الهوية أمراً قابلاً للتكرار؟
وكيف نضمن ألا يتحول الخوف إلى كراهية، والكراهية إلى انتقام، والانتقام إلى دورة جديدة من الدم؟
إن السكوت عن الجرائم الطائفية، لا يحمي السلم الأهلي؛ بل يهدده. كما أن استخدام هذه الجرائم للتحريض على جماعة بأكملها لا يحمي الضحايا؛ بل يفتح الباب أمام ضحايا جدد.
ما تحتاجه سوريا اليوم هو دولة تقول بوضوح:
لا مواطن محمياً بطائفته، ولا مواطن مستباح بسبب طائفته.
الحماية للجميع، والقانون على الجميع، والعدالة للجميع.
فإذا كانت سوريا تريد فعلاً أن تبدأ صفحة جديدة، فإن أول شروط هذه الصفحة هو ألا يصبح دم السوري وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام الذي أنهكنا وأنهك البلد.
الحقيقة أولاً، والعدالة ثانياً، والمواطنة فوق كل الهويات.
إن هذه الجريمة، تطرح سؤال مصيري:
هل تستطيع السلطة أن تمنع عودة الطائفية إلى الشارع، قبل أن تتحول من حوادث متفرقة إلى واقع اجتماعي وسياسي يصعب الخروج منه؟
الرحمة للشهداء، على طريق معركة بناء سوريا
والعار للقتلة